عظام ناتئة
مصطفى عطية جمعة
أحداقهن تتقلب ، أجسادهن في استكانة الانزواء بأحد أركان البيت، لم يفلح الالتصاق بينهن في محو اصفرار وجوههن، والأم في غدوها الصامت، تنقل المياه الدافئة، إلى الغرفة الداخلية، ثم صوت القماش الذي تمزقه، فترتجف أسنان بناتها··
كانت صرخة مكتومة من الأم - في هدأة السحر - وضربات على صدرها، فاستوين جالسات في فراشهن الأرضي، تجرأت كبراهن، فدلفت إلى الغرفة·· كانت أمها تضرب خدي صغيرها المصفرين، بينما عيناه غائمتان، وصدره يتحشرج بسعال مزيد ــ لطمت، حين علت عظام صدره المدببة، ولم تهبط·
صوت لوحين من ألواح السرير، ثم تضعهما على طست، وصوت أصابعها في الماء الدافىء·
خرجت به ملفوفاً في ملاءة بيضاء، وعلى كتفيها عباءتها السوداء· كان النهار يتسحب عبر شقوق النافذة·
* * *
ألقى خادم المسجد مقشته، وامتدت يداه إلى اللغة البيضاء، متحاشيا النظر، استوى من خلفه بقايات مصليّ الفجر· كانت قد اقتعدت سلالم العتبة، ناولتها الأيدي التي تهلل لفتها، أشارت بالنفي حينما أرادوا مصاحبتها، شعرت بعظماته تحتك بثديها، ضاعفت من ضمه·
* * *
طرقات على الباب الخشبي لغرفة "التُربي" فتح حامل فأسه، كان يحفظ مكان مقبرة أهلها، سقطت عباءتها وهي تناوله، لسانه يلهج بأدعية الولوج،وهي تهبط السلالم الحجرية·
أدار حجر الشاهد، وراح يرش قطرات الماء، همس بالدعاء، وهو يرد يدها المطبقة له·
* * *
الأب العائد في ليلته الأسبوعية، من كده في بلاد الفلاحين، كن في جلستهن بفناء الدار، الأم في التصاقها بهن، والنظرات مطرقة، ولج الغرفة····
عاد يبتسم، فسرى الدفء بينهن·