الشعر... في الزمن المضاد
نزار فلوح
لم يكن ذلك المساء الدمشقي قبل أكثر من عام عابرا كغيره من المساءات·· فالمدينة التي استعدت للاحتفاء بالشعر مشخصا في واحد من أكبر فرسانه في العصور الحديثة عانقت قلب الشاعر وصوته·· قاسمته رعشة الألم وبسمة الرجاء، فاستجابت عيون الدمشقيات لبكائه الداخلي دموعا عزيزة وآهات تلألأت في مآقي الجميع وحناجرهم·· هناك في "صالة الجلاء" التي ضاقت على رحبها استعاد الشعر ألقه وأمجاده في تظاهرة قلما تتحقق له في هذا الزمن الذي يرى كثيرون أنه زمن مضاد للشعر، ولكن الأمر مع محمود درويش بدا مختلفا، فدمشق الرسمية والشعبية كانت هناك نساء ورجالا وأطفالا·· جاء الجميع - ربما - لاستعادة حلم مفقود أو أمنية بعيدة المنال·· ولم تبخل حنجرة الشاعر العربي في منح القادمين دفئا جاؤوا ينشدونه، فبادلوا شاعرهم بمثله أضعافا، وعانقوا أوجاعه ونشيده بأكف ملتهبة·· حين وجدت نفسي مدفوعا وسط الطوفان الهائل من محبي درويش وشعره انتابني شعور بالجزع والخوف من أن تفشل الأمسية، فما الذي يسكت هذه الحشود ويجعلها تصغي؟! لكن الأمر كان شبيها بالسحر· فبعد أن عبر جمهور دمشق عن احتفائه بالشاعر وحبه الغامر له، ساد طقس شعري مخالف، استحالت به القاعة الى أذن واحدة وعين واحدة، أذن تنصت وتتأمل برهافة في فضاء القصيدة، وعين ترنو الى منصة الشاعر التي انهالت عليها الأضواء، وتحلَّق حولها المحبون جلوسا، يفترشون أرضها التي لم تعد باردة رغم المطر الهاطل في الخارج··
هدر بعدها شلال الشعر يغسل الروح، وتدفقت أمواجه لتبلل القلوب والحناجر، فحبس المكان أنفاسه، لا همسة ولا نأمة·· إنه سحر القصيدة ومهابة الساحر الذي جاء يغني عن فرح العصافير ودفاتر الطفولة الأولى، وحنين السنونو المنفي للعودة الى أحضان الذكريات وخبز الأم وقهوة صباحها الدافئ·· كما غنى عن أوجاع وطن يعاند الفجيعة والضياع، وطن يجذِّف بقايا الحالمين فيه ضد تيار الطغاة الذين يحكمون العالم·· غنى درويش عن أوطان ضاعت، وأوطان قد تعود·· وعن أحلام أجهضتها مظالم التاريخ وحائكو خرائطه ومؤامراته "عالمنا تغير كله/ فتغيرت أصواتنا/ حتى التحية بيننا وقعت/ كزرِّ الثوب فوق الرمل/ لم تُسمع صدى···"·
كانت أمسية محمود درويش الدمشقية ومضة جميلة ومدهشة لمعاودة اللقاء بأحلام هاجعة ظلت الى أجل قريب أحلاما طازجة ومشرعة على آمال كبيرة··
كما أن الأمسية أعادت طرح العديد من الأسئلة الكبيرة:
- هل انقضى زمن الشعر؟
- هل هناك أزمة تواصل بين الشاعر والجمهور؟
- هل هذا زمن شعر "الغرفة"؟
لقد كانت الإجابة بعيدة عن كتب النقد والتنظير الأدبي··· كانت ملموسة وواقعية ومرئية ومسموعة هناك·· في "صالة الجلاء"!