· الرواية الأوروبية بنت الأشكال القصصية العربية القديمة
· بعض الكتّاب عاد إلى أشكال السرد العربية القديمة وبعضهم جرب في اللغة
· تحويل الرواية إلى السينما أو التلفزيون يخلق قارئاً كسولاً
· أصبحت الرواية تجربة إنسانية واجتماعية تعبر عن الحياة
كتب - المحرر الثقافي:
الرواية العربية بعد قرن من حضورها في الساحة الثقافية وطدت نوعها الأدبي وغدت من ملامح ثقافتنا العربية المعاصرة الأساسية، وحملت هويتنا بجدارة، وهي لم تعد عبئا على أحد ولا نسخا من أحد، فقد وصلت إلى مرحلة النضج والتفاعل الذاتي، بل ربما زاحمت بقية الفنون الأدبية إلى حد جعل الدكتور الراحل علي الراعي يطلق مقولته المشهورة "الرواية ديوان العرب" وهي عبارة رددها من قبل بعض المستشرقين عن الحكاية العربية القديمة·
هل الرواية فن مستورد؟
على الرغم من أن العرب استخدموا الفعل "روى" والاسم "الراوي" في معظم تأليفاتهم القصصية إلا أنهم لم يسموا قصصهم الطويلة "رواية" وإنما سموها "حكاية" أو "سيرة" إذا كانت تتحدث عن حياة بطل تاريخي أو مفترض ، وأحيانا استخدموا المصطلح العام "القصّة" للدلالة على شكل قصصي غير محدد من حيث الحجم·
فالرواية إذاً مصطلح أوروبي حديث يدل على القصة الطويلة، وكانت من حيث هي نوع أدبي مستقل نتاجاً للتحولات الاجتماعية التي حدثت في أوروبا، فمن قصص الفرسان والمغامرات في عهد الإقطاع والملكية إلى الرواية الرومانسبة فالواقعية في عهد البرجوازية ونمو الطبقة الوسطى إلى آخر تلك الأشكال الفنية المرتبطة بالتغيرات الاجتماعية والتحولات الطبقية والثقافية·
ولكن الحقيقة هي أن الأوروبيين أخذوا الفن القصصي عن العرب، ولا سيما بعد اطلاعهم على "ألف ليلة وليلة" ورسالة الغفران وسواهما من الكتب، وهو أمر يعترف به بعضهم كما قال أحدهم في "تراث الإسلام" "كما أن أوروبا مدينة بديانتها لليهود، فكذلك هي مدينة بقصصها للعرب" وبعيدا عن التفاخر العاطفي فإن العرب كان لهم فنهم القصصي العظيم وأخذوا من الأمم التي سبقتهم فنونا وموضوعات قصصية وطوروها، والأهم من كل ذلك أن هذا الفن أصبح فنا شعبيا متأصلا في البيئة العربية، وكان له طقوسه الاجتماعية أحيانا، ولذلك لا نستغرب بعدها أن العربي تقبل فن "الرواية" بسهولة ويسر، ولم يجده غريبا عليه، فكأنما كانت الرواية التي نقلت إلينا عبر الترجمة منذ نحو قرن امتدادا لهذا الإرث القصصي ولتلك الذاكرة القصصية الحافلة، فليس مسوغا إذاً أن نعد "الرواية" فنا مستوردا، ولكنها فن متطور عن الأشكال القصصية السابقة، وهو تطور مرتبط بالزمان بالدرجة الأولى·
الرواية العربية والتحولات
كانت الأشكال القديمة من القصص قد تبلورت في عدة عناوين مثل "المقامة" و"الحكاية" و"الخبر" و"السيرة"·· وحاول بعض الكتّاب العرب أن ينسجوا على شاكلتها في مطلع اهتمامهم الجديد بالفن القصصي كما فعل المويلحي بمقاماته الجديدة، غير أن الانبهار بالغرب جعل الكتّاب ينصرفون عن الأشكال العربية إلى الرواية الأوروبية ذات الخصائص والمعايير المحددة، فولدت الرواية العربية مع "الأجنحة المتكسرة" لجبران خليل جبران في المهجر ثم مع "زينب" لهيكل التي كانت العتبة التي ولجت منها الرواية العربية المعاصرة·
ولما كانت المجتمعات العربية لم تزل فلاحية زراعية فإن الرواية ارتدت الرومانسية ولكن مع نمو البرجوازية والبرجوازية الوسطى تحديدا أخذت الرواية العربية تنحو منحى واقعيا، وبعد ذلك تسارعت التحولات السياسية والطبقية وتشكلت طبقة وفئات جدية فتنوعت معها الرواية العربية بتأثير العوامل الداخلية والخارجية أيضا، فظهرت الرواية الواقعية النقدية والاشتراكية والرمزية والنفسية والوجودية·· وبالطبع كان الفن الروائي والفن عموما يتوازى مع التحولات السياسية والاجتماعية، مما جعله ينتشر انتشارا طيفيا بمعنى أنه كان ينتقل من المركز "مصر" إلى الأطراف حتى عقد السبعينيات تقريبا، وبعد ذلك أصبحت الرواية العربية تتطور وفق قوانين أشمل وعناصر أكثر تعقيدا، حتى إنها أصبحت الفن الأول تقريبا في جميع الأقطار العربية·
التجريب في الرواية العربية
اللافت أن الرواية العربية منذ السبعينيات تقريبا أخذت تشعر بهويتها، ولم يعد الكتّاب العرب يشعرون بعقدة التفوق الغربي، وربما عزز هذا الإحساس تراجع الرواية الأوروبية نفسها أمام صعود الرواية الأمريكية اللاتينية والآسيوية الشرقية وحتى الإفريقية، مما فتح المجال واسعا للتجريب الحرّ والتطور الذاتي، ولا سيما أن نقل تجارب الآخرين قد وصل إلى أقصى مداه كتيار الوعي "ما تبقى لكم لغسان كنفاني مثلا"، ولا يعني هذا بالطبع انعدام التأثر بالآخر، بل أصبح تأثرا لا يقوم على التبعية ولا الانبهار أو الاندهاش، وإنما هو المثاقفة الحضارية الطبيعية·
واتجه التجريب في الرواية العربية في مسارات مختلفة أهمها مساران مهمان: الالتفات إلى التراث، والتجريب اللغوي والرؤيوي· فمن ملامح العودة إلى التراث الاستفادة من أشكال السرد القديمة وتوظيفها في بناء الرواية الحديثة كما فعل جبرا إبراهيم جبرا بالاتكاء على تقنية السرد في ألف ليلة في روايته "السفينة" وكما اختط إميل حبيبي وتوفيق فياض طريق السرد التراثي والخبري آخذين من نكهة "الخبر" العربي القديم ومن تقنية "الحكواتي" في السيرة الشعبية الشيء الكثير، في حين نسج جمال الغيطاني عالمه الروائي من الرؤى الصوفية شكلا ومضمونا ليقدم لونا جديدا في الفن الروائي العربي·
أما المسار الآخر فأخذ اتجاه اللغة بمفهومها الشامل، اذ غدت الرواية عملا لغويا بالدرجة الأولى، وفق رؤى شاعرية وشعرية في معظم الأحيان، فيها الكثير من الرمز والتخيل والبوح، وفي هذا اللون من الرواية استخدمت عناصر فنون كثيرة كالشعر والمسرح والسينما والصحافة··
وهذه الرواية منتشرة في جميع الأقطار العربية وفي معظم أعمال الروائيين العرب مثل جبرا إبراهيم وعبد الرحمن منيف وغالب هلسا وصنع الله إبراهيم جبرا·· وفي أعمال الكتّاب الشباب "والشابات"·
شعبية الرواية
لقد أرخت الرواية العربية للمجتمع العربي على مدى قرن من الزمان، وكانت معبرة عن عناصر التحول والحركة فيه، ورصدت الأحداث الكبيرة والصغيرة، ودخلت إلى عالم الإنسان العربي وصورت نفسيته وصراعاته مع نفسه ومع الآخر وصورت همومه وأحلامه تصويرا دقيقا وعميقا، وحققت نجاحا كبيرا على المستوى الشعبي أولا وعلى المستوى الثقافي العام ثانيا، وكان لحصول نجيب محفوظ قطب الرواية العربية على جائزة نوبل تكريسا لهذه المسيرة الغنية، ودفقة من الحماسة لا يمكن إغفال أهميتها، على الرغم من أن "هاجس نوبل" ليس أمرا أساسيا في تطور الرواية العربية، فلتلك الجائزة ملابساتها المعقدة التي لا مجال للتفصيل فيها هنا·
ولا يمكن أن نغفل دور السينما والتلفزيون في إيصال هذا الفن إلى أوسع القطاعات الشعبية، فقد تحول الكثير من الأعمال الروائية إلى أفلام سينمائية تلفزيونية كان لها صداها الشعبي الكبير الذي لا ينبغي الإغماض عنه، على الرغم من الأثر السلبي الذي قد تتركه هذه التقنيات في العمل الروائي، لا على صعيد الإخلال في البنية الفنية للرواية فحسب، وإنما في علاقة العمل نفسه مع المتلقي، إذ إن عادة كهذه قد تخلق مع الزمن متلقيا كسولا وتجعله "مشاهدا" لا "قارئا"·
وثيقة العصر
إن الناظر إلى الساحة الثقافية يرى بوضوح حضور "الرواية" القوي، وحضور الروائيين الكبار في حياتنا الثقافية، والدور الفاعل الذي تمارسه الرواية في الوعي العربي، إذ لم تعد الرواية قصة عاطفية تحمل هموما ذاتية ساذجة، بل غدت تجربة إنسانية وإجتماعية تحمل أبعادا طيفية عديدة، وأصبح للرواية دورها التسجيلي والتوثيقي الواضح، وغدت عصارة فكرية وشعورية وفنية لكل مرحلة من مراحل تطورنا الحضاري، فهي الوثيقة الأكثر نبضا بالحياة والأقدر تأثيرا في رسم ملامح العصر·
إن ما يبعث على الشعور بالاطمئنان والتفاؤل المستقبلي أن فن الرواية يزدهر يوما بعد يوم ويتطور باستمرار ويزيد الإقبال عليه،ويزداد عدد كتّابه في كل بقعة عربية، وهو فن "جماهيري " بحق، يدل على ذلك إقبال القراء عليه إقبالا ملحوظا، حتى إن الكثير من الروايات العربية يعاد طبعها مرات عديدة لنفادها في المكتبات كما في روايات نجيب محفوظ وعبد الرحمن منيف وغسان كنفاني والطيب صالح ومحمد شكري والطاهر وطار وأحلام مستغانمي وغيرهم كثير ·· جدا·