باراك: إلى أين يقود عملية السلام؟
كتب محرر الشؤون الخارجية:
ماذا بعد تولي ايهود باراك السلطة في إسرائيل؟ فمنذ فترة تترقب العواصم المعنية بعملية السلام ملامح حكومته الجديدة· والآن تشكلت هذه الحكومة، فضمت حزب "ساش الديني (17 نائبا) وأحزاب الوسط واليسار بالإضافة الى قائمة إسرائيل واحدة بزعامة حزب العمل· وهذه الأحزاب تؤيد جميعا عملية السلام باستثناء الحزب القومي الديني·
حتى تبلغ عملية السلام نهايتها المنشودة يجب توافر ثلاثة شروط هي: أن يكون باراك صادقا في عزمه على استئناف المفاوضات على المسارات الثلاثة (الفلسطيني والسوري واللبناني) وألا يناور في ما بينها وأن يستكمل تنفيذ اتفاق واي ريفر مع السلطة الفلسطينية، وأن تتوافر لباراك الغالبية المطلوبة في الحكومة والكنيست تتيح له إبرام اتفاقات نهائية تتطلب تنازلات إسرائيلية كبيرة أهمها التخلي عن الأراضي المحتلة، وأن تملك الأطراف العربية استراتيجيات واضحة بالنسبة لاستحقاقات السلام الشامل·
حتى الآن عبر باراك عن كثير من النوايا التي تبقى نوايا، لكنها أثارت ارتياحا في العواصم المعنية حتى في دمشق، وحسب ذلك، هو عازم على استئناف المفاوضات مع سوريا (نظريا) من نقطة جمود المفاوضات في فبراير من عام 1996 في عهد سلفه العمالي شيمون بيريس، وهو أوحى بإمكان الانسحاب الشامل من الجولان وجنوب لبنان مقابل ترتيبات أمنية متكافئة وتطبيع كامل للعلاقات· وعلى المسار الفلسطيني، انطلق بالون اختبار مفاده تخطي تنفيذ واي ريفر نحو إطلاق مفاوضات الوضع النهائي، فقوبل برفض قاطع من السلطة الوطنية·
بالأمس، ذكرت صحيفة "هآرتس" أن باراك أبلغ الرئيس الأمريكي بيل كلينتون بالهاتف في محادثة طويلة من منزل السفير الأمريكي لدى تل أبيب أدوارد ووكرز أنه عازم على الاجتماع برئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات (بعد تردد) وبالعاهل الأردني الملك عبدالله وبالرئيس المصري حسني مبارك قبل توجه (باراك) الى واشنطن· وهذا الإعلان يحقق مطلب الولايات المتحدة بأن يطمئن باراك جيرانه العرب، قبل خروجه في الزيارة التقليدية لواشنطن التي يقوم بها كل رئيس وزراء إسرائيلي جديد·
على الصعيد الداخلي، قدم باراك بعض التنازلات حتى يشكل ائتلافا حكوميا لا تخضّه الخلافات (الداخلية) بشأن استحقاقات السلام المصيرية· فهو لم يحاول إغضاب المعسكر الديني كثيرا، لاسيما في قضية إعفاء طلبة المدارس التوراتية من الخدمة العسكرية· وإذا كان حرم "ساش" من وزارة الداخلية، فقد قدم إليه أربع وزارات أخرى هي الصحة والعمل والبنى التحتية والشؤون الدينية· وكل ذلك من أجل إنهاء ملف عملية السلام (نظريا) وإذا كان أعطى وزارة الإسكان لـ"القومي الديني" (في تنازل واضح) فهو أكد أن متابعة الاستيطان تكون بناء على قرارات لجنة يرأسها باراك نفسه·
وفي حين انفتح باراك على سوريا إعلاميا، فإن صمته المطبق بشأن المسار الفلسطيني كان مخيفا لعرفات· فالأخير الذي خاب أمله من عقد قمة خماسية تجمع سوريا ومصر ولبنان والأردن والسلطة الفلسطينية يخشى أن يحرك باراك المسار السوري على حساب المسار الفلسطيني· أفلم يعلن باراك رغبته في سحب الجيش الإسرائيلي في لبنان في غضون سنة؟ والسلطة الفلسطينية قدمت الكثير حتى ينتصر باراك: فهي أرجأت إعلان الدولة المستقلة في الرابع من مايو حتى لا يستفيد من ذلك بنيامين نتانياهو، ومارست قمعا شديدا بحق المعارضين الإسلاميين لعملية السلام، وحالت دون تنفيذ هجمات عده ضد إسرائيل قبيل الانتخابات، وهي الآن تنتظر المقابل وأقله استكمال واي ريفر·
في الجانب العربي، هناك تمسك سوري - لبناني بتلازم المسارين، ومطالبة بتعهد واضح بالانسحاب من الجولان وبانسحاب غير مشروط من جنوب لبنان·
وما كان ملاحظا في هذا الجانب أشياء عدة· أن الرئيس السوري حافظ الأسد عبّر بنفسه عن تفاؤل بمقدم باراك الى السلطة، وأن دمشق لم تعد تطالب بغير التزام أمريكي شفهي بنتائج المفاوضات السورية - الإسرائيلية عام 1996، وأن الغارات الإسرائيلية المدمرة الأخيرة على لبنان انتهت من دون رد صاروخي لبناني على الجليل· بل إن بيروت ودمشق أكدتا تمسكهما بـ"تفاهم أبريل" بشأن تحييد المدنيين·
الى هذا الجانب، تضاف إيران التي لا تؤيد عملية السلام، لكنها تؤكد في المقابل أنها لن تعرقلها· وما يساعد في ألا تنعكس عملية السلام سلبا على العلاقات بين دمشق وطهران، هو حكم الرئيس محمد خاتمي، وفي أي حال تبقى سوريا القوة الرئيسية القادرة على صوغ صورة الوضع الأمني في جنوب لبنان·
وفي هذا الجانب أيضا هناك نقاط ضعف: فالوضع الاقتصادي في سوريا هو أسوأ مما كان في عام 1995· وهناك قضية الخلافة· فمعظم المراقبين يجمع على أن الرئيس الأسد هو الوحيد القادر على إبرام اتفاق سلام مع إسرائيل· أما خليفته المحتمل ابنه الدكتور بشار (حسب الصحافة الغربية) فغير قادر على إبرام مثل هذا الاتفاق، أو ربما يفاوض إذا تولى السلطة من موقع أضعف·
وهناك لبنان· فهو لم يستقطب في السنوات العشر الأخيرة غير مليار دولار استثمارات أجنبية في حين أن الدين العام تخطى 18 مليار دولار في بضع سنين· وإذا كان لبنان نجح في استعادة الوحدة الوطنية وفي الحصول على نظام حكم يتمتع بشعبية قوية، فهذا المكسب قد يتلاشى مع تباطؤ جديد طويل لعملية السلام· والأخطر من ذلك هو حصول انسحاب إسرائيلي وحيد الجانب من الشريط المحتل في ظل جمود المفاوضات مع سوريا· فعندئذ تتساءل شرائح واسعة من الشعب اللبناني عن مغزى وجود القوات السورية عقب زوال الاحتلال الإسرائيلي· والأخطر من ذلك أيضا، أن تنطلق هجمات صاروخية على الشمال الإسرائيلي عقب الانسحاب المحتمل·
وثمة مصاعب مصدرها غير عربي ربما تنعكس سلبا على المفاوضات العتيدة· فالولايات المتحدة، الراعي الفعلي الوحيد لعملية السلام، قد تكون أكثر انشغالا في الحملة الانتخابية الرئاسية منها بعملية السلام·
حتى الآن، وعد باراك (السياسي والجنرال) بأن يقتفي خطى معلمه السياسي اسحق رابين· وهذا الأخير كان أصدق نسبيا مع العرب من نتانياهو· لكن باراك خطر جدا· فهو الآن يتمتع بتفويض إسرائيلي كبير، ويحظى برضا الولايات المتحدة (خلافا لنتنياهو) ويملك حكومة معظمها وزراء "بصامون" ويتمتع بمصداقية (نظرية) في عيون الغرب، ويملك حرية الاختيار بين المسارات (ما لم تتدخل واشنطن) وهو لن يقبل أقل من تطبيع كامل للعلاقات وترتيبات أمنية ترضيه· وهذه ظروف غير معقولة في عيون الرأي العام العربي والإسلامي الذي تلقى في السنوات القليلة الماضية كثيرا من الشحن العاطفي ضد عملية السلام·