· الخلط بين النص الإلهي والفقه البشري أوقعه في ورطة قاتلة
· الإسلام أكثر الأديان تعاملاً مع الحياة وأكثرها تعرضاً لأسئلة العصر
· نعيش الآن مرحلة "أزمة" لا "صحوة إسلامية"
· انفتح باب "الاجتهاد"... ولن يغلق أبداً
· مصطفى محمود وجمال البنا وعبدالصبور شاهين في مرمى الغلاة!
كتب المحرر الثقافي:
يعاني الفكر الإسلامي المعاصر أزمة بنيوية شديدة وضعته على مفترق طرق، فبما أنه في النهاية فكر إنساني فهو معرض للاختلاف والاتفاق والخطأ والصواب، إذ إن جميع التيارات الثقافية الإسلامية إنما نشأت بسبب الاختلاف في تفسير النص القرآني وهذا التفسير بشري بالطبع يخضع للقوانين البشرية، مما يجعله قابلا للمرحلية والشروط الزمانية والمكانية، وهذا أمر طبيعي وحيوي، غير أن الخلط بين النص الإلهي والفقه البشري يوقع هذا الفكر في ورطة حقيقية لها آثارها القاتلة، فمع الزمن أصبح هذا الفقه البشري يأخذ طابع القداسة، أي أنه غدا هو الدين بكل ما يعنيه من اشتراطات فكرية واجتماعية وسلوكية·
ولا يمكننا أن نغفل البعد السياسي للمسألة، إذ إن جميع التيارات الإسلامية نشأت نشأة سياسية، وخضعت لظروفها التاريخية، فإذا بنا أمام فكر يسوغ السياسي ثم يستفيد منه ليمارس سلطته الفكرية الموازية لتلك السلطة السياسية، حتى إن المعتزلة وهم الفرقة الأقل تأثرا بالعامل السياسي، حين وصلوا الى السلطة في زمن المأمون والمعتصم والواثق أقاموا "سلطتهم" الفكرية التي أفرزت نتائج لا تتسق مع مبادئهم التي نادوا بها قبل ذلك·
قداسة الفقه البشري مصطنعة
من هنا نرى أن إضفاء صفة القداسة على "الفقه" البشري، وهي قداسة مصطنعة لتكون الأداة الأقوى لممارسة سلطته، منزلق خطير سبّب جميع المآسي التي اعترت فكرنا الإسلامي على مر العصور، وهو الذي جزأ الأمة وفرقها شيعا ومذاهب، لأن عدم قبول الآخر يؤدي الى التقوقع والتحصن منه، ثم يأتي التراكم التاريخي ليزيد من التمايز بين هذه الأجزاء التي تدعي جميعها الحقيقة المقدسة·
غير أن حركة الزمن لا تتوقف، ولا يمكن لأي مجتمع بشري أن يراوح مكانه مهما كانت الظروف والضغوط، ولذلك نرى أن الفكر - أي فكر - يظل قابلا للتجدد والانفتاح على الاحتمالات العديدة·
إرهاصات التحول
وفي عصرنا الحالي نعيش إرهاصات حقيقية لهذا التحول، وهو تحول، إذا أخذناه من الجانب الفكري مجردا من ملابساته السياسية والاجتماعية، يتجه الى الأمام وإن كانت حركته بطيئة، فنحن - المسلمين - لا نعيش وحدنا على هذه الأرض، ولا نستطيع أن نقيم الحواجز والحدود بيننا وبين العالم المتنوع حولنا، وبالتالي أصبحنا نتحرك شئنا أو أبينا وفق معطيات العصر وقوانينه وآلياته، ولم تعد مجتمعاتنا بسيطة مغلقة، فالحياة العصرية اجتاحت مسامات علاقاتنا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية، ولا يمكن لأي عاقل أن يغمض عينيه عن هذه الحقائق، فلو أخذنا - على سبيل المثال - العلاقات الاقتصادية بين المجتمع المسلم وغيره من المجتمعات لوجدناها تقوم على آليات جديدة لم تكن معروفة في العصور القديمة، إذ لا يمكن أن تعقد اتفاقيات أو معاهدات أو تقام علاقات اقتصادية أو مالية أو يتم تبادل تجاري أو تنمية وغير ذلك إلا وفق آليات محددة دولية واشتراطات عصرية جديدة على فكرنا الاقتصادي الإسلامي، مثل القروض والبنوك وأسواق المال والضرائب والرسوم والميزانيات·· الخ· إذاً فإن العصر الحديث طرح قضايا فكرية جديدة لم تكن موجودة، وهي قضايا تمس جميع أنواع العلاقات بين البشر والدول والأمم·
الفكر الإسلامي.. سجال مع العصر
أمام هذا التطور الهائل الذي أصاب حياة البشر في العصر الحديث أين وقف الفكر الإسلامي؟ إن التيارات الفكرية الإسلامية على اختلافها تساجل هذه المعطيات الجديدة سجالا يوميا، وهذا أمر إيجابي وطبيعي بالتأكيد، غير أن الأزمة التي بدأنا الحديث عنها ما زالت كبيرة وإن كانت نتيجتها محسومة تاريخيا، غير أن مفرزاتها وآثارها المرحلية باهظة الثمن، وهي تتمثل في معطيات عدة فكرية منها التطرف والاغتراب والتخلف والصراع الفكري والمادي العنيف والارتداد والنكوص الى غير ذلك·
ملامح ثورة فكرية
وهكذا بدأنا نشهد ملامح ثورة في الفكر الإسلامي تبدأ من قضايا جزئية متفرقة ومن فتاوى دينية في مواجهة معطيات عصرية، تدفع بهذا الفكر شيئا فشيئا الى فتح باب الاجتهاد على مصراعيه وإن بدا ذلك مستحيلا الآن، وهو لن يكون مستحيلا أبدا·
نستطيع القول إن الفكر الإسلامي اليوم يتململ تململا حقيقيا بعد جمود دام قرونا، لأنه فكر مرتبط بالحياة والبشر، فالإسلام أكثر الأديان تعاملا مع الحياة (الدنيا)، ولذلك سيتعرض أكثر من غيره لمواجهة أسئلة العصر، إذ إن الأديان الأخرى اكتفت بمعابدها بعد أن أقرت ذاتيا أو موضوعيا بفصل الدين عن الدولة والدنيا، أما الإسلام فهو ليس دين المسجد فحسب وإنما هو دين السوق والمنزل والحرب والسلام والعلاقات··· مما يجعله معنيا بأمور البشر كلها· لذلك نجد من العبث أن ينادي البعض بانعزال الإسلام عن الحياة العامة كما من العبث أن يظن البعض أن المجتمع الإسلامي مغلق أمام العالم الخارجي، ومن أمثلة ذلك منع الأنظمة العربية تشكيل أحزاب إسلامية، وفي المقابل محاولة "الإسلاميين" عزل أنفسهم عن الآخرين بصور مختلفة، كسذاجة البعض بطرح (الأدب الإسلامي) و(اتحاد أدباء إسلامي) و(مؤتمر أدباء) إسلامي··
التطرف·· أزمة لا صحوة
إن "التطرف" في بعض الفكر الإسلامي المنتشر حاليا في الكثير من بقاع الأرض تعبير عن أزمة، لا صحوة إسلامية، وهو نتاج فكر مقعد معوق لم يستطع أن يفهم الآخر فدعا الى إلغائه، غير أنه لا يقدم مقولات متماسكة فكريا ومنطقيا وبالتالي لن يستطيع الاستمرار، فشتان بين "الثورية" القائمة على منهج علمي واجتماعي وثقافي وسياسي، و"تطرّف" يختزل الفكر والوجود بمقولات متفرقة أكل الدهر عليها وشرب، إذ لا يمكن لأي فكر أن يسود إذا لم يكن متسقا مع قانون الحياة والإنسان·
اجتهادات··· ومعارك
وتيار الجمود هش يتحطم دفعة واحدة فهو لا يمتلك مرونة تحميه من الصدمات، وما المعركة الدائرة الآن بين المفكرين الإسلاميين الذين يحاولون أن يفكوا إسار التقليد الأعمى وبين حراس الكهوف إلا مثال على طبيعة هذا الفكر الذي لا يقبل بأدنى اختلاف أو اجتهاد· فالدكتور مصطفى محمود مفكر إسلامي قضى ردحا من الزمن مسهما في بناء صرح الفكر الإسلامي ومؤلفا في قضاياه المتنوعة أصبح الآن دريئة لسهام الغلاة لأنه أنكر شفاعة الرسول ([) معتمدا على نصوص قرآنية، وهو يتهم الآن بانتهاج منهج الخوارج والمعتزلة·
والمفكر الإسلامي جمال البنا يتهم بترك السنة لإنكاره حد الردة ورفضه وجود آيات منسوخة في القرآن معتمدا في ذلك علي النصوص القرآنية والقرائن العقلية·
والدكتور عبدالصبور شاهين (وهو أحد الغلاة) الذي اتهم من قبل الدكتور نصر حامد أبو زيد بالكفر بسبب اجتهاده في تفسير القرآن وفق رؤيته الخاصة بوضع الآيات القرآنية ضمن سياق معرفي شامل، يتهم الآن بالبدعة والكفر على كتابه "أبي آدم" الذي يقول فيه إن آدم أبو الإنسان وليس أبا البشر، إذ إن آدم وجد منذ تسعة آلاف سنة علي حد قول المفسرين وهذا يتناقض مع حقيقة الوجود البشري قبل ملايين السنين، مستدلا على فكرته بالآيات القرآنية أيضا، فالبشر برأيه كانوا همجا خاضعين للتصرف الإلهي من التسوية والتعديل والتهذيب، ثم انقرضوا جميعا بعد أن انتخب الله منهم آدم من أب وأم منهم كما انتخب زوجه حواء من أب وأم، ليكونا أبوين لنوع جديد من الجنس الذي انقرض، وهو الإنسان العاقل المستمر توالده الى قيام الساعة·
وبالطبع هناك أمثلة كثيرة، إلا أننا نقول إن هذا الفكر المغلق الجامد بدأ يتآكل أمام تطور الحياة، وبدأت تظهر ملامح فكر جديد· وإذا كان الفكر المغلق يستقوي بشركات الأموال والاستثمارات، وبجهل العامة، فما ذلك إلا لأجل يخضع لاعتبارات سياسية واجتماعية معينة لا مجال للخوض فيها الآن·
وإذا دفع بعض المفكرين حياته أو عيشه ثمنا لجرأته وشجاعته الفكرية، فإنه مهد الطريق أمام غيره ليخرج الملايين من رطوبة الكهوف وأمراض الظلام وهو طريق أصبح ملكا للجميع، وانفتح باب الاجتهاد ولن يغلق أبدا···