رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء30 ربيع الأول.6 ربيع الآخر 1420هـ - 14-20 يوليو 1999
العدد 1385

أحد أشهر الصعاليك الجاهليين
تأبط شراً.. رحلة مع الفقر والتشرد والتمرد على تقاليد القبيلة وعاداتها

· انطلق غريبا بين القبائل منكسر النفس محطم  القلب والخاطر يغني في الصحراء تائها ويطارد  الظباء ويهاجم القبائل ويفتك بالظالم

 

رؤية كتبها علي عبدالفتاح

هذا الصعلوك "تأبط شرا" أحببته وتخيلته معاصرا لقضايانا ومشاكلنا وأنه يقف في مواجهة الاستبداد والظلم والتعصب ويطلق صرخات الحرية من أجل الجوعى والفقراء والحزانى والمضطهدين·

هل كان من الممكن أن تختلف قصائده لا أتصور ذلك؟ إنه ما زال يحيا معنا ويشاغب معنا·

تأبط شرا

"توفى نحو 430م"

هو الشاعر ثابت بن جابر الفهمي الصعلوك ذو الوجه الأسود الذي خرج حاملا سيفه ذات يوم تحت إبطه، وشاهدته أمه وسألته عن وجهته فلم يجب عليها ومضى في طريقه وحين سألوا عنه أمه قالت:

- لا أدري إنه تأبط شرا وخرج، فأصبح كلامها هذا لقبا له·

عرف عن تأبط شرا شجاعته وكرمه وقيمه الخلقية الرفيعة وصفاته النفسية من جرأة ومواجهة مخاطرة واقتحام المعارك مع لصوص العرب والركض في الصحراء بسرعة مذهلة حتى قيل عنه: عداء يروع الظباء ويتجاوز الحيوانات وينقض عليها ويفتك بها فتكا ويلحق بالخيل ويغزو على رجليه وحده· ينتمي تأبط شرا الى مجموعة الشعراء الصعاليك في الأدب العربي وحياة البادية في الجاهلية حيث كان الصعاليك يرافقون الفقر والتشرد ويشعرون بالتمرد على تقاليد القبيلة ورفضها لهم إما لأنهم من أمهات حبشيات أو زنجيات إماء· وهنا لا تعترف القبيلة وتتركهم مشردين من دون انتماء قبلي·

ولكن الصعلوك يقف متحديا قدره ويثور على هذا الوضع القائم أمامه ويحاول أن يؤكد ذاته بفرادته في الحرب وغنائه في الصحراء والتجائه الى الإغارة على هؤلاء المنعمين الذين يعيشون في ثراء وسلام·

ويعتمد الصعلوك على فروسيته وقوته النفسية والبدنية واحتماله الأذى والجوع والفقر ويشهر سيفه في وجه سادة القبيلة الذين أنكروه وخلعوه من حياتها ونسبها ورغم ذلك تميز الصعلوك بالكرم والعطف على الفقراء وإغاثة المنكوب والتصدي للظالم ومساعدة الضعفاء واقتسام الغنائم·

ويعتبر تأبط شرا من أشهر هؤلاء الصعاليك وهم: عروة بن الورد والسليك بن السلكة والشنفرى وغيرهم وقد عاش كل منهم يعاني محنته واغترابه·

وتكمن محنة الشاعر الصعلوك تأبط شرا إنه من أغربة العرب لأن أمه حبشية من الإماء فانطلق غريبا بين القبائل يشعر أن العار قد لحقه منكسر النفس محطم القلب والخاطر، يغني في الصحراء تائها ويطارد الظباء ويهاجم القبائل ويفتك بكل ظالم أو لص غادر·

وأسس تأبط شرا في الصحراء تقاليد جديدة تقوم على محاربة هؤلاء الذين طردوه وأنكروه نسبه فاستل سيفه يطعن في قلب الخونة ويهزأ بالماكرين والعابثين والطغاة، ومن جهة أخرى انتمى الى الشرود والاغتراب الروحي فلم تعرف روحه السلام أو السكون، عاش يقظا مترقبا شبح الموت لا يغفو بسهولة فخورا بذاته وغزواته ومواجهته للظالمين وشجاعته ويصف ذلك قائلا:

لا شيء أسرع مني: ليس ذا عذر وذا جناح - بجنب الريد - خفاق ولا أقول إذا ما خلة صرمت

يا ويح نفسي من شوق وإشفاق لكنما عولي أن كنت ذا عول

عليّ بصير بكسب الحمد سباق سباق غايات مجد في عشيرته

مرجع الصوت هدا بين أرقاق حمال ألوية شهاد أندية

قوال محكمة جواب آفاق

سدد خلالك من مال تجمعه

حتى تلاقي الذي كل امرىء لاق لتقرعن على السن من ندم

إذا تذكرت يوما بعض أخلاقي وفخر الشاعر هنا بسرعته في الصحراء واحتماله هجر الحبيبة فلا وقت للحزن أو الشوق والإشفاق لأن همته الحقيقية وعواطفه متأججة باكتساب المجد والتسابق إليه حتى أنه يبدو في عشيرته متميزا كصوت قوي بين ضعفاء·

ويعود الشاعر ليصف ذاته مرة أخرى بأنه كان قائد غزوات وله تأثير وحضور في اجتماعات القبيلة لا ينطق إلا عن صواب ويخترق الآفاق البعيدة واثق الذات قادر على القيام بالمهمات الصعبة·

ويتميز شعره بحكمة يوردها بأن المال ينفقه الإنسان من أجل حياته في الغابات المهمة وعليه أن يواجه ما يلقاه الآخرون، ويحذر قومه بأنهم في يوم المحن سوف يشعرون بالندم حين يحتاجون إليه ويتذكرون بطولاته وأخلاقه الكريمة·

ولم تتوقف محنة الشاعر تأبط شرا في خلعه من القبيلة لأن أمه حبشية ووجهه الأسود بل إن الأمر تحول الى فجيعة حين تزوجت أمه رجلا يدعى أبا كبير الهزلي من قبيلة هزيل·

وتألم تأبط شرا لهذا الزواج وأصبح عدوا لقبيلة زوج أمه وقام بالإغارة عليها ومحاولة الانتقام منها لما فعله أبو كبير الهزلي وانعزل وحده يكتم أحزانه في صدره حيث عاش محروما من حنان أمه فقد كان زوج أمه يضيق به إذا تحدث معها أو طرق عليها الغرفة·

وبدأت أمه تضيق به وتشعر بالكراهية له وتقول عنه:

- إنه والله شيطان ما رأيته قط مستثقلا ولا ضاحكا ولا همّ بشيء منذ كان صبيا إلا وفعله·

أما زوج أمه فقد قرأ الشر في وجه تأبط شرا وحاول أن يقتله أكثر من مرة وقالت له زوجته: خلصنا من هذا الشرير حتى نحيا في سلام·

فأقسم لها قائلا:

- والله قد رابني هذا الشرير ولا آمنه فلا أقربك منذ اليوم··

فأشارت عليه أن يقتل ولدها ويرتاحا منه·

فكر الزوج في خطة وقال له ذات يوم:

- هل لك أن تغزو معي؟

فقال تأبط شرا:

- ذلك من أمري

فخرجا ليلا وقد عقد أبو كبير على خطة للقضاء عليه وأثناء سيرهما أبصرا نارا عن بعد فأرسله أبو كبير إليها وهو يعلم أن هناك مجموعة من اللصوص سوف يقضون على تأبط شرا·

وانطلق تأبط شرا مسرعا وفوجئ أمامه برجلين من لصوص العرب واشتبك معهما في القتال فاستطاع أن يصوب إليهما سهامه وقتلهما· وعاد الى زوج أمه يخبره بما حدث·

وارتاع أبو كبير منه· ولما رجعا الى الحي قال أبو كبير لزوجته وهو يشعر بالغضب والنقمة والإحباط:

- لأنك أم هذا الفتى لن أقربك أبدا ولا أريدك··!!

وتركها الرجل وحدها، وشعرت الأم أن السبب في ذلك ولدها المشؤوم الذي حرمها من الحياة مع رجل ارتضته وتمنت أن تعيش معه وصارت الأم تكن لابنها الكراهية والشر مدى العمر·

ويقال في ظروف موت هذا الشاعر المأساوي إن قبيلة بني هزيل أرسلت إليه من يقتله ويلقي به في العراء وجسده ممزق تتفجر منه الدماء ولكنه كان ضحية رفض قبيلته له وكراهية أمه التي فقدت زوجها بسببه·

وظل تأبط شرا يتطلع دائما خلال حياته الى تحقيق البطولة الفردية وقهر العدم والتغلب على محنة وجوده رافضا الظلم عاشقا للحرية مدافعا عن كيانه وكرامته ومصيره ويرى أن المرء عليه مقاومة عثرات حياته ويقف موقف الجد والعزيمة حتى لا يقاسي ويتخلف ويهزم، أما عن النفوس الحازمة الأبية فقد تنهار أمامها الخطوب ما دامت النفس تدرك مقصدها وبغيتها وصاحب هذه النفس يقف أمام الدهر ينازله وحاذرا منه ومجربا صنوف عذابه وخبيرا بالأمور فإذا سدت في وجهه سبل نفذ الى دروب وسبل أخرى، ويعبر الشاعر عن هذه المعاني ويقول:

إذا المرء لم يحتل وقد جد جده

أضاع وقاسى أمره وهو مدبر ولكن أخو الحزم الذي ليس نازلا

به الخطب إلا وهو للقصد مبصر

فذاك قريع الدهر ما عاش حول

إذا سد منه منخر جاش منخر ومن الحكايات التي تروى عن تأبط شرا أنه لقي رجلا من ثقيف اسمه أبو وهب وكان جبانا طائشا يرتدي حلة جميلة وجديدة· وقد تمنى أبو وهب أن يكون في شجاعة وبطولة تأبط شرا، فقال له:

- بم تغلب الرجال وأنت أسود ودميم وضئيل؟

قال تأبط شرا:

- باسمي·· إنما أقول ساعة ألقى الرجل أنا تأبط شرا فينخلع قلبه حتى أنال منه ما أردت، فقال أبو وهب:

- هل لك أن تبيعني اسمك بهذه الحلة وكنيتي لك؟

ووافق تأبط شرا وقال·

- لك اسمي ولي اسمك وكنيتك ووصف تأبط شرا هذا الموقف مخاطبا زوجة أبي وهب في سخرية ويقول:

ألا هل أتى الحسناء أن حليلها

تأبط شرا وأكتنيت أبا وهب

فهبه تسمى اسمي وسميت باسمه

فأين له صبري على معظم الخطب

وأين له بأس كبأسي وسورتي

وأين له في كل فادحة قلبي ومن القصص التي تروى في حياته أنه عشق فتاة من بني عبس وأحبته ورضيت به وحين ذهب الى أهلها ليخطبها منهم رفضت الفتاة فسألها عن السبب فقالت له:

- لقد أخبروني أن لا أتزوجك لأنك متعرض دوما للموت وقد أعيش العمر أرملة بعد ذلك·

وقال لها في حزن:

- وماذا قالوا أيضا؟

قالت الفتاة:

- إنه ليس في حياتك سوى الثأر والانتقام ومواجهة الفرسان في الصحراء ولذلك اقتنعت بما قالوه عنك فأنا أخشى فقد الزوج· وتعجب تأبط شرا من موقف الفتاة وأهلها· وخرج في الصحراء ينشد أشعاره قائلا:

وقالوا لها لا تنكحيه فإنه

لأول نصل أن يلاقي مجمعا

فلم تر من رأى فتيلا وحاذرت

تأيمها من لابس الليل أروعا

قليل غرار النوم أكبر همه

دوم الثأر أو يلقى كميا مقنعا

ورغم جفاء كلماته وخشونة عباراته وعاطفته التي تتدفق على سجيتها وفطرتها ودقة وصفه واعتزازه بنفسه وفخره بحكمته وفرديته التي سحقت تحت وطأة الظروف الصعبة نلمح قدرا من البساطة في التعبير واختيار الألفاظ والعبارات المكثفة والاعتناء بالفخامة في تصوير المعاني بحيث يرسم لك شخصيته الحرة الفذة المنطلقة في فضاء الصحراء لا تهاب شيئا، وقد ينعي ذاته المنكسرة الحزينة ولكن أيضا في إباء وعزيمة لا تلين·

طباعة  

الهم السابع
 
إصدارات
 
الحركات الإسلامية الراديكالية... في "قرطاس"
 
هل استعاد العرب فنهم الكتابي "الأول"؟
الرواية العربية المعاصرة نزعت عنها رداءها الغربي منذ السبعينيات

 
قصة قصيرة
 
ضوء
 
نافذة
 
أجراس