رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء30 ربيع الأول.6 ربيع الآخر 1420هـ - 14-20 يوليو 1999
العدد 1385

عرض لكتابين "خارجاً من الرماد" و"أسرار صدام"
بغداد لم تتخلّ عن أسلحة التدمير الشامل مستفيدة من عيب عظيم في الذاكرة الدولية

بين الإحباطات الأمريكية في الأحداث العالمية للسنوات القليلة الماضية، يفترض أن يكون الإحباط الأعظم هو الإخفاق في كشف أسلحة التدمير الشامل العراقية وتدميرها كما التخلص من وسائل صنعها· هذا الأمر ومثله استمرار الدكتاتور العراقي صدام حسين في الحكم ما زال يعتمل في البلد الذي تزعم التحالف المتعدد الجنسية وقاتل العراق في حرب الخليج الثانية· وبرغم أن التحالف حقق هدفه النهائي بالقضاء على الغزو العراقي لدولة الكويت، لم يتحقق قرار الأمم المتحدة الذي ينص على إنهاء الخصومة إذا تخلى العراق عن أسلحة التدمير الشامل· وفي تلك الأثناء، كان كثيرون منهم الرئيس الأمريكي آنذاك جورج بوش يأملون في أن تؤدي الهزيمة الى إسقاط صدام· وهذا ما لم يحدث أيضا· وبين يدينا الآن كتابان يوضحان لماذا انتهت التوقعات العظيمة لعام 1991 سرابا·

كان باتريك كوكبورن، مراسل صحيفة "فايننشل تايمز" وصحيفة "الاندبندنت" البريطانيتين واحدا من مجموعة صغيرة من المراسلين الغربيين الذين بقوا في بغداد إبان حرب الخليج الثانية، ثم عاد إليها حتى يكتب عن تأثير العقوبات الدولية في العراق كما عن الأحداث السياسية في هذا البلد· وكان كوكبورن يلاحظ كيف هبطت قيمة الدينار العراقي من 3,20 دنانير للدولار الى 2250 دينارا للدولار بعد خمس سنوات· وشاهد أيضا كيف حاولت الحكومة العراقية تعويض عجزها عن تأمين السلع بإذكاء العواطف الدينية وبضرب نزعة التحرر من الأحقاد القومية التي كانت في بغداد· ولسرد الرواية العراقية، تعاون باتريك مع شقيقه أندرو وهو مصور فيديو صحافي وكاتب اهتم طويلا بقضايا الاستخبارات والحروب الأمريكية· وكانت النتيجة كتاب "خارجا من الرماد" وهو الكتاب الأوسع تفصيلا عما حدث في عراق ما بعد حرب الخليج الثانية·

هذا الكتاب يلقي ضوءا على نظام سياسي تركته غالبية الكتابات الأمريكية في الظلام· وربما كان السبب عائدا الى أن العراقيين يفضلون التحدث الى البريطانيين لا الى الأمريكيين، أو الى اتصالات كوكبورن في بغداد، أو الى كون لندن مقرا للمعارضة العراقية· وهكذا ظهرت فيه بكل وضوح انتفاضات بعض وحدات الجيش والشيعة الجنوبيين والأقلية الكردية فور انتهاء حرب تحرير الكويت· واستنادا الى هذا الكتاب، لم تكن القوات الموالية لصدام تملك ذخيرة إلا بما يكفي ليومين عندما تمكنت من إخماد آخر أعمال التمرد· وما يقلق بالقدر نفسه أن الجنرالات العراقيين ربما كانوا يخططون فعلا للانقلاب على صدام مستفيدين من الانتفاضات· ثم حدثت محاولة من بعض وحدات الحرس الخاص لإطاحة صدام أسفرت عن تخويفه لكنها لم تكن موفقة· ويعتقد أن محاولة اغتيال ابنه عدي التي كادت تنجح عام 1996 ليست عائدة الى مؤامرة قبلية إنما قامت بها جماعة من النخبة الحضرية في بغداد أسست حركة ثورة باسم "الصحوة" على نمط الحركات الثورية في أمريكا اللاتينية في الستينيات·

كان أداء الولايات المتحدة ضعيفا في غالبية هذه الأحداث· فالرئيس جورج بوش شجع المعارضة العراقية، ثم وقفت الولايات المتحدة على الحياد عندما قمعت بغداد المعارضة بلا رحمة عقب الحرب· وصادق بوش على أن تعمل الاستخبارات سرا على إطاحة صدام، وحذا الرئيس بيل كلينتون حذوه، لكن كلا منهما لم يولِ هذا المسعى انتباها كبيرا عندما تباطأت جهود الوكالة· وبتركيز قصير النظر على الملالي في طهران باعتبارهم مثيري شغب، سأل المساعد السابق لوزير الخارجية الأمريكي جون كيلي بعض المعارضين العراقيين في لندن: "منذ متى تتعاونون مع الحكومة الإيرانية؟" وكان يبدو أن نشاط وكالة الاستخبارات المركزية يعوقه انقسام الآراء بين مديريها وتخطي الضباط الميدانيين صلاحياتهم، وكل ذلك تضافر مع تحويل المخصصات عن بعض فصائل المعارضة وعجز عناصرها· وإذا كانت رواية الكتاب دقيقة، كان أحد ضباط الـ "سي· آي· إيه" الذي يعمل بين الأكراد مسؤولا عن إشعال انتفاضة غير متقنة أدت عام 1996 الى انقسام الأكراد وإلى تحالف بين صدام وحزب كردي تعاون مع الاستخبارات الأمريكية، وإلى زيادة ثقة بغداد في قدرتها على وقف برنامج نزع السلاح للأمم المتحدة·

وربما كانت نقطة الضعف الأبرز في هذا الكتاب تكمن في تغطيته لمفتشي اللجنة الخاصة التابعة للأمم المتحدة المكلفة منذ عام 1991 مسؤولية القضاء على أسلحة التدمير الشامل العراقية· وفي هذا الصدد، كان القراء محظوظين بصدور كتاب التقني البريطاني (الدبلوماسي) تيم تريفان الذي عمل مستشارا لرئيس لجنة "انسكوم" من عام 1992 حتى أكتوبر من عام 1995، وهذه الفترة تبدو أنها الحاسمة في تحقق نجاحات المفتشين· وهذا الكتاب "أسرار صدام" يقدم عرضا مفصلا لكل لعبة أسفرت عن ريبة متعاظمة في أن صدام يملك برامج أعظم بكثير مما كان يعتقد حتى عام 1998 عندما جاء الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان، وهو يحاول إعادة "أنسكوم" الى بغداد، ليفاوض على ترتيب يعتبر تريفان أنه وضع اللجنة الدولية لا بغداد في قفص الاتهام· وفي هذا الكتاب نشاهد مراوغات بغداد الكثيرة والجهود المستمرة لتعويق المفتشين الدوليين· وعندما أحس تريفان بالإحباط في إعادة تجميع العلماء العراقيين البرامج التي نفذوها أو أداروها بلا كلل فقد كتب أنها "أبرز حالة تجاهل جماعي مقصود عرفتها"·

ربما يتذكر القراء حادثة سيئة الذكر عام 1991 عندما سددت القوات العراقية فوهات البنادق الى المفتشين الدوليين في موقف للسيارات طيلة أربعة أيام، ويتذكر تريفان الذي كان شاهدا على ذلك كيف تمكن فريق المفتشين من تهريب وثائق مهمة بواسطة اختصاصي توجب إخلاؤه لأسباب طبية· وكشفت إحدى الوثائق أن العراق حققت تقدما نحو صنع قنبلة ذرية بعد وقت قصير من انتهاء حرب الخليج·

في رواياتهما عن "أنسكوم" يبدو الأخوان كوكبورن متناقضين بشأن رولف ايكيوس الدبلوماسي الذي ترأس "أنسكوم" حتى عام 1997· غير أن تريفان يوضح بلا أي لبس أن أيكيوس تمكن بفضل التعامل المتأني مع قرارات الأمم المتحدة أن يجبر العراق على الإذعان لترتيبات المراقبة والتفتيش التي جاهدت بغداد لتفاديها· لكن هناك بعض الاختلافات· فهناك جنرال عراقي منشق أبلغ الأخوين كوكبورن أن صدام كاد يضع رؤوسا كيميائية في صواريخه عندما انتهت حربه مع إيران، بينما يقول تريفان أن الجنرال نفسه أفاد أن صدام لم يجرؤ قط على استعمال الرؤوس الكيميائية أو البيولوجية في حرب الخليج الثانية·

ويمكن اعتبار كتاب تريفان من زوايا كثيرة وهو رواية شخصية متأنية عن عملية نزع السلاح الأول من نوعه في قضايا الانتشار (النووي) في النظام العالمي الجديد· أما كتاب الأخوين كوكبورن فيظهر القوى السياسية التي تجول حول برامج الأسلحة·

واشنطن بوست

طباعة  

الصين تجري تغييرات دفاعية استراتيجية خوفا من خطة أمريكية للتطويق
 
الصراع الهندي - الباكستاني في كشمير: أفضل الممكن استبعاد السلاح النووي