رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 8-14 ربيع الآخر 1420هـ - 21 - 27 يوليو 1999
العدد 1386

ضوء

النزف أمام النص

 

ركان الصفدي

(1)

 

لماذا ينفضّ الكثير من الناس عن القصيدة الحديثة أو اللوحة الحديثة وسواهما من نتاج "الحداثة"؟ يأتيك الجواب من هؤلاء دائماً: لم أفهم شيئاً!

وإذا عرضت عليه نصاً لأحمد شوقي مثلاً أو لوحة لدافنشي أو تمثالاً لأنجلو برقت عيناه إعجاباً، وإذا سألته: ماذا فهمت؟ فإنه يعيد عليك النص كما هو، وتسمع منه أحكاماً عامة مثل: عبارات جميلة، صور بارعة، خيال خصب، ألوان تحاكي الطبيعة، إلى غير ذلك··· وهو، بالطبع، ليس مخطئاً ولكنه رأى جانباً واحداً·

هذا النوع من المتلقَّين يدخل إلى العمل الفني دخولاً خطأ، فهو لا يلج إليه ليتأمل عناصره وعلاقاته، ولكنه يكتفي بنظرة عامة، لا تستوقفه تلك "المحتويات" كثيراً لأنه يعرفها قبل أو يعرف أمثالها، والمظهر الخارجي بصرياً كان أو سمعياً يريحه نفسياً وذهنياً·

هذا النوع يأتي إلى العمل الفني من موقف مسبق مشبعاً بذاكرة من المألوف والسائد والذائقة الجماعية، يأتي من أرض خبر تضاريسها ولا يجد في نفسه الجرأة على خوض مغامرة لاكتشاف أرض جديدة مجهولة التضاريس·

المشكلة تكمن في أن هذا المتلقي ينظر إلى عملية الإبداع الفني على أنها لا تعنيه، ولاسيما أنه خارج من وسط تلقيني، لم يجرب مرّة أن يتحمّل عناء البحث والاكتشاف والمغامرة في فك الإشارات والدلالات التي··· لم يفهمها·

 

(2)

 

الالتباس القائم بين النص والمتلقي ليس جديداً طبعاً، ولاتزال حكاية أبي تمام مع ابن الأعرابي حاضرة، حين قال له: لماذا لا تقول ما يفهم؟ فأجابه أبو تمام: لماذا لا تفهم ما يقال؟ فنحن أمام موقفين: أحدهما يريد أن يتلقى النص جاهزاً، لا يكدّ الذهن، وثانيهما يطلب من المتلقي أن يشارك المبدع في عملية الإبداع، موقف يجعل المتلقي مستمعاً حيادياً كسولاً، وآخر يحترم المتلقي ويطلب منه دوراً فعالاً في المشاركة والإبداع··· إذاً، لا يستطيع المتلقي التقليدي أن يستقبل نصاً حديثاً إلا إذا "غيرّ ما في نفسه"، وببساطة أكثر  أن لا يكون له موقف مسبق من النص·

 

(3)

 

إن مناهج التربية والتعليم في الوطن العربي مازالت تعتمد على التلقين في تلقي المعرفة، فتخلق أجيالاً خاملة لا تحب البحث، والاكتشاف ولا تسعى بنفسها إلى المعرفة، كما أنها ظلت إلى فترة قريبة جدا تستبعد الشعر الحديث والنظريات الحديثة، مما يؤدي إلى تكوين بيئة تقليدية، تفرز مستقبلاً فكرها وفنها وثقافتها·

 

(4)

 

الإنسان العربي محروم حتى من "الخيال"، وإذا تخيّل فإنه يستعير أخيلته من الآخرين أو ممن سبقه، ولذلك حين تطلب منه أن يتخيل ويصعّد خياله فكأنك تطلب منه أن يناضل من أجل حريته وما في ذلك من المخاطر، فهو يحجم عن هذه المغامرة المجهولة خوفاً ورهبة··· وهو قد يألف صورة قريبة إلى ذهنه كقولك: "بكت الغيمة" ويفهم منها أن المطر هطل، ولكن إذا قلت له "ركض الحجر" أو "بياض السؤال"، رأى في ذلك تخريفاً وكذباً، فهو قنع بالمرتبة التي وصل إليها في درجات الخيال، ولكنه ليس مستعداً لارتقاء درجات أعلى·

علينا أن نقنع هذا المتلقي أن "باب الاجتهاد" لا يقفل في الفن!

 

(5)

 

الإنسان العربي متناقض، إذ تراه يشتري أقمشة وستائر وألبسة ملونة بطريقة بعيدة كل البعد عن الواقع، فليس فيها أشكال واقعية ولا موضوعات معينة، وإنما هي ألوان وأشكال تجريدية أعجبته بصرياً وارتاح إليها فقبل بها· ولكن حين تضعه أمام لوحة تجريدية يشيح عنها ويزورّ، فهو يقبل التجريد في الموقف الأول ويرفضه في الثاني··· لأنه رسم لوحة مسبقة في ذهنه لا تشبه ما رأى، ولأنه يرى نفسه مطالباً بالتفسير أمام اللوحة وليس كذلك أمام الستارة أو الوسادة·

 

(6)

 

هناك فن يتطلب التفسير والشرح، وآخر يتطلب المتعة فقط، وآخر يتطلب الإحساس بالحالة، وآخر لا يحتاج إلى كل ذلك··· علينا أن ندخل إلى رحاب النص أو العمل الفني أولاً ثم ننتظر أسئلته·

المتلقي الحقيقي أمام النص يتقرأ أسراره، يتلمس مطره، يجسّ نبضه، يشمّ نكهته، ينظر إلى أعماقه، يمسك بلحظته، منعزلاً عن العالم الخارجي كراهب بوذي أمام طلاسمه يغسله الصمت ببياضه، وتضيء الشمس بين أصابعه··· المتلقي الحقيقي ينزف أمام النص·

طباعة  

أفق
 
الهم السابع
 
الشاعر الذي اكتشف عبوديته فقرر الانتقام لطفولته المضطهدة وبراءته النزيفة وعمره المقهور
 
إصدارات
 
أخبار ثقافية
 
القصة القصيرة في قطر والأدب المقارن في "عالم الفكر"
 
من يوقف هذا النزيف الذي يفرغ جسد الثقافة العربية من عناصره الحية؟
ثقافة المنفى إدانة صارخة للنظام السياسي العربي

 
قراءة في نصوص قصيرة مختارة لأحمد النبهان
 
قصيدة
 
نافذة
 
أجراس