هل النخوة الثقافية.. فرض كفاية؟
ركان الصفدي
(1)
الإعلام يمارس دورا أساسيا في صياغة الوعي لدى المتلقي العربي، لا سيما أن المواطن العربي في هذه المرحلة أصبح كائنا متفرجا (بكل المعاني)، لا يبحث عن المعرفة بنفسه، وإنما يقعد في بيته لتتساقط عليه من الفضاء، وبالطبع لن تكون تلك الأمطار المعرفية ذات قيمة دائما، وهكذا نجد أن الإنسان العربي في سنّ التحصيل الثقافي الأساسي قد أصبح مقفرا مجدبا، تعصف في أعماقه رياح من المعارف الساذجة العشوائية الترفيهية· ولذلك لا نستطيع أن نعتدّ بالعلاقة القائمة بين وسائل الإعلام والمتلقي، ما دامت تلك العلاقة نفسها لا تقوم على هدف معرفي بقدر ما هي علاقة نفعية تجارية بحتة· ولذلك فإن من أهم قضايانا الثقافية الماثلة أمامنا في هذا العصر الإعلام ودوره في حياة الفرد والمجتمع، لأن الوسائل الإعلامية قد حلّت منذ العقود الأخيرة محل المدرسة والمكتبة والحزب وربما·· الحياة العامة·
هل نقول إن منطلق التغيير ينبغي أن يبدأ من "الإعلام"؟
(2)
الإعلام له سطوة جبارة لا على المتلقي العادي فحسب بل على المتلقي المثقف المهتم المتابع، إذ إنه سواء أكان إعلاما مقروءا أم مسموعا أم مرئيا يستطيع أن يرفع ثقافة ويهبط بأخرى، كما يستطيع أن يلّمع صورة شخص ويجعله نجما في سماء الثقافة، وأن يبّهت صورة شخص آخر ويطفئ نور وجوده وحضوره الثقافي· ولا شك أن هناك أسبابا متعددة تتضافر في هذا الفعل أو ذاك، ومنها ما يكون غير مقصود ومنها - وهو الأغلب - ما يكون مقصودا يمثل توجها فرديا أو جماعيا أو رسميا·
(3)
في الماضي القريب كانت مجلة "الرسالة" للزيات منبرا رصينا لا يعتليه إلا من حقق شروطا فنية ومعرفية راقية في مقياس تلك المرحلة، ولذلك كان من ينشر فيها يكرس أديبا حقيقيا فهي تمنحه الشرعية الثقافية لالتزامها تلك الشروط الصارمة وعدم التساهل مع النص الرديء·
ثم كانت مجلة "الآداب" اللبنانية لتأخذ دورا شبيها بدور "الرسالة" وإن خفت فيها الرقابة الفنية بعض الشيء، ولكنها كانت منبر قصيدة التفعيلة ولاسيما الملتزمة منها· أما مجلة "شعر" اللبنانية فكانت عرّابا للحداثة، وكانت صارمة أيضا في شروط النشر، فما كانت تنشر إلا النتاج الذي يمثل استراتيجيتها الحداثية·
وبالطبع لم تنته المجلات، وهناك الكثير منها مما لا يزال يحتفظ بمعايير ثقافية وفنية محددة، غير أن تأثيرها ضعف كثيرا في زحمة المجلات والصحف ووسائل الإعلام الأخرى، مما سهل تسلل الأدعياء وعديمي الموهبة الى تلك المنابر الإعلامية بسهولة··· هل أصبحنا في زمن "ثقافة المقهى"؟!
(4)
لا نريد من الجامعة العربية ولا الحكومات العربية ولا وزراء الثقافة العرب تحرير فلسطين ولا وحدة عربية ولا اشتراكية ولا تنمية ولا سوقا مشتركة ولا مؤتمر قمة ولا مهرجانات سنوية ولا حفلات تنكرية·· نريد فقط "محطة فضائية ثقافية" عربية، لا بهدف تحقيق وحدة الثقافة العربية، ولكن لنكون كغيرنا من الأمم المتحضرة التي تصنع أكثر أنواع التكنولوجيا تطورا ولكنها مع ذلك تسند صرحها الحضاري العظيم بالكتاب، وتسخر التكنولوجيا الفضائية لخدمته·
إذا كانت هناك محطات فضائية متخصصة بالرياضة أو الجنس، فلنعدّ الثقافة رياضة عقلية أو متعة ذهنية!
(5)
أليس عارا على مؤسساتنا الثقافية الرسمية أن تعجز عن خدمة الثقافة العربية، في حين أن هناك أفرادا نبلاء حقا يقومون بمشاريع ثقافية "مؤسسية" مثل العويس والبابطين والصباح؟!
هل النخوة الثقافية·· فرض كفاية؟!
(6)
بعد أن ألقى العرب راياتهم، وسكتت بنادقهم عن الكلام المباح، وصدئت مدافعهم من رطوبة الانتظار، وأصيب اقتصادهم بداء "الرعاش" كياسر عرفات، واحتضرت مشاريعهم السياسية، ووئدت قضاياهم الأساسية، واستحم الإسرائيليون في مياههم الدافئة والباردة من المحيط الهادر الى الخليج الثائر، وبعد أن هزم التاريخ العربي المجيد بالأسطورة الصهيونية·· لم يبق لنا - معشر العرب - إلا الثقافة، فهي وحدها لن تهزم·
هل سينتبه الإعلام الى أهمية الثقافة العربية، أم أنه سيتكلم ذات يوم بالعبرية الفصحى؟!