رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء30 ربيع الأول.6 ربيع الآخر 1420هـ - 14-20 يوليو 1999
العدد 1385

الصراع على كعكة النفط.. في بحر قزوين*

·    يشكل التنافس على نفط بحر قزوين صراعا كلاسيكيا ذا أبعاد إقليمية ودولية طويلة الأمد، فهناك محاولة أمريكية للالتفاف على كل من روسيا وإيران في الوقت نفسه· وهناك محاولة روسية لإعادة بسط نفوذها في جمهورياتها السابقة· وهناك تركيا وإيران اللتان تريدان الاستفادة من الوضع المتغير الحالي لتوسيع تأثيرهما في الدول المجاورة لهما التي ترتبط معهما بعلاقات تاريخية وحضارية قديمة

·  إن إسرائيل تحاول من خلال شركاتها المحلية، أو بواسطة جهات دولية متعددة، بناء خط فرعي من تركيا عبر البحر الأبيض المتوسط ليصل إلى أراضيها الشمالية، وهي تتفاوض مع كل من روسيا وتركمنستان لإيصال الإمدادات الغازية من إحدى هاتين الدولتين إلى أسواقها

·  في جورجيا التي تأمل أن تستفيد من موقعها الجغرافي لتحصل على عائد مهم من رسوم الترانزيت، كاد الرئيس إدوار شفارنادزة  يفقد حياته أكثر من مرة نتيجة مؤامرات مافيات النفط الروسية

·    يبقى هناك العامل المشترك ما بين النفط العربي ونفط بحر قزوين، فدول المنطقتين ومع الأسف تعتمد على النفط باعتباره المصدر المالي الأساسي للبلاد، هذا على عكس دول منتجة أخرى مثل النرويج أو إندونيسيا التي استطاعت أن تنوع من اقتصادها وتقلل من دور النفط في الاقتصاد الوطني

 

وليد خدوري**

أفرزت الفترة التي تلت نهاية الحرب الباردة تحولات عالمية كبيرة على الصعيدين السياسي والاقتصادي، منها على سبيل المثال وليس الحصر تفكك الاتحاد السوفييتي، وانفصال جمهوريات عديدة مهمة استطاعت أن تحقق استقلالها عن موسكو· أدى هذا التغيير فيما أدى إليه· الى قيام العديد من الدول، من ضمنها جمهوريات أذربيجان وكزاخستان وتركمنستان المطلة على بحر قزوين، التي فتحت المجال أمام الشركات العالمية للاستثمار في أراضيها· وقد لجأت هذه الدول الحديثة الى تبني هذه السياسة إما لإفلاسها، أو لعدم توافر الإمكانات المادية والعلمية لديها، أو لأن اعتمادها على مساندة الولايات المتحدة وأوروبا في تكريس سيادتها اليانعة استوجبت عليها اتباع سياسة الباب المفتوح·

وكما هي العادة في هذا المجال هذه الأيام، تسابقت مراكز الأبحاث ودور النشر في إصدار العديد من الكتب والدراسات حول هذا الحدث التاريخي المهم الذي لا نزال نعيش بداية مراحله، والذي ستكون له حتما انعكاسات مهمة في المستقبل على المنطقة وجيرانها ومن ضمنها الدول العربية·

ومن الأدبيات المهمة التي صدرت عن هذا الحدث، السلسلة المكونة من عشرة أجزاء الصادرة في الولايات المتحدة عن جامعة ماريلاند في كولدج بارك وكلية الدراسات الدولية العليا التابعة لجامعة جونز هوبكنز بعنوان: السياسات الدولية لأوروبا الآسيوية·

هذه الأجزاء العشرة هي عبارة عن مشروع ضخم امتد سنوات عدة قدمت فيه أولا دراسات لندوات متخصصة ومصغرة، ومن ثم تمت مراجعة الأوراق لمحاولة توحيد مناهجها ومستوياتها كلما كان ذلك ممكنا· وأخيرا تم ترتيبها في الأجزاء المختلفة حسب عناوين عديدة ذات علاقة مثل السياسة والأمن والاقتصاد والدين والثقافة·· الخ· وأشرف على المشروع الأستاذان الجامعيان كارين دويشه وبروس باروت، وأصدرت الموسوعة دار نشر شارب في نيويورك· ومن نافلة القول إن هذا المرجع أساسي لأي باحث يود التمحص والتدقيق في هذه البقعة المضطربة من العالم، هذا رغم اختلاف مستويات المقالات من كاتب الى آخر، وهذا شيء طبيعي في مشروع واسع من هذا النوع·

لقد انفصلت العديد من الجمهوريات عن الاتحاد السوفييتي في نهاية العقد الماضي، منها مناطق في غرب البلاد وأخرى في جنوبها، إلا أن الاهتمام الدولي، السياسي منه والاقتصادي قد انصب على جمهوريات القوقاز المحاذية لبحر قزوين، ويعود السبب في ذلك الى توافر احتياطيات ضخمة ومهمة من النفط والغاز في البحر نفسه وفي مناطق اليابسة المحيطة به، الى جانب طغيان المشاكل العرقية والاثنية التي وصمت تاريخ المنطقة والتي لا يبدو أن هناك نهاية لها، بالإضافة الى تأجج الصراعات الإقليمية والدولية حول تحقيق مناطق نفوذ جديدة في هذه البقعة الاستراتيجية من العالم·

رافق هذه الصراعات تسابق شركات النفط الدولية لمحاولة الحصول على موطئ قدم وحقوق امتياز للاستكشاف والتنقيب عن النفط في منطقة بحر قزوين· إن تنافس الشركات هذا ليس بالشيء الجديد أو الغريب، فهو من ناحية من صلب عملها للعثور على احتياطيات نفطية جديدة والحصول على الحقوق لاستكشاف النفط وإنتاجه ونقله، ومن ناحية أخرى تميز عقد التسعينيات بانفتاح مناطق جديدة عديدة في العالم كانت مغلقة سابقا أمام شركات النفط الدولية مثل الصين وفيتنام وروسيا، وما منطقة بحر قزوين إلا إحدى هذه المناطق الحديثة التي فتحت أبوابها أمام الشركات الدولية لكي تستثمر أموالها فيها· إلا أن ما يجعل التنافس على نفط بحر قزوين مختلفا عن بقية المناطق، هو تواجد النفط في دول مختلفة ذات مشاكل سياسية صعبة وذات علاقات إقليمية عويصة تحت ظلال صراع دولي من نوع جديد· لهذه الأسباب جميعها أصبح الكلام عن تطوير نفط بحر قزوين ذا أبعاد جيواستراتيجية تختلف عن الاستكشافات في مناطق أخرى من العالم·

 

النفط والغاز في منطقة بحر قزوين

 

تبلغ الاحتياطيات الحالية المعروفة لدول القوقاز المطلة على بحر قزوين (أذربيجان وكازخستان وتركمنستان) حوالي 16 مليار برميل من النفط الخام· أي حوالي %1,6 فقط من مجموع الاحتياطيات العالمية، بينما تزيد احتياطيات منطقة الخليج العربي عن 660 مليار برميل، أي حوالي %65 من إجمالي الاحتياطيات العالمية· هذا التباين في الاحتياطيات يعكس نفسه أيضا على كميات النفط المصدرة حاليا من المنطقتين، إذ تصدر دول بحر قزوين حوالي 300,000 برميل يوميا، أي حوالي %1,1 فقط من إمدادات العالم من النفط، بينما تصدر منطقة الخليج العربي أكثر من 17 مليون برميل يوميا، أي حوالي ربع الإنتاج العالمي·

رغم هذا الفرق الهائل في الاحتياطيات وكمية الصادرات الحالية، إلا أن العمل قائم على قدم وساق لاستكشاف وتطوير وإنتاج كميات أكبر بكثير من بحر قزوين ومناطق اليابسة المحيطة به· وقد ذكرت دراسة لوزارة الخارجية الأمريكية صدرت في عام 1997 أن الاحتياطيات المؤكدة والمحتملة من النفط الخام في جمهوريات كازختسان وأذربيجان وتركمنستان تقدر بحوالي 178 مليار برميل· وتشير الدراسات المتوفرة الى أن إنتاج المنطقة سيرتفع من حوالي 845,000 برميل يوميا في عام 1997 ليصل تدريجيا الى حوالي 3,6 مليون برميل يوميا في عام 2010، وسيتم تطوير جميع هذا الإنتاج الجديد من قبل شركات ومجموعات أجنبية·

ينصب جل اهتمام الشركات الأجنبية الآن على تطوير نفط جمهورية أذربيجان، إذ توجد هناك حاليا خمس مجموعات نفطية عاملة تنتمي الى مختلف الجنسيات وهي:

الأولى والأهم: مجموعة أذربيجان الدولية للتشغيل التي تشارك فيها اثنتا عشرة شركة تنتمي الى ثماني جنسيات، معظمها أمريكية، ومعها شركة لوك أويل الروسية الضخمة وكذلك الشركتان السعوديتان الخاصتان دلتا ونمر (حصتهما %1,7)· وكانت مع هذه المجموعة شركة إيرانية إلا أنها اضطرت الى الانسحاب نتيجة للضغوط الأمريكية· وتبلغ استثمارات هذه المجموعة حوالي 8 مليارات دولار في ثلاثة حقول بحرية (ازيري وشيراك وغونيشلي) تبلغ احتياطياتها حوالي 5-3 مليارات برميل· هذا ومن المقرر تصدير الشحنة الأولى من نفط هذه المجموعة في النصف الأول من عام 1999 من ميناء نوفورسيسك الروسي المطل على البحر الأسود· ويبلغ مقدار الإنتاج الأولي بحدود 30,000 برميل يوميا سيتصاعد تدريجيا ليصل الى حوالي نصف هذه الكمية في نهاية هذا العام·

الثانية: شركة بترول قزوين الدولية، تنتمي إليها خمس شركات أهمها أجيب الإيطالية ولوك أويل الروسية، بالإضافة الى شركة بنزويل الأمريكية·

الثالثة: مجموعة شمال ابشرون، وتملك الشركتان الأمريكيتان أموكو ويونيكال حصة الأسد في هذه المجموعة، ومعهما شركة يابانية وكذلك شركة دلتا السعودية (%4,5)·

الرابعة: مجموعة شاه دينيز، وهي في معظمها تحالف لشركات أوروبية (بريتش بتروليوم وستاتويل النرويجية وألف اكيتان الفرنسية)، بالإضافة الى لوك أويل الروسية وشركة تركية، كما ساهمت في هذا الكونسورتيوم شركة إيرانية مما اضطر الشركات الأمريكية إلى الامتناع عن الانضمام الى هذه المجموعة·

الخامسة: المجموعة الأوروبية - الإيرانية، وهو تحالف ما بين الشركتين الفرنسيتين ألف اكيتان وتوتال (يملكان 50%) من الحصص)، بالإضافة الى الشركة الألمانية ديمتكس والبلجيكية بتروفينا وشركة إيرانية·

هذا، وتشارك شركة سوكار الأذربيجانية الرسمية بحصص تتراوح ما بين %7,5 الى %20 في كل من هذه المجموعات التي تعمل جميعها حسب اتفاقيات تقاسم الإنتاج، أي أن الشركات الأجنبية تتحمل جميع تكاليف الاستكشاف، وفي حال العثور على النفط تتقاسم الأرباح مع حكومة أذربيجان·

أما في كازاخستان، فإن أهم اتفاقية تم التوقيع عليها كانت مع شركة شيفرون الأمريكية في عام 1992 لتطوير حقل تنغيز، والذي تبلغ تكاليف تطوير واستخراج ونقل نفطه حوالي 20 مليار دولار· وقد شاركت حكومة سلطنة عمان في هذا المشروع· وفي سبتمبر الماضي وقعت حكومة كازاخستان اتفاقية مع شركة البترول الوطنية الصينية لتطوير حقل كارماي ثاني أكبر حقل نفط في البلاد، بكلفة تقدر بحوالي 4,4 مليار دولار، تتضمن بناء خط أنابيب طويل المدى يبلغ طوله 3,000 كيلو متر وبطاقة 500,000 برميل يوميا ويمتد من وسط آسيا الى الأسواق الصينية في المحافظات الشمالية الغربية من البلاد، بالإضافة الى بناء خط أنابيب آخر الى إيران·

كما وقع رئيس كازاخستان نور سلطان نازارباييف اتفاقيتين جديدتين في نوفمبر 1997 أثناء زيارته لواشنطن· تبلغ قيمة الاتفاقية الأولى 7 مليارات دولار وهي مع كونسورتيوم مكون من شركة بريتش غاز وأجيب الإيطالية وتكساكو الأمريكية ولوكويل الروسية وهدفها تطوير حقل كاراجاكاناك الذي تبلغ احتياطياته الأولية حوالي 500 مليار متر مكعب من الغاز و300 مليون طن من المكثفات، والذي تقدر كمية الإنتاج منه بعد تطويره في عام 2001 بحدود 5 مليارات متر مكعب سنويا من الغاز، 175,000 برميل يوميا من المكثفات· أما الاتفاق الثاني فهو مع كونسورتيوم غربي مكون من شركات اجيب وتوتال وبريتش غاز وموبيل وشل وبريتش بتروليوم وستاتويل· هدف هذا الاتفاق هو تطوير منطقة نفطية واعدة شمال بحر قزوين تبلغ مساحتها حوالي 6,000 كيلو متر مربع، وتقدر الاحتياطيات النفطية فيها بحدود 15 الى 40 مليار برميل· هذا وقد صرفت الشركات هناك حتى الآن ما لا يقل عن 300 مليون دولار من أجل العثور على النفط هناك·

أما في تركمنستان التي تحتوي على احتياطيات كبيرة من الغاز الطبيعي، فقد تم توقيع اتفاقية لتصدير الغاز الى تركيا عبر إيران·

هناك ثلاث مشاكل أساسية تواجه إنتاج وتصدير ونقل نفط وغاز منطقة بحر قزوين·

*المشكلة الأولى: هي عدم التوصل الى تسوية نهائية للنزاع السياسي والقانوني المتعلق بحقوق السيادة على ما تحت مياه بحر قزوين· فإيران تصر أن قزوين بحر مغلق، مما يمنح الدول المحاذية له حقوقا حصرية في استغلال موارده الطبيعية· كما تدعي طهران أنه لا يجب الاكتفاء بتقسيم النفط بين الدول المطلقة عليه، بل يتوجب إقامة نظام يتم من خلاله استكشاف النفط والموارد المعدنية بشكل مشترك وبواسطة اتحاد يضم الدول المطلة عليه· وقد دعمت روسيا الموقف الإيراني حتى فترة قريبة، ولكن نجحت مؤخرا المحاولات لتغيير موقف موسكو وتعديل موقفها، ومن ثم عزل طهران في هذا المجال وحصر حقوقها في حوالي %10 من ساحل بحر قزوين وفي مسافة لا تتعدى 1100 كيلومتر· وبالفعل نجد في الأشهر الأخيرة تغييرا في موقف موسكو القانوني لتطوير الموارد الطبيعية لبحر قزوين· وقد تم بالفعل في النصف الأول من شهر يوليو 1998 الاتفاق ما بين روسيا وكازخستان على تقسيم القاطع الشمالي لبحر قزوين، حيث اعتبرت كل دولة أن الموارد التي تقع تحت سطح البحر في منطقتها ملك لها· إلا أن الاتفاق ينص أيضا على أن المياه في المنطقة برمتها وعبر القطاعين هي مياه مشتركة· هذا بينما أرجئ الى إشعار آخر موضوع التعامل مع الأنابيب المارة في القطاعين الروسي والكازاخستاني·

ü المشكلة الثانية: هي افتقار المنطقة الى منافذ تصدير دولية· هذا يعني أن الدول المنتجة ستتحمل تكاليف إضافية نتيجة رسوم النقل والعبور والترانزيت الواجب دفعها الى دول الجوار والتي تقدر بحوالي 6-4 دولارات للبرميل الواحد· لقد بدأت مشاكل الترانزيت هذه منذ فترة مبكرة وحتى قبل أن يبدأ التصدير، إذ نجد أن تركمنستان وروسيا قد اختلفتا في بداية عام 1998 على رسوم الترانزيت لنقل الغاز الطبيعي التركمنستاني عبر الأراضي الروسية لتصديره الى الأسواق الأوروبية· فقد اقترحت شركة غزبروم الروسية العملاقة شراء الألف متر مكعب من الغاز التركماني على الحدود الروسية بحوالي 32 دولار لغرض بيعه بعد ذلك الى دول رابطة الكومنولث المستقلة، فيما تطالب تركمنستان بحوالي 42 دولارا· ولم يتم التوصل حتى الآن الى تفاهم مشترك حول هذا الأمر ما بين هاتين الدولتين· وبناء على تجارب دول منتجة أخرى ذات مشاكل إقليمية مع جيرانها، يجب عدم الاستهانة بالمشاكل المحتملة التي من الممكن أن تبرز بين ليلة وضحها ولسبب أو لآخر والتي يمكن أن تؤدي الى توقف تدفق النفط أو الغاز مستقبلا·

لكن ما هو أعقد من ذلك هو الصراع القوي للاستحواذ والهيمنة على أكبر عدد ممكن من مسارات الأنابيب لنقل النفط والغاز من منطقة القوقاز المغلقة الى البحار العالمية المفتوحة· وهناك أربعة مسارات متوافرة لهذه الخطوط وهي عبر إيران وجورجيا وروسيا وتركيا· ومن نافلة القول إن الولايات المتحدة تلعب دورا علنيا وبارزا في تحديد وجهة هذه الأنابيب والدول التي يجب أن تمر بها· ناهيك عن محاولة إعطاء الأولوية للشركات الأمريكية للاستحواذ على هندسة وإنشاء وتعمير هذه المشاريع الضخمة·

يتميز موقف واشنطن الرسمي حتى الآن برفضها مرور أي خط أنابيب جديد في كل من روسيا أو إيران· لكن يتضح أنه بدأ يتحلحل الموقف الأمريكي من خلال السماح أو غض النظر عن إنشاء بعض الأنابيب عبر إيران، وهذا مما أغضب روسيا· لقد تجلى هذا الموقف الجديد من خلال السياسة الأمريكية الغامضة التي تراوحت ما بين الموافقة غير الرسمية وغض النظر عن اتفاقية خط غاز تركمنستان عبر إيران، ومن ثم مقايضة الغاز الإيراني مع التركمنستاني وإيصال الغاز الإيراني الى تركيا· وهذا الخط حيوي جدا لتركمنستان التي تبحث عن طرق بديلة لتصدير الغاز غربا، إذ إن المنفذ الآخر الوحيد للتصدير الى الغرب هو عن طريق روسيا، وهذا ما رفضته أمريكا حتى الآن· لقد تم بالفعل تشييد وتدشين هذا الخط ما بين تركمنستان وإيران في نهاية عام 1997 الذي تبلغ طاقته الأولية  ملياري متر مكعب سنويا تزداد تدريجيا الى 8,5 مليار متر مكعب في فترات لاحقة· أما الجزء المتعلق بإيران وتركيا فلم يتم تشييده حتى الآن وهناك تأخير واضح في بناء الجانب التركي من المشروع·

كما أن موقف واشنطن لا يزال غامضا بالنسبة لاتفاق شركة شل مع تركمنستان لدراسة إمكانية إقامة خط غاز ضخم وكبير يمتد عبر إيران الى تركيا أولا، ومن ثم يتجه لاحقا الى أوروبا· لقد بدأت شركة شل بالدراسات، ولكن واشنطن لم تقل كلمتها النهائية والفاصلة حتى الآن فيما إذا كانت ستوافق على مسيرة هذا الخط الذي تبلغ طاقته التصميمية 30 مليار متر مكعب سنويا· من المفروض أن تنتهي شركة شل من دراستها في النصف الأول من عام 1999 تعلن بعدها في الغالب أنه من الأجدى عبور الخط المقترح عبر الأراضي الإيرانية، بعدها يتوجب أن تقرر الولايات المتحدة فيما إذا كانت ستسمح للشركات الإنشائية والبنوك الأمريكية بالمساهمة في هذا المشروع العملاق· لربما تلطيف الجو التدريجي ما بين واشنطن وحكومة الرئيس خاتمي سيسمح في نهاية الأمر بموافقة واشنطن على مرور الخط عبر إيران، وإلا سيكون البديل عبر روسيا وهذا ما لا تريده الولايات المتحدة ولا تركمنستان· أما الخيار الآخر المتوافر الذي تؤيده واشنطن ولكن تعارضه كل من طهران وموسكو لأسباب استراتيجية وبيئية· فهو بناء خط مباشر تحت مياه بحر قزوين من تركمنستان الى أذربيجان· ويتضح أن واشنطن أخذت تدعم هذا المسار بكل ثقلها وتمول الشركات الأمريكية لتحضير الدراسات المتعلقة بهذا الخط، وهذا ما تم فعلا في الأشهر الأخيرة·

أما تركيا، فإن موقفها واضح وهو أن مضيقي البوسفور والدردنيل لا يستوعبان العدد الجديد والضخم من الناقلات المحملة بالنفط والمزمع أن تبحر من البحر الأسود الى البحر الأبيض والمياه الدولية، ومن ثم يتوجب بناء خط أنابيب عبر أراضيها الى ميناء جيهان المطل على البحر الأبيض والذي يستعمل الآن لتصدير النفط العراقي· إلا أن مشكلة تركيا هي أن أي خط أنابيب مباشر بينها وبين أذربيجان يجب أن يمر في ناجورني كاراباخ المتنازع عليها بين أرمينيا وأذربيجان· كما أن أي خط مباشر من كازاخستان الى أذربيجان يجب أن يمر عبر بحر قزوين نفسه، وهذا ما يضر بالبيئة ويزعج إيران وروسيا·

وفيما يتعلق بالخطوط عبر روسيا أو جورجيا، فتمر جميعها في مناطق موبوءة بالمشاكل الأثنية والعرقية (الشيشان في حالة روسيا وأبخازيا، في حالة جورجيا) مما يشكل خطرا حقيقيا على سلامة الإمدادات وأمن الأنابيب نفسها· هذا وكان من المفروض أن تقرر مجموعة أذربيجان الدولية للتشغيل في أكتوبر 1998 مسار الخط الرئيسي الذي سينقل النفط من خلاله· إن البدائل الثلاثة المطروحة أمام الشركة هي ميناء سوبسا الجورجي وميناء نوفوروسيسك الروسي وميناء جيهان التركي، وكل من هذه المنافذ له مشكلته كما أوضحنا ذلك سابقا، إلا أنه تم تأجيل هذا القرار حتى إشعار آخر نظرا لأسباب عديدة، منها عدم قناعة الشركات بوجود كميات كافية من النفط الخام التي تقتضي بناء خط ضخم مكلف·

هذا، وقد فشلت آخر محاولة تركية لاستقطاب التأييد الإقليمي اللازم لبناء خط أنابيب مباشر من باكو، عاصمة أذربيجان الى ميناء جيهان· ففي اجتماع عقد في استانبول في 2-1 مارس 1998 لوزراء خارجية تركيا وأذربيجان وجورجيا وكازاخستان وتركمنستان، لم تتمكن أنقرة من الحصول على بيان مشترك مؤيد لهذا الخط المقترح، وذلك رغم الدراسة التي قامت بها شركة ألمانية مولها البنك الدولي لهذا الغرض· لقد أوضحت الدراسة أن كلفة الخط المقترح تقدر بحوالي 2,50 مليار دولار وتبلغ طاقته 1,50,-1 مليون برميل يوميا ويمتد طوله حوالي 1,700 كيلومتر· لقد أيدت كل من أذربيجان وجورجيا هذا الخط، بينما تحفظت عليه كازاخستان· لأن الشركات العاملة لديها في صدد بناء خط مواز عبر روسيا، واعتذرت تركمنستان لأنها تعمل لبناء خط غاز عبر إيران· ومن الجدير بالذكر أنه لم توجه دعوة لروسيا لحضور هذا المؤتمر، رغم دورها الرئيسي في المشاريع الإقليمية المختلفة لتصدير النفط والغاز من بلاد القوقاز الى العالم الغربي·

إلا أنه رغم المصالح الاستراتيجية والاقتصادية المتضاربة لكل من روسيا وتركيا في بلاد القوقاز، نجد أن هناك تعاونا مهما قائما بينهما، وبالذات في مشاريع الغاز فتركيا تستورد حاليا حوالي 6 مليارات متر مكعب سنويا من الغاز من روسيا عبر خط أنابيب يمتد عبر أوكرانيا ومولودفا ورومانيا وبلغاريا· وستزداد الإمدادات الغازية لتركيا عبر هذا الخط الى 14 مليار متر مكعب سنويا في خلال عشر سنوات· كما تم التوقيع على مذكرة تفاهم في شهر ديسمبر 1997 ما بين البلدين لبناء خط أنابيب جديد عبر البحر الأسود لكي تزود روسيا تركيا بكميات إضافية من الغاز الطبيعي ابتداء من عام 2000 وستكون طاقة هذا الخط الأولية حوالي 3 مليارات متر مكعب ترتفع تدريجيا لتصل عام 2010 الى 16 مليار متر مكعب· وبهذا سيبلغ مجموع الامدادات الغازية الروسية في نهاية العقد المقبل في حال تنفيذ المشاريع المقترحة والمتفاهم عليها حوالي 30 مليار متر مكعب أو حوالي نصف احتياجات تركيا من الغاز في تلك الفترة·

ومن الجدير بالذكر أن إسرائيل تحاول من خلال شركاتها المحلية، أو بواسطة جهات دولية متعددة، بناء خط فرعي من تركيا عبر البحر الأبيض المتوسط ليصل الى أراضيها الشمالية، وهي تتفاوض مع كل من روسيا وتركمنستان لإيصال الإمدادات الغازية من إحدى هاتين الدولتين الى أسواقها· ورغم التكلفة الباهظة لهذا الغاز، نظرا لبعده الجغرافي عن إسرائيل ولامتداده عبر دول وبحار عدة، إلا أن هدف إسرائيل كما أعلن عن ذلك وزير البنية التحتية آرييل شارون هو عدم الاعتماد على مصادر للغاز من دول عربية فقط، وهذه هي الحال فيما إذا استلمت الغاز من مصر· ورغم أنه قد تم تجميد هذا المشروع لفترة طويلة نتيجة للخلافات السياسية مع إسرائيل منذ استلام حزب الليكود السلطة في منتصف عام 1996، ونتيجة أيضا لارتباك الجهات الإسرائيلية المسؤولة عن صناعة الغاز هناك وعدم معرفتها أو إلمامها في بكيفية التعامل مع هذا القطاع الطاقوي الجديد، ناهيك عن الخلافات حول السعر وكمية الإمدادات المطلوبة، إلا أن الشركات النفطية الأجنبية العاملة في دول الشرق الأوسط لا تزال تحاول أو تأمل في تنفيذ هذا المشروع في المستقبل المنظور، هذا في حال حصول تغيير أساسي في عملية سلام الشرق الأوسط·

* أما المشكلة الثالثة: فهي السلسلة الطويلة من المصاعب السياسية الناشبة عن الخلافات الإقليمية المستفحلة، ناهيك عن الصراع الدولي لبسط النفوذ في منطقة القوقاز·

 

صراع المصالح والنفوذ

 

يشكل التنافس على نفط بحر قزوين صراعا كلاسيكيا ذا أبعاد إقليمية ودولية طويلة الأمد، فهناك محاولة أمريكية للالتفاف على كل من روسيا وإيران في الوقت نفسه· وهناك محاولة روسية لإعادة بسط نفوذها في جمهورياتها السابقة، وبالذات بعد أن أخذت تواجه ضغوطا متزايدة من حلف شمال الأطلسي على حدودها الغربية· وهناك تركيا وإيران اللتان تريدان الاستفادة من الوضع المتغير الحالي لتوسيع تأثيرهما في الدول المجاورة لهما التي ترتبط معهما بعلاقات تاريخية وحضارية قديمة· الى جانب كل هذا وذاك تحاول شركات النفط التنافس فيما بينها للحصول على أكبر نصيب ممكن من الامتيازات البترولية في هذه المنطقة الواعدة· كما تحاول هذه الشركات منفردة ومجتمعة أن تؤمن سلامة خطوط الأنابيب التي تنوي إنشاءها في هذه المنطقة المغلقة على البحار المفتوحة، وذلك في ظل صراعات إثنية وقومية متعددة وشرسة·

تعمل واشنطن لتحقيق أهداف متعددة في منطقة القوقاز، فقد راهنت في بداية الأمر على تصدير النموذج التركي لاحتواء نفوذ إيران في المنطقة، إلا أنها اكتشفت عجز تركيا عن لعب دور أساسي في حل المشكلات المزمنة المترسبة في هذه الجمهوريات· كما اكتشفت أمريكا أن النفوذ الروسي لم يتبدد مع انهيار الاتحاد السوفييتي، وأن موسكو تعمل بطرق مختلفة لاستعادة موقعها في جمهورياتها السابقة وإن تعددت الأشكال· أخيرا وجدت أمريكا في هذه المنطقة مصدرا مهما للنفط والغاز يساهم في دعم هدفها المزمن للتقليل من أهمية نفط الخليج العربي ومدى الاعتماد عليه· باختصار، لقد حاولت واشنطن في ظل أوضاع مشحونة بالمشكلات ومليئة بالمتغيرات، أن تحقق أهدافا عدة في الوقت نفسه: دعم سيادة واستقلال دول القوقاز، وتطوير مصدر نفطي جديد، وتشجيع الشركات النفطية الأمريكية، والتقليل من النفوذين الروسي والإيراني·

توضح الموقف الأمريكي من نفط قزوين بشكل دقيق في أواخر ديسمبر من عام 1997 بعد زيارة رئيس الوزراء التركي السابق مسعود يلماظ الى واشنطن إثر رفض الاتحاد الأوروبي البحث في طلب تركيا الانضمام الى عضوية الاتحاد· لقد تم على أثر هذه الزيارة تأسيس "تحالف استراتيجي للطاقة" ما بين واشنطن وأنقرة في 23/12/1997· ويكمن الهدف الرئيسي من هذا الإعلان تشجيع الشركات الدولية والتركية على بناء خط أنابيب قزوين الرئيسي ما بين العاصمة الأذربيجانية باكو والميناء التركي جيهان، والتزمت تركيا على أثر هذا البيان المشترك العمل بجدية وبسرعة لإعداد الدراسات المطلوبة للتقدم باقتراح متكامل في أكتوبر 1998 حول إنشاء هذا الخط الاستراتيجي ومساره وكلفته المالية· إلا أن جميع المحاولات الأمريكية والتركية لإنجاح هذا المشروع قد فشلت حتى الآن لرفض الشركات النفطية، وبالذات شركة بريتش بتروليوم أموكو الالتزام بالتنفيذ نظرا لكلفة المشروع ولعدم العثور على كميات كبيرة من النفط تبرر الالتزام بهذه النفقات، وبالذات في وقت يتوقع فيه أن تبقى أسعار النفط على مستويات منخفضة·

أما بالنسبة لتركيا، فمشكلتها الأساسية في منطقة القوقاز هي في كيفية لعب دور أساسي دون الدخول في صراع مفتوح مع جارتها الكبرى روسيا· لقد حاولت أنقرة إقامة علاقات جيدة مع أذربيجان وأرمينيا وجورجيا، إلا أن المتغيرات الأساسية في تلك الدول نفسها وتشابك المصالح واحتلال ناجورني كارباخ من قبل أرمينيا قد عقدت الموقف التركي وأضعفته· بالإضافة الى ذلك، فإن علاقة تركيا الاقتصادية هي مع روسيا وليس مع جمهوريات القوقاز· ففي عام 1995 بلغت قيمة التبادل التجاري بين تركيا وروسيا حوالي 3,5 مليار دولار أو حوالي %60 من إجمالي التجارة الخارجية الروسية، وأخيرا، فإن تركيا تبذل محاولات مضنية، بمساندة الولايات المتحدة، من أجل مرور خط الأنابيب الأساسي عبر أراضيها وهي في هذا التنافس جورجيا، ناهيك عن روسيا· كما تدخل في مشاكل متعددة مع أرمينيا التي من الضروري أن يمر الأنبوب في أراضيها، هذا إذ تصر أمريكا على تفادي مرور الأنبوب في إيران·

لقد استطاعت إيران التركيز على علاقاتها التجارية، وليس الأيديولوجية مع دول المنطقة بحيث أصبحت الشريك التجارية الرئيسي لكل من أذربيجان وأرمينيا، كما نجحت في الاتفاق مع تركمنستان لتزويد المناطق الشمالية الإيرانية بالغاز الطبيعي من خلال خط أنابيب يرتبط بشبكة الخطوط الإيرانية ويمتد مستقبلا الى تركيا· ورغم نجاح طهران في هذه المحاولات، إلا أنها واجهت محاولات أمريكية متشددة للحد من علاقاتها ونفوذها مع عواصم الجمهوريات الجديدة، وما إبعاد الشركات الإيرانية عن المشاركة والعمل للمجموعات البترولية الأجنبية المهمة في أذربيجان إلا خير دليل على ذلك، ورغم التنبؤات العديدة حول بوادر الانفراج ما بين واشنطن ونظام الرئيس خاتمي، لا يتوقع أن تثمر هذه السياسة عن شيء ملموس في المستقبل المنظور·

تحاول الشركات النفطية الأجنبية التكيف مع هذا الجو المحموم بالصراعات والمتغيرات· فأذربيجان كانت في مهب الريح الى أن استلم الرئيس حيدر علييف السلطة، إلا أن مشكلته الأساسية تكمن في إطلاق الوعود الخلابة بالازدهار المقبل في ظل مجتمع مدقع بالفقر والفساد، ومشكلة علييف الذي شارف عمره منتصف السبعينيات والذي يعاني من أمراض عديدة، أن الثروة النفطية الموعودة لن يعود نفعها لبلاده إلا بعد 5 الى 10 سنوات في أحسن الأحوال·

وتكمن مشكلة أرمينيا في قضية ناجورني كارباخ، إذ إنها هي العامل الأساسي وراء الحركات القومية الأرمنية التي استطاعت إزاحة الرئيس ليفون بتروسيان عن الحكم وإدخال البلاد منذ ذلك الحين في نفق مظلم غير معروفة نهايته، هذا رغم الدعم الهائل الذي تحصل عليه هذه الجمهورية من أنصارها في الولايات المتحدة، والكونجرس بالذات· وأهمية أرمينيا وناجورني كارباخ تكمن في ضرورة عبور أي خط أنابيب من أذربيجان الى تركيا عبر هذه الأراضي، ذلك في حال تفادي إيران· هذا هو ما تريده الولايات المتحدة وأذربيجان وتركيا، ولكن هذا ما تعرقله حتى الآن المشاكل السياسية المحلية·

وفي جورجيا التي تأمل أن تستفيد من موقعها الجغرافي لتحصل على عائد مهم من رسوم الترانزيت عبر خط أنابيب يمتد الى ميناء سوبسا المطل على البحر الأسود، كاد الرئيس إدوار شفارنادزه يفقد حياته أكثر من مرة نتيجة مؤامرات مافيات النفط الروسية التي اتهمها علنا ومباشرة بمحاولة اغتياله من أجل زعزعة استقرار البلاد ودفع الشركات الأجنبية الى العدول عن الاستثمار في أراضيه· كما يواجه شفارنادزة مشكلة مزمنة لاستعادة أبخازيا والتي أدى سلخها عن جورجيا الى إضعاف هيبة حكمه·

في ظل هذه الأجواء المشحونة، تحاول الشركات النفطية استخراج النفط ونقله الى البحار المفتوحة، هذا أمر صعب وليس هينا كما نعرف ذلك من تجربة بعض البلاد العربية· كما أدت الصراعات المحلية والإقليمية الى عزوف الاستثمارات الأجنبية عن التواجد في هذه البلاد، ما عدا شركات النفط التي استطاعت أن تتعايش تاريخيا مع مشكلات من هذا النوع وفي دول متعددة ولكن بضمانة حماية أجنبية·

 

بحر قزوين والنفط العربي

 

تعج وسائل الإعلام العالمية بالأخبار والتقارير عن قرب فك اعتماد الدول الصناعية الغربية عن النفط العربي، وذلك كلما تم اكتشاف حقل نفطي في دولة معينة خارج الشرق الأوسط· ولا تختلف التغطية الإعلامية لنفط بحر قزوين عن بقية المناطق في العالم· والحقيقة أن هناك مناطق عديدة وجديدة يتم فيها اكتشاف النفط هذه الأيام وتشكل مصدرا تنافسيا مهما لنفوط الشرق الأوسط، فهناك الاكتشافات المهمة في المياه العميقة في غرب أفريقيا، وهناك التطوير الإصلاحي البطيء للحقوق النفطية والغازية الكبيرة في روسيا، وهناك التصاعد المستمر للإنتاج من بحر الشمال وبالذات القسم النرويجي منه، وهناك أخيرا ازدياد الإنتاج النفطي من دول أمريكا اللاتينية مثل فنزويلا وكولومبيا والبرازيل والمكسيك·

الى جانب هذه الاكتشافات التي تؤدي تدريجيا الى زيادة العرض من النفط في الأسواق العالمية، ومن ثم تأثيره السلبي على الأسعار· نجد أيضا بروز ظاهرة التأثير التقني على تكاليف الإنتاج· ففي العقود الماضية استطاعت نفوط الخليج مزاحمة النفط في البقاع الأخرى من العالم لأن تكاليف الإنتاج في الخليج كانت بسيطة مقارنة بالمناطق الأخرى، وبالذات من المناطق الجديدة مثل بحر الشمال· أما الآن، فإن الوضع قد تغير بفضل إدخال عنصر التقنية في عمليات المسح السزمي والاستكشاف والتجميع والنقل، ومن ثم أصبح بمقدور الشركات العالمية مزاحمة نفوط الخليج وتحقيق أرباح معقولة في الوقت نفسه·

هناك أيضا تأثير التيار العالمي المتصاعد للمحافظة على البيئة ومحاولة تخفيض استعمال الوقود الاحفوري، الذي يشمل النفط من أجل تقليص كميات ثاني أكسيد الكربون في الجو· هذه الحملة الدولية من أجل تحسين المناخ والبيئة، والتي تبلورت أفكارها وتياراتها في مؤتمر كيوتو في اليابان في ديسمبر 1997، بدأت تأخذ مفعولها تدريجيا وستؤثر حتما في العقود المقبلة في الطلب على النفط من خلال قواعد المرور ونوعية السيارات التي سيتم إنتاجها في المستقبل، هذا ناهيك عن نوعية المنازل والمكاتب التي سنعيش ونعمل فيها والتي ستأخذ بنظر الاعتبار الاهتمام المتزايد بالبيئة وطرق تحسين الظروف المعيشية الملائمة معها·

إن نفط بحر قزوين ما هو إلا عامل واحد من مجموعة عوامل ستؤثر على النفط العالمي مستقبلا، لكن هناك عوامل محددة للتنافس الذي يحتمل أن يحصل ما بين نفط قزوين والنفوط العربية· فعلى سبيل المثال، سيتم تنافس قوي على الأسواق وبالذات على منطقة البحر الأبيض المتوسط وشمال غرب أوروبا، كما سيشكل الغاز الذي سيتم تصديره من بلاد القوقاز مصدرا جديدا ستعتمد عليه أوروبا لتخفيض الاعتماد على الإمدادات الغازية الحالية وهي النرويج وروسيا والجزائر· أما في الشرق وبالذات إذا تحققت المشاريع الضخمة التي يتم الكلام عنها لمد أنابيب النفط والغاز العملاقة الى الصين أو حتى الى اليابان، فمعنى هذا تغييب أسواق مستقبلية كانت دول الخليج تبني عليها آمالا كبيرة لتصدير النفط والغاز لها بعد فتحا للمنافسة العالمية وبعد ارتفاع مستوى معيشة أهاليها وبعد فتح أسواقها للشركات الدولية، وبالذات في الصين· من ثم، يمكن القول إن نفط بحر قزوين ما هو إلا مصدر آخر من مصادر التنافس التي سيواجهها النفط العربي في السنوات والعقود المقبلة، ولا تقل أهمية أو خطورة هذا المصدر الجديد عن بقية النفوط الحديثة التي أخذت تصل الى الأسواق مؤخرا، أو التي خطط لها الإنتاج في المستقبل المنظور·

أما ما سيحدد فعلا أهمية وخطورة هذه النفوط على الشرق الأوسط فهو مؤشرات وبيانات الطلب العالمي على النفط، وهذا سيعتمد بشكل أساسي على معدلات النمو الاقتصادي العالمي، وبالذات في الدول النامية التي تحاول الانطلاق وتغيير وضعها الاقتصادي الى ما هو أحسن· إن معدل زيادة استهلاك النفط العالمي في الفترات الجيدة (عامي 1996،1997) قد تراوح بمقدار %2,00 سنويا، أو ارتفاع في الاستهلاك العالمي مقداره حوالي 1,80-2,00 مليون برميل يوميا، وهذه زيادة محترمة في حال استمرارها، وهي ستضمن المحافظة على أهمية النفط في الاقتصاد العالمي، كما ستستطيع أن تستوعب الكثير من النفوط الجديدة، وبالذات لأن العديد من الحقول القديمة قد تعبت وبدأ ينضب إنتاجها، لكن في حال انخفاض هذه المعدلات المرتفعة للاستهلاك النفطي (كما حصل في عام 1998 والربع الأول من عام 1999) ستتأثر صناعة النفط بشكل سلبي وأساسي· ومن ثم، ستتضرر جميع الدول النفطية العربية منها وغير العربية·

يبقى هناك العامل المشترك ما بين النفط العربي ونفط بحر قزوين، فدول المنطقتين ومع الأسف تعتمد على النفط باعتباره المصدر المالي الأساسي للبلاد، هذا على عكس دول منتجة أخرى مثل النرويج أو إندونيسيا التي استطاعت أن تنوع من اقتصادها وتقلل من دور النفط في الاقتصاد الوطني· لذا، فإنه في حال حدوث أي ارتجاج أو قلاقل في الأسواق النفطية، مثل أزمة انخفاض الأسعار في عام 1998، فإن هذه الدول ستكون المتضررة الرئيسية لأن الميزانية العامة في كل من هذه الأقطار ستكون الضحية الأولى لعدم وجود دخل أساسي آخر للبلاد غير النفط· هذا هو واقع الدول العربية اليوم، وهذا هو ما سيكون عليه وضع دول بلاد القوقاز في المستقبل المنظور بعد أن تبدأ بتصدير النفط الى الأسواق العالمية في العقود المقبلة·

 

الخلاصة

 

تحاول دول بلاد القوقاز، بعد أن نالت استقلالها، استقطاب الاستثمارات النفطية الأجنبية، ليس فقط من أجل تنمية مصادرها النفطية، لكن أيضا تيمنا بالحصول على الضمانات الدولية للمحافظة على هذا الاستقلال ودفعا من التدخل في شؤونها الداخلية من هذا الطرف أو الآخر، إلا أن الأزمة الحقيقية لهذه الدول هي أن مشكلاتها تنبع من داخلها ومن التعدد الهائل في الأثنيات والقوميات والأجناس القاطنين فيها، وإلى أطماع الدول المجاورة لها، وتكالب الدول الكبرى على مواردها الطبيعية، لذا فإنه من الصعب جدا أن يتصور المرء حلول نوع من الاستقرار السياسي لهذه الأقطار في المستقبل المنظور·

وإذا افترضنا أنه بقدرة قادر استطاعت هذه الدول إحلال نوع من الاستقرار السياسي الداخلي، فمن الصعب التغاضي عن الصراعات الإقليمية التاريخية ما بين هذه الدول· وبما أن بلاد القوقاز لا تملك السواحل والموانئ المطلة على البحار العالمية، فمعنى ذلك أنها ستبقى تحت رحمة جيرانها وابتزازاتهم المستمرة لاستقطاع أعلى معدل ممكن من رسوم الترانزيت والخوات والمصاريف، هذه العوامل جميعها تصب في خانة عدم استقرار إمدادات النفط من بلاد القوقاز، مهما حاولت الشركات النفطية العالمية هذه الأيام من تلطيف صورة هذه المنطقة وإبراز أهميتها الاقتصادية الدولية المستقبلية·

في أحسن الأحوال، وفي حال عدم انقطاع الإمدادات بين فترة وأخرى، سيكون ثمن نفط هذه الدول باهظ التكاليف، مما يعني أن الدول القوقازية نفسها ستحصل في نهاية المطاف على ريع نفطي أقل بكثير من الدول المنتجة الأخرى، الأمر الذي سيحد من قوتها الاقتصادية ويبقيها دولا ضعيفة دون ركائز صلبة ومعرضة للتهديد والاضطرابات والقلاقل الاجتماعية والسياسية·

أخيرا، ورغم كل الأرقام المتفائلة التي صدرت عن المؤسسات الحكومية ودور الأبحاث، فإن كميات النفط المتوافرة في منطقة بحر قزوين لا تزال محدودة· وبالفعل، فإن النتائج الأولوية للبحث والاستكشاف عن النفط في عام 1998 وأوائل عام 1999 غير مشجعة للغاية، ما دفع بعض الشركات الدولية بإغلاق مكاتبها والتنازل عن رخص الامتيازات التي حصلت عليها· لكن هذا لا يعني أن المنطقة غير واعدة نفطيا· فالوقت لا يزال مبكرا لإصدار حكم من هذا النوع، والمجال لا يزال مفتوحا للاستكشافات في السنوات المقبلة· إلا أنه إذا بقيت أسعار النفط على مستويات منخفضة نسبيا، فإن هذا العامل سيحد من استثمارات الشركات الدولية في هذه المنطقة، مما سيقلل من معدل عمليات التنقيب ويبطئ في برامج الحفر، وهذه كلها ستؤثر سلبيا على احتمال بروز منطقة قزوين كمنطقة واعدة نفطيا في المستقبل المنظور·

* الكتب وجهات نظر العدد الرابع 1999

** خبير في شؤون النفط

طباعة