رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 16-22 ربيع الأول 1420هـ - 30 يونيو 6 يوليو 1999
العدد 1383

ضوء

"ترمومتر" الثقافة...

 

ركان الصفدي

(1)

 

نحن بحاجة الى نقاد حقيقيين، لا يواكبون الإبداع فحسب بل يفتحون أمامه الدروب والفضاءات أيضا، نقاد مبدعين حقا، لانقاد المتاريس القنّاصين المنتمين الى الميليشيات الثقافية، ولا نقاد "سوق الحميدية" بدمشق الذين تسيل ألسنتهم عسلا فيقنعونك بحلاوة العلقم، ولا نقاد الصالونات الارستقراطية الذين ينخلون فوق رأسك عشرات المصطلحات الأجنبية استعراضا لمعارفهم الثقافية، وكثير منها يكون قد هجر أو تغير عند أهله الأصليين·

هناك نقاد عرب كثيرون ومع ذلك لا نحس أن هناك حركة نقدية عربية! في العقود الماضية كان هناك تيارات نقدية متمايزة، أما النقد العربي في التسعينيات فهو بلا هوية، إذ إن فيروس "ما بعد الحداثة" قد أصابه بزكام فكري مستعص·

 

(2)

 

النقد الصحفي ليس نقدا بالمعنى العلمي، ولذلك ترى الجميع تقريبا يلعبون لعبة الكراسي·· النقدية! ما نكتبه في صفحاتنا الثقافية اشتباك ثقافي مع الحدث اليومي، قد يكون فيه شيء من الآراء النقدية أو شيء من الانطباعات أو القراءات أو المقاربات، ولكنه في المحصلة ليس نقدا، لأن صدر الصحافة لا يتسع للمادة المتمهلة المتأنية العميقة· المادة الصحافية حوار سريع على رصيف أو في مقهى أو حديقة، أما النقد فهو تجربة فكرية مضنية، ومغامرة تحتاج الى أدوات وأسلحة ورؤية شاملة·

 

(3)

 

هناك (نقاد) كالمشعوذين يبعثون في نفسك الرهبة ببخورهم الفكري وطلاسمهم اللغوية وتمتماتهم الفنية وأراجيفهم الفلسفية، كل ذلك ليستطيعوا إيهامك بقدرتهم وعظمة عملهم، فإذا كنت ممن (نجمهم) خفيف، وقعت تحت سطوتهم حتى لو لم تخرج منهم بحصيلة، أما إذا كنت لا تؤمن بالشعوذة والتنجيم خرجت من جوهم الخانق نادما على تجربة لم تقبض منها إلا على الريح·

وهناك من تراه نسج حوله شبكة من المصطلحات فهو عالق بما لا يستطيع منها فكاكا، حتى تظن أن لغته تحولت الى مصطلحات تفصل بينها أحرف الجر وعلامات الترقيم· هؤلاء في رأيي مهووسون، بـ (مصطلح) علم النفس، إذ إن اللغة علاقات حميمية وليست علبا كرتونية ولا بطاقات إلكترونية·

وهناك من ثقّف نفسه بقراءة الصحف أو جلسات المقاهي، فالتقط تعبيرا من هنا ومصطلحا من هناك، وليس أمرا مستغربا أن تجده يخلط الحابل بالنابل، متخبطا بين المدارس النقدية والمذاهب الفكرية بصورة كاريكاتورية·· هذا مهرج وحكواتي ناجح، لكنه بالطبع ليس··· ناقدا·

 

(4)

 

لا أظن أن سحرا يفوق سحر البنيوية في التعامل مع النصوص الأدبية أو غيرها، كما أن لها إنجازات نقدية عظيمة جدا وخصوصا في الأدوات لا في النتائج، ولهذا رأينا الكثير من المثقفين العرب قد احتشدوا أمام بابها، ومنهم من دخل ومنهم من قفز من النافذة، ومنهم من اكتفى من الغنيمة بالإياب·

ولأن البنيوية بهذه السطوة وهذا السحر، فإنك تجد الكثير ممن يمارسون (النقد) يحاول التغطية على سطحية ما يعالج، وعادية ما يكتب، بذرّ بعض المصطلحات البنيوية في موضوعه، حتى لو كان يكتب وفق منهج تقليدي· ويلجأ الى بعض الرموز والأسهم والإحصاءات··· فهو لم يستوعب البنيوية فاكتفى بـ (مرق مرق الأرنب)·

 

(5)

 

الناقد الجاد الصبور الراحل الكبير د· فهد عكام عاش في الظل على الرغم من أنه قدم منهجا نقديا متطورا ترك آثارا متفاوتة في طلابه بجامعات دمشق وحمص وصنعاء، ولكنه لم يكن يعرف لعبة الأضواء والإعلام، وقد يأتي يوم يكشف فيه عن تجربته النقدية العلمية، ولن يدرس أبو تمام بعد الآن إلا مقترنا باسمه·

 

(6)

 

هناك نقد لا يقدم لك الأفكار والرؤى فقط وإنما المتعة أيضا، فهو أشبه بالعمل الأدبي الجميل ومن يقرأ لأدونيس أو وهب رومية أو يوسف اليوسف·· يقتنع أن النقد ليس بالضرورة علما جافا كما تحول على أيدي معظم النقاد، وإنما هو إبداع مواز للنص الإبداعي، ولكنه - على كل حال - لا يتخلى عن علميته ومنطقيته وانسجامه الفكري·

النقد··· ترمومتر الثقافة!

طباعة  

أفق
 
الهمّ السابع
 
أناقة العبارة وجمالية المعنى وعذوبة الصورة في كتاباته النثرية
الأديب خالد السعد في كتابه الجديد: "أبجدية الحروف الأولى"

 
إصدارات
 
قراءة في "أوتار شرقية في القيثار الغربي" لأحمد محمد بدوي
مؤثرات إسلامية وقرآنية في شعر ت· س· إليوت

 
لوحات
 
نافذة
 
أجراس