· علاقة إليوت بالإسلام عن طريق دانتي والخيام وباوند
· لم تحظ قصيدة بالاهتمام والترجمة مثل "الأرض الخراب"
· لباوند ابن يدعى (عمر) اعتنق الإسلام وترجم الشعر الإسلامي
· البحث يقدم مادة عمل غنية لعلاقات المثاقفة بين حضارتين أو أكثر
نزار فلّوح
يثير كتاب "أوتار شرقية في القيثار الغربي" لمؤلفه الدكتور أحمد محمد البدوي موضوع المؤثرات العربية والإسلامية في الأدب الغربي من خلال مجموعة من المقالات في الأدب المقارن تندرج فصولها تحت العناوين التالية:
1 - ماء السماء الإسلامية في قصيدة "الأرض الميتة" لإليوت·
2 - العلاقة بين قصة السندباد البحري في ألف ليلة وليلة وقصيدة "الملاح العريق" للشاعر الإنكليزي كولردج·
3 - إدجار آلان بو: الشاعر الأمريكي والمؤثرات الإسلامية·
4 - عن تأثير أبي العلاء المعري في الكوميديا الإلهية·· دراسة تقويمية عن سبق الكتاب العرب لأسين بلاثيوس·
ولعل هذا العرض لعناوين الكتاب ينبئ مبدئيا عن المنظور الثقافي الذي ينطلق منه المؤلف في تناوله لهذه النماذج من الإبداعات الغربية من جهة تأثرها بالتراث العربي والإسلامي والشرقي بالمعنى الأوسع لمفهوم الشرق كما يورده المؤلف· وقد رأينا أن نقتصر في هذا العرض على الفصل الأول من الكتاب، ونؤجل الحديث عن موضوعات الفصول الباقية الى وقفة أخرى تستحقها، لئلا يأتي تناولنا لها مبتسرا غير ذي فائدة، وذلك لما ينطوي عليه الكتاب من تفاصيل نقدية وتاريخية وإبداعية تزدحم فيها أوجه المقارنة والمناقشة والبحث·
ما أثر الإسلام في إليوت؟
هل تأثرت قصيدة إليوت بالتراث الإسلامي؟ ينطوي تساؤل المؤلف هنا على مفارقة نقدية وثقافية تواجه القارئ العربي الذي ارتبطت قصيدة ت· س· إليوت الشهيرة "الأرض الخراب" أو "الأرض الميتة" في ذهنه بالتأثير الذي تركه صاحبها في بعض تجارب رواد الشعر العربي الحديث (السياب وحاوي وأدونيس··) إلا أن المؤلف شاء أن يوجه بحثه في اتجاه آخر مختلف جذريا، فحاول استكشاف ملامح الأثر الإسلامي في قصيدة إليوت من خلال عدة افتراضات ثقافية وتاريخية مشفوعة ببعض المقارنات النصية الموحية، ومن أجل ذلك بيّن المؤلف مصادر علاقة إليوت بالإسلام فرآها متمثلة في: دانتي والخيام وإزراباوند، ثم وقف عند نص "الأرض الميتة" محللا بعض المكونات الإسلامية في القصيدة·
تقوم فكرة المصادر آنفة الذكر على أن إليو تأثر واقتبس صورا وإشارات وتشبيهات من الكوميديا الإلهية لدانتي وضمنها في قصيدته مثل: "صورة الجحيم وبعض ضروب العذاب فيه وتوق المعذبين الى الخلاص···"، وبعد أن يعرض المؤلف المشاهد الممثلة للجحيم في كوميديا دانتي، والتي اقتبس إليوت بعضها، يخلص الى أنه "ما دام الأثر الإسلامي في كوميديا دانتي معروفا وراسخا، فلا شك أن مؤثرات إسلامية قد وصلت إليوت عن طريق دانتي، وخاصة ما يتعلق باستحضار مشاهد الجحيم والعذاب··"·
إليوت والخيام
وبأسلوب المقارنة والاستنتاج نفسه يعرض المؤلف مقطعا من مقابلة صحفية مع إليوت نشرت مترجمة في مجلة "حوار" يشير فيها إليوت الى تأثره الشعري المبكر برباعيات الخيام فقد "كتب بذات الأسلوب عددا من الرباعيات المفعمة بروح التشاؤم والإلحاد واليأس ثم أتلفها فيما بعد··"، ويطور المؤلف هذه الشهادة معتبرا أن "وقدة شاعرية إليوت تولدت من شرارة الخيام وكان لها صدى فكري وشعوري في نفسه" مدللا على ذلك بسعة انتشار ترجمات الخيام في العالم الغربي منذ ترجمة فتزجرالد لها عام 1859، وحين يحاول المؤلف الوقوف عند بعض نصوص (إليوت والخيام) ليقارن بينها لا يعثر على أي تشابهات ملموسة "فليس بالضرورة أن يخلق المؤثر الشعري الواحد انطباعات متطابقة"·
الأثر الإسلامي عن طريق باوند
يتحول المؤلف الى مصدر آخر من مصادر إليوت هو (إزراباوند) أستاذ إليوت الذي منح قصيدة "الأرض الميتة" شكلها الرسمي، فشذ بها وأعمل فيها يد التنقيح حين عرضها الشاعر عليه، "ولا يعدم من يقف عند باوند أن يجد لديه ما يدل على معرفة بالثقافة الإسلامية على نحو ما، ففي بعض كتاباته إشارات الى شروح ابن سينا وابن رشد لكتب أرسطو، ولباوند ابن يدعى (عمر) اعتنق الإسلام وأسهم في ترجمة الشعر الإسلامي الى الإنكليزية"، وتدل هذه الإشارات في رأي المؤلف على "أن باوند لم يكن بعيدا عن المؤثرات الإسلامية، وهذه المؤثرات ربما انتقلت موجات منها الى إليوت على يدي باوند"، ولكن هذه الصلات المحتملة تبقى مسألة افتراضية يعوزها الدليل·
سمات قرآنية
ينعطف المؤلف بعد ذلك الى تحليل بعض العلاقات النصية والدلالية في "الأرض الميتة" مبتدئا بعنوان القصيدة الذي يبرز - في رأيه - تناقضا بين بيئة الشاعر الخضراء اليانعة التي تغمرها الثلوج على مدار أشهر طويلة في العام، وبين مفهوم "الأرض الميتة" المقفرة، وهو مفهوم "ينطبق على أرض بلاد أخرى·· وهو أعلق بثقافات قوم آخرين، وله دلالات وجذور راسخة في التراث الإسلامي والأدب العربي، فقد وردت عبارة "الأرض الميتة" ومشتقاتها أكثر من ثلاثمائة مرة في القرآن الكريم، وخاصة في ترجماته الإنكليزية التي ظهرت أولاها عام 1734 على يدي سالي"، وبالمثل يرد تعبير "الأرض الميتة" في الشعر الجاهلي عبر صور شتى كما نجد في عبارة "البلد الماحل" في إحدى قصائد عبيد بن الأبرص" التي ترجمت ضمن ديوانه من قبل المستشرق (ليال) عام 1913، أي قبيل صدور قصيدة إليوت·
يقف المؤلف عند عناوين مقاطع في قصيدة إليوت تشير الى موضوعات مألوفة في القرآن الكريم كمقطع "الموت بالماء" أو "الموت غرقا" الذي يتحدث عن الموت والقضاء على الفساد وبعث الحياة من جديد، وهو أمر مألوف في القرآن ولا سيما في قصة نوح·
يستعرض المؤلف بعد ذلك إحدى أبرز الترجمات العربية لقصيدة إليوت التي قام بها الناقد العراقي عبدالواحد لؤلؤة بعنوان "الأرض الخراب" فيعثر في أثناء تعليقاته وشروحاته على لفتات وإيماءات دالة على الأثر الإسلامي في أكثر من موضع، كما يقع المؤلف على منحى من مناحي النظم القرآني وهو أحد طرائق إليوت في النظم الشعري الذي يراه المؤلف "سمة قرآنية أصلا"· باستعراض هذه الروافد التي اتصل بها إليوت، وكانت فيها أشكال لمؤثرات وصور إسلامية عُرفت في الثقافة الإنكليزية قبل إليوت، يفتح المؤلف نافذة جديدة باتجاه البحث عن الأثر الإسلامي في قصيدة "الأرض الميتة" خاصة وفي شعر إليوت عامة· وبصرف النظر عن مشروعية الاستنتاجات التي استخلصها المؤلف ومدى دقتها فإن عمله يقدم للقارئ والباحث المقارني مادة عمل وبحث مفيدة تتمثل في استعراضه الفني لجوانب متنوعة من علاقات المثاقفة والتبادل الفكري بين حضارتين أو أكثر، إضافة الى عرضه الواسع لمجالات الاهتمام النقدي العربي بقصيدة إليوت التي حظيت بعدة ترجمات عربية وبعناوين مختلفة·
حماسة ومحاذير
يبقى الجانب المميز لهذا البحث هو الوجهة النقدية في تناول الموضوع، فعلى خلاف ما هو سائد وما ألفناه عن دراسة أثر إليوت في الأدب العربي الحديث أثار المؤلف افتراض تأثير التراث العربي الإسلامي والشرقي في إبداع إليوت، وكأنه بذلك يوسع الحلقات التاريخية والحضارية والأدبية للموضوع، موحيا من طرف خفي بأن جل ما استمده الإبداع العربي الحديث من أجواء إليوت الشعرية إنما هو "بضاعتنا وقد ردت إلينا"، ولكن ما يخشى هنا هو الذهاب بعيدا في الحماسة لهذا الاتجاه، وقطع العلاقة مع الاتجاهات والاحتمالات والتأثيرات الأخرى الممكنة، وهي تأثيرات شديدة القوة والوضوح في أدب إليوت، حيث لا يمكن أن نتجاهل ذلك التراث الأسطوري القديم الهائل الذي نهل منه الإبداع الأوروبي والإنساني المعاصر، فكثير من قضايا الموت والبعث والحياة والعذاب والخلاص والخصب واليباب إنما هي موضوعات أسطورية راسخة ذات سمة إنسانية وحضارية عامة قبل أن تتوضع في تعابير عربية أو إسلامية أو شرقية· ولكن المؤلف بدا كأنه نسي ذلك أو أهمله، واكتفى بالنظر الى الموضوع بعين واحدة، فرأى شيئا وغابت عنه أشياء مما تحتاج مناقشته الى وقفة من نوع آخر·
*أوتار شرقية في القيثار الغربي (مقالات في الأدب المقارن): د· أحمد محمد البدوي - منشورات جامعة قاريونس - بنغازي - 1989·
** حظيت قصيدة "اليوت بشهرة واهتمام كبيرين في الأوساط العربية فتناوب على ترجمتها كل من: (أدونيس ويوسف الخال)، و(لويس عوض) و(جبرا إبراهيم جبرا) و(عبدالواحد لؤلؤة) و(عبدالمنعم الزبيدي)، وأعطي عنوان القصيدة ترجمات مختلفة مثل: "الأرض الخراب" و"الأرض اليباب" و"الأرض الموات" و"الأرض الخربة" و"الأرض المقفرة" و"الأرض الميتة" وهي الترجمة التي تبناها ودافع عنها مؤلف الكتاب·