رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 8-14 ربيع الآخر 1420هـ - 21 - 27 يوليو 1999
العدد 1386

من يوقف هذا النزيف الذي يفرغ جسد الثقافة العربية من عناصره الحية؟
ثقافة المنفى إدانة صارخة للنظام السياسي العربي

·         الاضطهاد وكبت الحريات أهم أسباب هجرة المثقفين العرب

·         "المنفى" أصبح الوطن الحقيقي للكثير من الأدباء العرب

·         المثقف هو الذي يعطي ساحته حركتها ونكهتها

·         تميزت القاهرة ثقافياً لأنها اتسعت لمثقفيها

 

كتب المحرر الثقافي:

هجرة المثقفين ظاهرة عالمية ولاسيما في أوروبا، وكانت نتاج ظروف سياسية واجتماعية وثقافية، وقد ازدادت في أوقات الحروب ولاسيما الحربين العالميتين الأولى والثانية، وغالباً ما كانت العواصم الثقافية محط رحال هؤلاء المثقفين كباريس ولندن، وفي وقتنا الحالي نشهد ظاهرة هجرة الأدباء العرب إلى أوروبا وأمريكا، وقد تفاقمت الظاهرة إلى حد كبير عكس خللاً حقيقياً في العلاقة بين المثقف العربي وواقعه السياسي والاجتماعي·

 

أدب المهجر··· محطة أولى

 

في مطلع هذا القرن وفي فترة الحرب الأولى أدى الطغيان العثماني والفقر والجوع إلى هجرة أعداد كبيرة من الشاميين (السوريين واللبنانيين والفلسطينيين) إلى الأمريكتين بحثاً عن الأمان والرزق، وكان منهم أدباء وصحافيون، فبرزت ظاهرة شعر المهجر الذي كان له أثره البالغ في الثقافة العربية، وكان هناك تيار في الشعر المهجري أحدهما قومي وطني مثلته العصبة الأندلسية في أمريكا الجنوبية كانت تنبض مع أحداث الأمة، ومن أبرز شعرائها الشاعر القروي (رشيد سليم الخوري)، وثانيهما تيار إنساني فلسفي تأملي مثلته الرابطة القلمية في أمريكا الشمالية (الولايات المتحدة)، وأبرز شعرائها جبران خليل جبران وإيليا أبوماضي وميخائيل نعيمة··· وكان أدباء المهجر قد أقاموا هناك صحفهم، ومنتدياتهم وواصلوا عطاءهم الأدبي وتواصلوا مع أوطانهم عبر المنابر الثقافية المختلفة·

وكعادة العرب في إهمال قضاياهم بالإضافة إلى العوامل الذاتية لم تتطور حالة الثقافة المهجرية لتكون مؤثرة في بيئتها الجديدة سياسياً وثقافياً، بل ظلت امتداداً جغرافياً لثقافة الوطن، مع استثناءات قلية كجبران خليل جبران، ولاسيما أن هناك إلى الآن عدداً من المثقفين كما في أمريكا الجنوبية ممن لايزال يمارس الكتابة باللغة العربية وعموماً فإن عودة بعض المهجرين ورحيل الجيل الأول أنهى هذه الحالة الفريدة في ثقافتنا العربية، ولم يعد هناك تيار مهجري وإن كان هناك أفراد بلغ بعضهم مكانة عالمية في الثقافة والسياسة·

 

إشكالية المغرب العربي

 

إذا كانت هجرة الأدباء في عهود الاستعمار لها ما يسوغها فإنها ليست كذلك بعد استقلال الأقطار العربية، غير أننا نلاحظ انتشار هذه الظاهرة انشاراً لافتاً مما يجعلنا نتوقف بانتباه أمامها·

كان الأدباء الجزائريون والمغاربة عموماً قد وطدوا أقدامهم في فرنسا نتيجة ظروف الاحتلال، وتلقوا ثقافتهم في ساحتها الثقافية، وكتبوا بلغتها، ولمعت أسماء كبيرة كمحمد ديب وغيره فمن جاؤوا بعده وهم كبار الأدباء والمفكرين المغاربة الذين ارتبطوا بالثقافة الفرنسية ارتباطاً عضوياً، وعدوا جزءاً منها، وإن عاد بعضهم إلى الوطن· غير أن حالة هؤلاء المثقفين هي من عقابيل الاستعمار الذي ترك وراءه مشكلات لا حصر لها منها اللغة والإثنية والصراع بين العروبيين والفرانكوفونيين، وهي مشكلات ستحتاج إلى وقت مديد كي تحسم وتحل·

 

المشرق العربي··· هرباً باتجاه الحرية

 

أما في المشرق فقد هاجر عدد كبير من المثقفين لأسباب مختلفة منها الدراسة والعمل في الهيئات الدولية والبحث عن فرص الشهرة التي لا يتاح الكثير منها في الوطن الأم، غير أن السبب الأهم كان البحث عن نافذة حرية بعيداً عن القهر والاستلاب والاستبعاد·

لقد أراد النظام العربي الحاكم أن يجعل المثقف بوقاً له وداعية لأمجاده المزيفة ولثقافته السلطوية الأحادية، وضيق الخناق على المثقفين الذين لا ينضوون تحت رايته، بل أودع الكثير منه غياهب السجون وعذب بعضا وقتل بعضاً وراقب بعضاً، فأطبق على المثقف العربي ليل من الإرهاب والقمع والإهمال مما دفعه إلى الهجرة خلاصاً من مصير يجهله، ومن ظروف لا تتيح له حرية التفكير والإبداع، فطارت أسراب المثقفين العرب تجوب أرجاء المعمورة بحثاً عن ملاذ· وهكذا غدا "المنفى" هو الوطن الحقيقي للمثقف المبتلى، وإن لم يكن المنفى دائماً في بلاد الغربة·

 

ثقافة المنفى

 

وهكذا أصبحت ثقافة "المنفى" تحتل حيزاً كبيراً من مساحة الثقافة العربية المعاصرة وهي لم تدرس حتى الآن دراسة كافية، ولاسيما أن لها آثارها الكبيرة والخطيرة في الصعيدين الفردي والجماعي·

لا شك أن الهجرة إلى بلد ما هي هجرة إلى ثقافته أيضاً، وغالباً ما تكون هذه الثقافة عالمية، مما يترك أثراً إيجابياً في صعيد الإبداع والفكر، ويتيح آفاقاً فسيحة للمثقف العربي وحرية كاملة في البحث عن مفردات وجوده الإنساني· وهي أيضاً نقل للثقافة العربية إلى ساحة لاتزال حتى الآن لا تنظر باهتمام كبير إليها مع أنها تهتم بثقافات أخرى ليس لها عراقتها الحضارية والتاريخية· إلا أن آثارها السلبية كثيرة أيضا لا من ناحية الاغتراب النفسي والنوستالجيا الشديدة، والاستلاب الفكري، فحسب، وإنما قد تخلق مع الزمن ثقافة مغتربة عن أهلها، ثقافة أرستقراطية متعالية تماماً على واقعها الحقيقي، ولاسيما أن الثقافة الغربية ليست دائماً فردوساً ولا جمهورية مثالية، فهي نفسها حافلة بالأمراض المزمنة، من يعترف بها أصحابها ذاتهم، وتزداد هذه الخطورة أمام موازين القوى الحضارية المختلفة حالية، مما يجعل الاستلاب استلاباً حضارياً على المستوى العام·

كما أن هذا النزيف الدائم يفرغ جسد الثقافة العربية من عناصره الحية ويترك فراغاً كبيراً لا يمكن لوسائل الاتصال الحديثة أن تحل محله، فمن ينظر إلى بيروت أو دمشق أو بغداد في أيام مثقفيها الكبار وفي أيامها الحالية فسيلاحظ الفرق كبيراً في مستوى الحالة الثقافية وحرارتها ومعطياتها، لأن المثقف الحقيقي هو الذي يعطي الساحة الثقافية هويتها ونكهتها،عبر احتكاكه اليومي مع الحالة الثقافية في وطنه· ومن هنا جاء تميز القاهرة الثقافي التي اتسع حضنها لمثقفيها ومبدعيها فلم تحدث فيها فجوات خطيرة، ولا انتكاسات مفاجئة إذ لا يمكن لثقافة المنفى أن تكون بديلاً من ثقافة الوطن مهما كانت الأسباب والظروف· ولذلك أليس مهماً في مثل هذه الحالة أن توضع هذه "الحالة" المرضية ضمن أولويات جميع الهيئات الثقافية العربية؟ أما آن الوقت لإيقاف هذه الهجرة أو التهجير الجماعي للمثقفين العرب (بالإضافة إلى الأدمغة الفعالة الأخرى طبعاً)؟!

هجرة الثقافة العربية وثقافة المنفى تبقى في جميع صورها إدانة صارخة للنظام السياسي العربي قبل كل شيء هذا النظام الذي لا يستطيع أن يوفر هواء نظيفاً نقياً للبياتي وأدونيس وزكريا تامر وسعدي يوسف وهاشم شفيق وعدنان الصائغ ومحمود درويش وعبدالرحمن منيف والطيب صالح ومئات آخرين·

طباعة  

أفق
 
الهم السابع
 
الشاعر الذي اكتشف عبوديته فقرر الانتقام لطفولته المضطهدة وبراءته النزيفة وعمره المقهور
 
إصدارات
 
أخبار ثقافية
 
القصة القصيرة في قطر والأدب المقارن في "عالم الفكر"
 
قراءة في نصوص قصيرة مختارة لأحمد النبهان
 
قصيدة
 
ضوء
 
نافذة
 
أجراس