كاتب الأطفال والصناديق اللغوية
نزار فلوح
كل فكرة يحاول كاتب الأطفال توجيهها إليهم، وكل قيمة يسعى إلى غرسها في نفوسهم لابد لها من أن تكتسي بحُلة لغوية تكون هي الجسد الذي يحمل الفكرة والقيمة إلى نفوس الأطفال، وهذا الثوب اللغوي الذي ترتديه الفكرة عبر ريشة الكاتب تتألف خيوطه ـــ على سبيل التبسيط من مفردات وتراكيب ومستوى تعبيري وذهني ينتج عن تآلف هذه المفردات والتراكيب أو تنافرها، ليرسم مؤشرات دالة على مدى نجاح الكاتب في توفير عناصر قاموس لغة الطفل وتحقيق شروط عالمه الذهني والاستقبالي، لذلك لجأت بعض المؤسسات التربوية إلى إنتاج قواميس نوعية تقدم قوائم خاصة بلغة الطفل في كل مرحلة من مراحل العمر، ولكل مستوى من المستويات الذهنية والتعليمية التي يصل إليها الطفل، وقد تشكل هذه القواميس صوى وعلامات دالّة ــ غير نهائية ــ يهتدي بها القائمون على إنتاج نصوص الأطفال المقروءة والمسموعة والمرئية من كتاب وشعراء وإعلاميين·
إن وجود مثل هذه القواميس يجب أن ينبه العاملين في حقل ثقافة الطفل إلى مقدار حساسية الجانب اللغوي في أدب الأطفال، بحيث يتوخون الدقة والحرص خلال إنتاج خطابهم الموجه للطفل، فلا تجوز الاستعمالات المعقدة والصور اللغوية المقتبسة من عالم الكبار على نص الطفل ووعيه وقدرته الاستقبالية، إذ يقرأ المتابع لحركة التأليف والنشر في حقل ثقافة الأطفال كثيرا من النصوص التي تعج بركام من القيم الوعظية التقليدية، المطروحة بطريقة تلقينية مباشرة، تجافي روح الإبداع، وقد حُبست تلك النصوص في صناديق لغوية جاهزة، فابتعدت بمضمونها وأسلوبها عن قاموس الطفولة اللغوي وشروطها النفسية والإبداعية الخاصة، والأمثلة على هذا التجني اللغوي كثيرة يجدها المتابع في العديد مما ينشر من أعمال في مجلات الأطفال والمجموعات الشعرية والقصصية ·
وهنا يعاد السؤال من جديد: كيف نقدم للطفل أدبا جديدا لا يستغرقه الابتذال والتكرار والتقليد، ولا يعيده الإغراب اللغوي والأسلوبي والتعبيري عن متناول الطفل؟ والإجابة عن التساؤل تتطلب من المبدعين إيلاء لغة الطفل مقدارا أكبر من الحرص والاهتمام والحذر بحيث تدخل نصوص الأطفال في طقس إبداعي خاص من التقنية والاصطفاء اللغوي والتعبيري والأسلوبي، وقبل ذلك كلّه الاصطفاء القيمي بحيث نحاول تحديد نوعية القيم والمواقف التي نخاطب بها الطفل في هذا العصر الذي تختلط فيه الأمور وتتغيّر القيم والمواقف على نحو تصاعدي سريع ومثير للقلق·
لقد حدّدت الدراسات التربوية في هذا المجال عدة شروط ينبغي تحققها في لغة النصوص الموجهة للطفل منها: سلاسة المفردات وسهولتها وبعدها عن الصعوبة والغرابة والتقعر اللفظي، وابتعاد التراكيب عن التعقيد اللفظي والإغراب التصويري، وكذلك تجنب التراكيب الطويلة المعقدة التي تكثر في المترادفات وحالات التقديم والتأخير وإحالة الضمائر على ما سبقها، إضافة إلى ضرورة توخي الدقة في اختيار الألفاظ لمدلولاتها، دون أن ننسى دور كاتب الأطفال في إغناء حصيلة الطفل اللغوية من مفردات وتعابير وأساليب، على أن يتم ذلك بصورة تدريجية وضمن معايير دقيقة ومقاييس مدروسة، لأننا بهذه النصوص المبكرة في اطّلاع الطفل نربي ذائقته اللغوية والجمالية، ونضع اللبنات الأولى في بناء وعيه الإنساني·
بقي أن نقول إننا نأمل أن تحظى تجربة الكتابة للأطفال في المؤسسات والقنوات الثقافية المعنية بإهتمام أكبر، وأن تُسَنْفَر جهود نوعية أرقى في الكتابة للطفل ومناقشة شؤون ثقافته وأدبه، وأن تكافأ هذه الجهود بمقابل مجز،ٍ كي تتحول تجربة الكتابة للأطفال إلى مغامرة إبداعية مغرية تستحق العناء والحرص والتدقيق··