رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 22-28 ربيع الآخر 1420هـ - 4-10 أغسطس 1999
العدد 1388

بقايا يوجوسلافيا(2 - 2)
من البوسنة إلى كوسوفو ومن الأساطير إلى الصواريخ

·  هناك كلمة واحدة أظن أن أصلها عربي، وهي الكلمة الوحيدة التي حفظها اليوجوسلاف من تجربتهم العثمانية - هذه الكلمة هي: "إيناد" - أصلها العربي "عناد" - وهي كلمة يمتلئ معناها ومدلولها بحمولات كثيرة: ضمنها معنى الصلابة والمقاومة، ومعنى الكبرياء إلى درجة المكابرة، ومعنى التمسك بالمواقف إلى درجة التفريط حتى في الحياة وتعريضها للقتل أو إعدادها للشهادة!

·   هناك كلمة واحدة أظن أن أصلها عربي، وهي الكلمة الوحيدة التي حفظها اليوجوسلاف من تجربتهم العثمانية - هذه الكلمة هي: "إيناد" - أصلها العربي "عناد" - وهي كلمة يمتلئ معناها ومدلولها بحمولات كثيرة: ضمنها معنى الصلابة والمقاومة، ومعنى الكبرياء إلى درجة المكابرة، ومعنى التمسك بالمواقف إلى درجة التفريط حتى في الحياة وتعريضها للقتل أو إعدادها للشهادة!

·  أحياناً أراقب ما يجرى في يوجوسلافيا وأكتشف: أن مراحل من التاريخ مازالت تتقاتل مع بعضها في الزمن الحاضر، وأن جثثاً خارجة من تحت الأرض تبحث عن سيوف لتسوية حسابات دم معلقة، وأن موتى يمسكون بخناق موتى!

·   فيتزروي ماكلين" "من لقاء المحارب الدبلوماسي القديم

·  يروي "ستيفانوبولوس" - المستشار الصحفي لـ "كلينتون" -  أنه عندما حاول تنسيق سياسة البيت الأبيض في يوجوسلافيا مع "ديك موريس" مدير الحملة الانتخابية للرئيس، قال له موريس:

"لا يهمني إذا كان الصرب بذبحون المسلمين أو لا يذبحونهم· إنني نصحته بأن يضرب "ميلوسوفيتش

" إلى أن تخرج مصارينه من بطنه - وحتى يبدو "بيل" أمام  الناس رئيساً قوياً"

  

محمد حسنين هيكل:

وسنة 1961، وبعد حصول "إيفو اندريتش" على جائزة "نوبل"، رُحت أقرأ القصة من ترجمة إنجليزية لها صدرت في لندن عن مؤسسة "جورج آلن وأنوين" -ـ طرحت في المكتبات سنة 1960·

تختلف قصة "جسر على نهر ادرينا" عن أية قصة غيرها - في الآداب العالمية - لأن بطل القصة ليس بشراً - رجلاً أو امرأة - وإنما البطل··· "جسر" وقع بناؤه على نهر ادرينا في القرن السادس عشر· ثم إن وقائع القصة ليست مشاعر وعواطف ومواقف وعقد -ـ وإنما الوقائع حركة تاريخية تحتشد تياراته، ودياناته، وثقافاته، وإمبراطورياته، وصراعاته، وجيوشه، على ضفتي نهر شاءت مقاديره أن تجعل منه خطأ فالقاً وفاصلاً بين عالمين أو بين عوالم كثيرة زاحفة نحوه من كل الاتجاهات، متلاقية عند النهر، في حالة مواجهة بالتاصدم على جانبي ضفافه، حتى كاد الدم المسفوح في مجرى النهر أن يكون أكثر من ماء الثلوج الذائبة فيه·

قصة بناء الجسر - وهذا واقع حال وليس خيال قصاص - تبدأ من الوزير العثماني الأكبر "محمد سوكلو"، وكان هذا الوزير قد ارتفع في البلاط العثماني إلى حد أن أصبح الحاكم المطلق في إستانبول· لكن "محمد سوكلو" كان في الأصل مملوكاً خطف في طفولته من البوسنة بواسطة جند السلطان العثماني· وكانت تلك هي الطريقة العثمانية في إعداد محاربين عن الخلافة وحُكام لولاياتها أحياناً· والحقيقة أن تلك الطريقة بدأت في عصور إسلامية سابقة (الدولة الأيوبية في مصر مثلاً)، وقد ترتبت عليها تلك الظاهرة الفريدة في التاريخ العربي والإسلامي القريب، وهي ظاهرة المماليك·

والحاصل أن ولايات الخلافة ومقاطعاتها كانت في حاجة إلى محاربين يكون ولاؤهم للسلطان، وحكام ينوبون عنه بتفويض منه، وإداريين يكون مرجعهم إليه، ولذلك فليس هناك ما هو أفضل من المرتزقة (إذا جاز التعبير)·

أطفال من سلالات بشرية قوية، يخطفون بالقوة من آبائهم وأمهاتهم، ثم يؤخذون إلى عواصم الملك الإسلامي حيث تكون، وهناك تجرى تربيتهم إسلامياً وعسكرياً - ثم يكون صباهم الولاء للسلطان - ثم يكون شبابهم فنون الحرب والقتال - ثم يكون عملهم الجزية وجمع الضرائب، والتمكين لسلطة الخليفة·

وكانت مناطق يوجوسلافيا، وفوقها أرض السلاف كلها، وبالقرب منها مناطق القوقاز، وعدد من نواحي أوكرانيا وحتى أطراف ألمانيا - ميادين مفتوحة لخطف الأطفال الذكور تعود بهم القوافل إلى العواصم، وهناك يكون في انتظارهم مصير هو أفضل يقيناً مما كان ينتظرهم مع عائلاتهم (بصرف النظر عن قساوة التجربة إنسانياً)·

(في مصر والشام عموماً استمرت ظاهرة المماليك منشئة لدول وإمبراطوريات حكمت لعشرات السنين· وكان كثيرون من هؤلاء المماليك - خصوصاً في مصر - بالفعل من يوجوسلافيا، وبالذات من البوسنة!)·

كان الوزير الخطير في عاصمة الخلافة سنة 1565، وهو "محمد سوكلو" (باشا)، قد عاش تجربة الخطف طفلاً والتأسلم والعليم صبياً، وفنون الحرب والإدارة شاباً، ثم أصبح أقوى رجل في دولة الخلافة - لكنه لم يستطع نسيان تجربته، خصوصاً ذلك الجزء من الرحلة الذي دار على "ضفاف نهر الدرينا" حيث الأخطار متربصة بالقوافل الإنسانية الخائفة، والسياط تهوى على الظهور تدفع طوابير الأطفال المخطوفين إلى مواصلة السير حفاة على أحجار مدببة مثل الزجاج، والبرد قارس خصوصاً في الليل، والظلام هو الموعد المرسوم عادة لعبور النهر بوسائل بدائية وخطرة· وقد كاد الطفل (الذي أصبح وزيراً وصدراً أعظم فيما بعد) أن يغرق، وكانت قدماه تتركان أثرهما دامياً على قطع الحجر الذي يفرش ضفاف النهر ومجراه، وكله من "البازلت" المدبب على ضفاف النهر·

إن المملوك، الوزير الخطير فيما بعد، لم ينس تجربة الطفل المخطوف الأسير، وهكذا فإنه قرر أن يكون أحد المشروعات الكبرى التي يخلد بها ذكره هو بناء جسر على نهر ادرينا يفتح الطريق إلى الضفة الأخرى ووراءها الجبال والسهول البعيدة، بحيث يسهل تدفق طوابير المماليك الجدد للخدمة في دولة الخلافة ورعاية مصالحها حرباً وسلماً، قتالاً وجباية - ثم بحيث يصل هؤلاء المماليك الجدد إلى نهاية رحلتهم دون أن يموت نصفهم بالقتل أو بالغرق بسبب أهوال الطريق، وخصوصاً عند عبور نهر ادرينا·

لكن المشكلة الكبرى كانت أولاً في بناء الجسر لأن الأهالي على الضفة الأخرى لم يكن بين همومهم أن يجعلوا خطف أولادهم، ومعظمهم من المسيحيين في ذلك الوقت (كاثوليك وأرثوذكس) - سهلاً بالنسبة للدولة العثمانية التي كانت هويتها ملتبسة بين: الدولة والدين - وهل هي مصلحة آل "عثمان"، أو هو مجد الإسلام!

وكانت المشكلة الثانية بعد بناء الجسر تتركز في كيفية إحكام الرقابة عليه بحيث يسمح بالمرور الآمن لقوافل الأطفال المخطوفين، ولكن دون أن يسمح بذلك لطوفان التاريخ وإلا فهي الفوضى·

وربما إن الوزير الخطير "محمد سوكلو" كان هو نفسه نموذجاً لفوضى التاريخ·

هو صبي مخطوف من البوسينة، وقد ولد مسيحياً، وكان اسم عائلته - وهو الذي اكتشفه بنفوذه فيما بعد - هو "سكولوفيتش"، وهو اسم "صربي" لا شك في صربيته·

لكن تناقضات التاريخ تتجلى - بطريقة درامية - في تصرفات "محمد سوكلو" وزير السلطان الذي يعود إلى الاتصال بعائلته، ثم يستخدم نفوذه في دولة الخلافة الإسلامية حتى يصل شقيقه ويصبح الأسقف الأكبر للكنيسة الأرثوذكسية في صربيا·

ويكون المشهد غريباً: أخ مخطوف مملوك مسلم يصبح رأس السلطة في دولة الخلافة العثمانية·

وشقيقه الثاني الذي لم يؤسر ولم يتأسلم، تساعده سلطة وثروة إسلامية لكي يصبح رأس السلطة الدينية في الكنيسة الأرثوذكسية الصربية·

إن قصة "الجسر على نهر ادرينا" في النهاية صورة مأساوية ودامية لمسرح تاريخي فريد:

بعد موجات الهجرة السلافية الأولى إلى الجنوب ظهر رؤساء القبائل، وتحول الرعاة بالاستقرار على الأرض إلى أمراء إقطاعيات·

ثم تدخل صراع الإمبراطوريات والأديان· روما تزحف من الغرب وتتوقف جيوشها الرومانية وكنيستها الكاثوليكية على الضفة الغربية لنهر ادرينا· ثم يجيء الدور لزحف الإمبراطورية الرومانية الشرفية (بيزنطة) ومعها كنيستها الأرثوذكسية، ومرة أخرى يكون التوقف عند الضفة الشرقية من نهر ادرينا·

كانت ضفاف نهر ادرينا هي النقطة التي تتقطع عندها أنفاس الزاحفين يحملون سيوفهم وصلبانهم من هذه الناحية أو تلك!

وفي فرصة صراع الإمبراطوريات والعقائد تحول أمراء الإقطاع - الذين كانوا في الأصل زعماء قبائل - إلى ملوك محليين·

ثم تغيرت الأحوال في بيزنطة بعد سقوط إستنابول أمام جيوش "محمد الفاتح"، وبدأ الزحف العثماني الإسلامي داخلاً من ألبانيا إلى كوسوفو، ومنها إلى بقية مناطق يوجوسلافيا·

(وهنا أهمية "كوسوفو" (ومعناها "سهل الطيور السوداء") - فقد كانت (في عصر السلطان "مراد") - المدخل الإمبراطوري عثمانياً، والمدخل الإسلامي دينياً، وعلى ترابها دارت المعركة الحاسمة التي سقط فيها البطل الذي تعترف به كل شعوب يوجوسلافيا وهو الأمير (القديس) "لازار"· ولأن كوسوفو كانت المدخل إلى أرض السلاف الجنوبيين فإن الجيوش العثمانية التي اقتحمها جاءت معها من ألبانيا بمؤخرة إنسانية ألبانية كبيرة، سارت وراء الجيوش لخدمتها في البداية ثم توطئت في كوسوفو حتى بعد أن تراجت الجيوش العثمانية وتغيرت ألوان الخرائط في المنطقة)·

كان الزحف العثماني الإسلامي في بدايته غلاباً، وقد وصلت طلائعه - جيشاً وعقيدة إلى بلجراء عاصمة مملكة الصرب نفسها·

وكان الأمل في وقف الزحف العثماني الإسلامي (؟) - قد أصبح مروهوناً بعائلة "هابسبورج" وهي أحد أبرز ورثة إمبراطورية "شارلمان" (الإمبراطورية المسيحية المقدسة)·

في الفصل الخامس من قصة "إيف اندريتش" تظهر خيبة الأمل "السلافية" في حلم التحرير الذي جاءهم من الغرب من ألوية جيوش الـ "هابسبورج"·

يفرح كل الناس في البداية لإعلان هذه الجيوش إلى سلاف الجنوب (والإعلان نص تاريخي موثق)· ومن الغريب أن الإعلان كان مكتوباً باللغة الركية، وعندما تلى هذا الإعلان على موقع قريب من ذلك الجسر على نهر الدرينا كانت بدايته الحماسية:

"ياأهل البوسنة والهرسك

إن جيش إمبراطور النمسا وملك المجر قد عبر حدود بلادكم لا ليستعبدكم كما فعل عدوكم التريكي المسلم، لكنه جاء بجيوشه إليكم محرراً وحامياً لأرضكم ولعقائدكم"·

ويجيء الفصل الثامن من قصة "الجسر على نهر ادرينا" وقد تغيرت الصورة واكتشف السلاف الجنوبيون أن إمبراطور النمسا وملك المجر ملك مثل كل الملوك وإمبراطور آخر يسعى لتوسيع ملكه ولإعلاء نفوذه ولإبقاء مجده مذكوراً إلى الأبد لو أمكن·

وتتردد في البوسنة والهرسك أصداء أغنية حزينة:

"في البوسنة والهرسك··· كل أم حزينة ثكلى

تبكي بدموع حارة

تسأل نفسها طول الوقت: لماذا؟

لماذا أرسلت ابني ليخدم تحت راية الإمبراطور؟"·

وباختصار فإن الإمبراطور المحرر المنقذ جاء فاتحاً غازياً، كلنه لثلاثمئة سنة فرض حكم أسرة "هابسبورج" وثقافتهم وتقاليد بلاطهم على الأجزاء التي وصل إليها سلاحه من يوجوسلافيا·

كما بدأ الأتراك يبشرون بالدعوة للإسلام· ثم يفرضونه بالسيف سبيلاً لعقيدة تضمن استمرار الولاء - كذلك فعل إمبراطور النمسا مع المسلمين فقد راح يعيدهم إلى المسيحية - لكنها الكاثوليكية هذه المرة وليست الأرثوذكسية، وكانت البداية بالتبشير، ثم ترك التبشير كتابه وأمسك سلاحه، فقد كان هدفه الأساسي هو ضمان استمرار الولاء·

ولم تنس أسرة "هابسبورج" بالطبع - وذلك ظاهر في فصول قصة "جسر على نهر ادرينا" - أن تصنع من قبائل السلاف، ومن رؤسائهم وملوكهم المحليين، أرستقراطية واسعة (أضفى عليها الإبمراطور ألقابه من الـ "دوق" إلى الـ "كونت" إلى الـ "ماركيز"··· إلى آخره) - وقد أصبح مقصد هذه الأرستقراطية قصور فيينا، وأصبح سعيها السياسي هناك، وكذلك ثقافتها، وأصبح موسيقاها ألحان "هايدن" و"موزار"، وأصبحت حياتها كل يوم محاكاة للبلاط الإمبراطوري·

وعلى امتداد صفحات القصة تظهر خطوطها الدرامية متواصلة من أول صفجة حتى آخر صفحة:

- أرض عبر قرون من التاريخ، ومن الشرق إلى الغرب، ومن الشمال إلي الجنوب - مستباحة·

- ووطنيات متعارضة، وكلها مقهورة·

- وديانات اختارت كل منها أن تتراجع متربصة في انتظار يوم ما: مسيحية مجروحة وممزقة بين كنيستين، وإسلام مطارد مخنوق في قارة لا تريده على أرضها، ويهودية مختبئة في حجر·

إنني عُدت إلى قراءة قصة "جسر على نهر ادرينا" مرة أخرى في نهاية التسعينات، وبناء علي نصيحة جُندي رحالة، ودبلوماسي عسكري ذائع الصيت هو "فيتز روي ماكلين"، وهو صاحب كتاب يعتبر من المراجع الأساسية في الصراع على البلقان ضمن صراعات الحرب العالمية الثانية، والكتاب هو Eastern Approaches ، ويمكن ترجمته بـ "مُقتربات شرقية" أو "مداخل شرقية"·

وكنت قد سمعت كثيراً عن الرجل وشخصيته، وقرأت كتابه وأعجبت به، لكني لم يخطر ببالي أن أقابله· فقد قارب الرجل التسعين من عمره، وظننت أن الزمن - ربما - مشي بالنسيان على ذاكرته·

ثم كنت ضيف عشاء على واحد من أقرب الأصدقاء وهو "أندرو نايت" رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير العام لمجموعة صحف الـ "تلجراف"، واليد اليُمنى لصاحب المجموعة وهو "كونراد بلاك" - أحد أبرز بارونات الصحافة في العصر الحديث·

كان عشاؤنا في بيت "أندرو" على قمة "هامستيد" المشرفة من مرتفع على أضواء لندن من طرفها الشرقي الجنوبي·

واتصل بي "أندرو" يقول لي: هل تعرف من دعوت معنا على العشاء الليلة"؟

وأسعدني أن الضيف كان "فيتزروي ماكلين" ومعه زوجته - وعرفت أنهما في الغد ذاهبان إلى رحلة استكشاف لقمة أحد الجبال في جورجيا!

وكنا ستة على مائدة العشاء تلك الليلة في غرفة الطعام في بيت "أندرو نايت"، وهي مائدة من البللور الشفاف:

مضيفنا - "أندرو نايت" - وزوجته في ذلك الوقت: "البيجوم صبيحة"، وهي باكستانية ترتبط علي نحو ما بعائلة "بوتو"·

و"فيتز روي ماكلين" وزوجته، وهي رحالة إنجليزية أصغر منه ربما بأربعين سنة·

ثم نحن·

بدأ العشاء في السابعة مساء، وقد طلبته "صبيحة" مبكراً لأن "فيتز" سوف يغادر لندن في الفجر بالطائرة، ولابد أن ينام مبكراً - قبل العاشرة على أي حال· ولكننا بقينا في أماكننا لم ننتقل من غرفة الطعام إلى خارجها حتى تجاوزت الساعة منتصف الليل·

كان "أندرو نايت" يعرف أن ما يجرى في يوجوسلافيا راح يشغلني بطريقة مكثفة، وهكذا فإنه بالكفاءة الواثقة بنفسها لدى جبل جديد من رؤساء التحرير في الغرب - يظهرون الآن ويبرزون بالذات في الصحافة البريطانية والأمريكية - راح يوجه الحديث إلى تجربة "فيتز روي ماكلين" في يوجوسلافيا· وبدأ الرحالة الدبلوماسي العسكري يعود إلى مغامرات شبابه ويحكي:

"كان في القاهرة ضمن قيادة الشرق الأوسط سنة 1943، والقاهرة وقتها هي العاصمة الشرقية لإدارة الحرب، بينما لندن هي العاصمة الغربية - ثم تلقى "فيتز روي ماكلين" رسالة من لندن بأن يركب أول طائرة إليها لأن رئيس الوزراء "ونستون تشرشل" يريد أن يراه وفي ذهنه أن يعهد إليه بمهمة سرية يعرف من تجارب سابقة مباشرة - أن "فيتز" هو رجلها المناسب·

كان موعده مع "تشرشل" لقضاء عطلة آخر الأسبوع في البيت الريفي المخصص لرئيس والوزراء في "تشيكرز"، وهناك وجد "فيتز" جمعاً من الساسة والقواد (يذكر بينهم الجنرال "آلان بروك" - رئيس أركان حرب الإمبراطورية ومهندس استراتيجية الحلفاء في الحرب كلها) - وقد دعاهم "الرجل الكبير" - "تشرشل" - ليرى كلا منهم بضع دقائق يوجهه فيها لتكليف معين·

وعندما جاء الدور على "ماكلين" وجد أن "تشرشل" يطلب منه أن يذهب في مهمة سرية إلى زعيم المقاومة الشيوعية في يوجوسلافيا - وهو رجل يقال إن اسمه "تيتو"؟

وذكر "تشرشل" أثناء كلامه أنه "قرأ تقارير كثيرة للمخابرات تضاربت الأقوال أثناءها حتى في شأن اسم "تيتو": بعض التقارير يزعم أنه اسم حركي لرجل، وبعضها يصر على أنه اسم مستعار لامرأة، وهناك بعض ثالث من التقارير يقطع أن اسم "تيتو" هو مجموعة من الحروف الأولى لكلمات اسم جمعية ثورية إرهابية···"·

ثم يقول له ستشرشل:

"لكنه يبدو منها في النهاية أن تلك كلها كانت تقارير مصدرها المعسكر الملكي في يوجوسلافيا، وبديهي أنهم لا يريدون للحلفاء أن يتصلوا بالمقاومة الشيوعية"·

ويستطرد "تشرشل" - طبقاً لرواية "فيتز روي ماكلين" ونحن بعد جالسون علي ضوء الشموع حول مائدة العشاء في بيت "أندرو نايت":

"ليكن أن "تيتو" يقود مقاومة شيوعية·

ذلك لا يهمني الآن· أنا أريد مقاومة فعالة ضد "هتلر"، وأما مسألة الشيوعية فقضية مؤجلة وحساباتها فيما بعد"·

ثم يقول "تشرشل" لـ "فيتز":

"معلوماتنا أن نظام "موسوليني" في  إيطاليا على وشك أن ينهار، وهذا معناه أن الشاطئ الأدرياتيكي الغربي سوف يتحرر من النازية، والآن نريد تحريك الأمور على الناحية الأخرى من الأدرياتكي - علي الناحية اليوجوسلافية·

"تيتو" طبقاً لمعلومات جديدة ومؤكدة عنه من رئاسة الأركان الإمبراطورية - يحشد جيوشاً من المقاتلين في جبال كرواتيا، وله خط مواصلات على البحر في مكان ما بالقرب من ميناء "سبليت" - وأريدك أن تأخذ معك ثلاثة أو أربعة من الضباط وأن تهبطوا بالبارشوت ليلاً على مواقعهم، ثم تتولون من هناك تنسيق جهودهم مع الجهد الحربي العام للحلفاء"·

كان هذا ما حدث، وما سمعت تفاصيله آسرة وأخاذة في رواية "فيتز ري ماكلين"·

ليلتها تحدث "ماكلين" طويلاً عن شخصية "تيتو" وكيف تأثر بها· وروي كيف أنه رتب مدداً من السلاح ووسائل للإتصال لقوات "تيتو"، ثم كيف أنه جهز له مقر قيادة في جزيرة شبه مهجورة في الادرياتيكي، لأن ملاحقة الألمان لمقر قيادته كانت تجعل إنتظام إدارته للحرب معرضة لإنقطاعات يستوجبها تغيير المقار وسط الجبال·

ثم روي لنا "ماكلين" أنه "ذات يوم تلقى رسالة بأن "تيتو" اختفى من الجزيرة، وتلقى رسائل من لندن بينها رسالة من "تشرشل" يسأله: "أين تيتو"؟

بعد أيام من القلق ظهر أن "تيتو" سافر سراً إلى موسكو ليقابل "ستالين" بقصد استكشاف مستقبل الأوضاع في البلقان بعد الحرب، وكان واضحاً مبكراً أن النفوذ السوفيتي سوف يكون طاغياً في المنطقة بحكم حركة تقدم الجيوش المتحالفة في ميادين الحرب المتعددة الجهات ضد "هتلر"·

وذهب "فيتز" بتعليمات من "تشرشل" ليسأل "تيتو": كيف ذهب للقاء "ستالين" دون إخطار حلفائه؟"!

ورد عليه "تيتو": "إن ستشرشل" لم يخطرني عندما ذهب للقاء سري مع "روزفلت" في كويبيك (كندا)"·

في نهاية سهرة ممتعة ف يالتاريخ، والحرب، والسياسة، قال لنا "فيتز روي ماكلين":

"إن "تيتو" كان أول زعيم في الكتلة الشرقية يتحدى "ستالين"، ويقف أمام الاتحاد السوفيتي معتقداً بوجود طريق يوجوسلافي إلى الشيوعية لا يمر بالضرورة عبر موسكو·

وكان "ستالين" يريد أن يوجه لـ "تيتو" ضربة قاصمة·

لكن "تيتو" بتوازن مع الغرب دقيق جعل مطلب "ستالين" مخاطرة لابد من  حسابها·

لكن الملاحظ أن يوجوسلافيا - وهي البلد الشيوعي الذي كان الأقرب إلى واشنطن والأبعد من موسكو - هي الآن البلد الذي يبدو وكأنه على طريق حرب مع واشنطن!

"أليس ذلك غريباً؟ كل تلك التغييرات··· كل تلك المفاجآت؟"·

كنا نستعد لمغادرة غرفة الطعام في بيت "أندرو نايت" فوق مرتفعات "هامستيد"·

وقال "فيتز روي ماكلين" وهو يستعد للقيام من مقعده:

"كلنه ليس غريباً إلى هذا الحد لو درسنا يوجوسلافيا بما فيه الكفاية"·

ثم يقول "ماكلين" ونحن ننهض من مقاعدنا وقد سمعت دقات منتصف الليل:

"هناك كلمة واحدة أظن أن أصلها عربي، وهي الكلمة الوحيدة التي حفظها اليوجوسلاف من تجربتهم العثمانية - هذه الكلمة هي: "إيناد" - أصلها العربي "عناد" - وهي كلمة يمتلئ معناها ومدلولها بحمولات كثيرة: ضمنها معنى الصلابة والمقاومة، ومعنى الكبرياء إلى درجة المكابرة، ومعنى التمسك بالمواقف إلى درجة التفريط حتى في الحياة وتعريضها للقتل أو إعدادها للشهادة!

بعد كلمة "عناد" - وهي مفتاح الشخصية اليوجوسلافية - فإن هناك مفتاحاً آخر لفهم التاريخ اليوجوسلافي وهو قصة "جسر على ادرينا" التي كتبها "إيفو أندريتش"·

وإذا قرأتها فسوف تكتشف أن المشهد الذي تراه الآن في يوجوسلافيا - مع غرابته - تداع طبيعي، حي ومستمر، للتاريخ ماضٍ لايزال حيا·

 كان علينا بعد ذلك أن نأخذ "فيتز روي"، وزوجته إلى بيتهما في "هولاند بارك" - وكان بيتهما على طريقنا من "هامستيد" إلى فندقنا في قلب لندن!

والحقيقة أنه كان لدي أكثر من سبب إضافي "لتوصيل" "فيتز": بينها أنه عرض أن يقدم لي سنخة موقعة من كتابه "مداخل شرقية" وهي موجودة في بيته، وبين الأسباب أيضاً أن "فيتز" كان مازال يتكلم·

وفي السيارة في طريقنا إلى "هولاند بارك" كان المحارب الرحالة الدبلوماسي العسكري القديم يواصل حديثه وفي ألفاظه اصداء ملحمة:

"بعض الجراح التاريخية تشفى ويتبقى منها ندوب تشير إلى آثار قطع في الجلد·

وبعض الجراح تلتئم فقط، ولكن أوجاعها تظل تحت السطح·

وبعض الجراح ينزف ويواصل النزيف رغم السنين - وكذلك جراح يوجوسلافيا·

أحيانا أراقب ما يجرى في يوجوسلافيا واكتشف: أن مراحل من التاريخ مازالت تتقاتل مع بعضها في الزمن الحاضر، وأن قبوراً تتشاتم من بعيد مع قبور مجاورة، وأن جثثاً خارجة من تحت الأرض تبحث عن سيوف لتسوية حسابات دم معلقة، وأن موتى يمسكون بخناق موتى"!

("شيء في يوجوسلافيا ومشاكلها يجعل الناس دائماً يلجأون - في الحديث عنها - إلى الصور الدرامية ونواح الندابات كما في المآسي الإغريقية···" - كذلك قلت لنفسي!)

4 - ··· والسلاح الذي طاح في أطرافها بالقتل - دون خطة وبغير عقل

عندما وقع السقوط الكبير للاتحد السوفيتي في بداية التسعينات، لم ينفرط عقد هذه الإمبراطورية التي بناها "لينين" و"ستالين" فحسب - وإنما تداعت آثار السقوط ووصلت توابع زلزاله إلى أوروبا الشرقية القريبة منه - بل ووصلت إلى عوالم وآفاق أبعد، فلم تكن الإمبراطورية السوفيتية إحدى القوتين الأعظم - بلا جدال - في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية فقط - وإنما كانت الإمبراطورية السوفيتية في نفس الوقت عقيدة عظمى لها من جاذبية الفكرة مثل ما لها من بطش السلاح·

وفي أعقاب السقوط الكبير - فإن انفراط الاتحاد السوفيتي من دولة واحدة إلى خمس عشرة دولة - كان مشكلة صعبة لكنها قابلة للتصرف - ولو مؤقتاً - لأن القوميات التي اختارت أن تقرر مصيرها بحرية كانت وفي معظم الأحيان - وإن لم تكن كلها - ماتزال على أرضها، ومع أن التداخل الإنساني بين القوميات في إطار الدولة الواحدة قد جرى تشجيعه سياسياً بقصد تحقيق قدر من التماثل والتجانس في توزيع سكان الاتحاد السوفيتي ــ فإن ما كان مطلوبا سياسيا لم يكن بالضرورة مقبولاً طوعيا خصوصاً في بلاد طال فيها وتعمق ارتباط الإنسان بأرضه·

وفي دول كثيرة متعددة القوميات في أوروبا الشرقية كان الإنفراط - الذي أعقب السقوط - مشكلة صعبة، لكنها - أيضاً ــ مشكلة لها حل· ففي تشيكوسلوفاكيا - مثلاً - تم - وبأسلوب كأنه جراحة في غرفة عمليات معقمة ومجهزة بالمشارط والمقصات - تقسيم تشيكوسلوفاكيا إلى دولتين: دولة "التشيك" ودولة "سلوفاكيا"، واستراحت القوميات المتعارضة من أعباء دولة فرضتها عليها المطالب الدولية التي كانت مهتمة بتوازن القوى شرقي القارة الأوروبية أكثر مما كانت مهتمة بحقوق القوميات كأساس للوحدة السياسية للدول·

كانت هذه الجراحات الجغرافية السياسية الإنسانية مشاكل صعبة لكنها بدت - كما سلف - قابلة للحل - لكنه في يوجوسلافيا - أكثر من غيرها - بدت الحلول مستحيلة·

لم تكن القوميات اليوجوسلافية الخمسة - وفق حساب "تيتو" - وهي القومية السلوفينية، والقومية الكرواتية، والقومية الصربية، والقومية المقدونية، وقومية مونت نجرو - موجودة داخل خطوط محددة يمكن تثبيتها لتكون الحدود السياسية المقررة لدول جديدة، وإنما كانت أحوال التاريخ اليوجوسلافي وضروراتها قد أحدثت بالصد وبالإزاحة وبالتجنيب أوضاعاً من الجوار والتشابك والالتصاق فرضت نفسها على الكل قسراً، ثم إن تحقيق الفصل بينها الآن يحتاج إلى "ساطور جزار" أكثر من حاجته إلى "مشرط جراح" باستثناء بعض المواقع التي كانت حركة التاريخ فوقها مستقرة بشكل ما، كما هو الحال في جمهورية سلوفينيا وهي المجاورة للنمسا والقريبة من حوض الثقافة الألمانية والتي استقر فيها حكم أسرة "هابسبورج" قروناً متواصلة أدت إلى تحديد شخصية ظاهرة المعالم لإمكانية دولة مستقلة - بأقل التكاليف·

لم يكن الحال كذلك مثلاً في "سراييفو" عاصمة البوسنة - التي أصبحت لها إدارة محلية مشتركة بين ثلاث جماعات طائفية أو عرقية: المسلمين السلاف "البوشناق" المسيحيين السلاف الصرب (الأرثوذكس) - والمسيحيين السلاف الكروات (الكاثوليك)·

يكن الحال كذلك أيضاً في "كوسوفو"، فقد كان هناك المسيحيون السلاف من الصرب الأرثوذكس، ثم كان هناك المسلمون الألبان الذين دخلوا من بلادهم مع جيوش العمثانيين التي اتخذت من "كوسوفو" قاعدة لزحفها نحو القلب السلافي·

وهكذا فقد أصبحت "كوسوفو" أرضاً يوجوسلافية هرب أو تراجع حزء كبير من أهلها الصرب المسيحيين أثناء قتالهم مع العثمانيين، ثم حلت محلهم كتلة بشرية ألبانية ومسلمة، والأصول العرقية لهذه الكتلة الألبانية ليست سلافية مثل بقية يوجوسلافيا، لكنها تركية وقوقازية· وكانت بؤرة الخطر أن هؤلاء الألبان عاشوا في "كوسوفو" سنين طويلة، فإذا أرادوا الحق في تقرير مصيرهم فإن انسلاخهم من أرض السلاف الجنوبيين مؤكد، ولأن مساحة المنطقة محدودة وعدد الناس فيها قليل (مابين 3 - 2 ملايين نسمة) - إذن فإن النتيحة الحتمية إذا أخذت الدعاوى مداها - هي التحاق "كوسوفو" بألبانيا، وهكذا يحل مشروع "ألبانيا الكبرى" محل مشروع "صربيا الكبرى" - ودون ذلك أهوال!

وهكذا فإنه مع بداية التسعينات كانت المدافع والبنادق وألسنة اللهب هي لغة الحوار من أجل تقرير المصير في يوجوسلافيا كلها (ماعدا "سلوفينيا" بالتحديد!)·

في ذلك الوقت وحتى سنة 1992 - كان الرئيس "جورج بوش" سيد البيت الأبيض، وكان وزير خارجيته هو صديقه الحميم من تكساس - "جيمس بيكر"·

وكان كلاهما - ومعهما عشرات أو مئات المساعدين والمستشارين في الشؤون الدولية - يراقبون السقوط السوفيتي الكبير وتوابع زلزاله في أوروبا الشرقية·

وكما يبدو من كل الشواهد والقرائن فإن التفكير في البيت الأبيض وقتها جرى على النحو التالي:

1 - إن سقوط الاتحاد السوفيتي فرصة أتيحت للولايات المتحدة أخيراً تفرض سلطتها وتدير أمور العالم كما يناسبها، لأن القوة النووية الوحيدة التي كانت قادرة علي تحديها تهاوت وتحولت إلى أنقاض·

2 - إن التحدي الذي يواجه الولايات المتحدة في مستقبل منظور يتمثل في صعود أوروبي وآسيوي (وهو في  الحالتين اقتصادي حتى هذه اللحظة، لكن القاعدة أن كل قوة اقتصادية لابد لها من تعبير سياسي يناسبها)· والصعود الأوروبي يتمثل بالدرجة الأولى في ألمانيا الموحدة في قلب أوروبا، كما أن الصعود الآسيوي يتمثل بالدرجة الأولى في النمو الياباني المتواصل على حافة آسيا، ثم في الصين التي تتحقق فيها نبوءة "نابليون الأول": إن العالم سوف يترجف ذات يوم إذا استيقظ العملاق الأصفر النائم في آسيا"·

3 - إن كلا من ألمانيا الموحدة واليابان استطاعت بلوغ الدرجة التي صعدت إليها لأنها استفادت من حماية مظلة القوة الأمريكية - أي أن أمن الاثنتين لم تقع تكاليفه على أصحابه وإنما وقعت على الولايات المتحدة - وقد آن للذين تهربوا من تكاليف أمنهم أن يدفعوا المستحق عليهم·

4 - لكن الولايات المتحدة لا تريد أن يكون دفع المستحقات المتأخرة على ألمانيا واليابان عن طريق قيام البلدين ببناء قوة عسكرية ضخمة تشتمل  بالضرورة على ترسانة نووية خطرة - وإنما يمكن للبلدين دفع المستحقات عليهما بأدوار يتكفل بها كل واحد منهما في منطقة جواره·

بمعنى مباشر:

- أوروبا - وألمانيا في وسطها - عليها أن تتكفل بسمؤولية ضبط الأمور والمساعدة بكل الوسائل على تدبير الأحوال في أوروبا الشرقية السابقة (بما في ذلك يوجوسلافيا)·

- ثم إن اليابان كجزيرة حاكمة على طرف القارة الآسيوية - عليها أن تتأكد من أن الصين في مكانها لا تتجاوزه بدور يمنحها السيطرة على جنوب شرق آسيا (وهو إلى حد كبير حوض للحضارة الصينية جاهز للنفوذ الصيني)·

وبدون كل المساحيق الدبلوماسية - فإن الولايات المتحدة على هذا النحو كانت تقصد إلى إشغال أوروبا - وربما إثقالها - بمهمة باهظة التكاليف - وفي الغالب مستحيلة - على جبهة أوروبا الشرقية· كما أنها كانت تقصد إلى إلهاء اليابان - وربما توريطها - بمهمة خطرة إزاء الصين·

إن ألمانيا لم تكن - فيما ظهر مستعدة لما رسمته لها الولايات المتحدة، بل رسمت لنفسها، إلى حد الخروج على الاجماع الأوروبي والاعتراف باستقلال "سولفينيا" رغم احتجاجات واشنطن·

ثم إن اليابان - كذلك تبين -  رسمت لنفهسا سياسة اقتراب من الصين وليس سياسة تناقض معها، وأول الدواعي أن احتمالات السوق وفرص الاستثمار في الصين مهولة·

(وهكذا لم تنجح سياسة توريط أوروبا الغربية في أوروبا الشرقية، ولا سياسة ضرب الصين باليابان - ثم تخلو القمة الدولية للولايات المتحدة وحدها··· الآن ومستقبلاً - وربما إلى الأبد المنظور)·

وكانت سنة 1992 سنة انتخابات الرئاسة في الولايات المتحدة، وبطبيعة الأمور فقد دخلت السياسة الخارجية لتكون موقعة من أهم مواقع المعركة الانتخابية·

ولأن أصداء المدافع والبنادق، كما أن صور بقع الدم ولهب الحريق مما كان جارياً في يوجوسلافيا، راحت تصل إلى واشنطن بالسمع والنظر ملحة على الصفحات المكتوبة وعلى الصور الملونة -ـ فإن يوجوسلافيا أصبحت موضوعاً مهما في الحملة الانتخابية·

ولقد بدأ "كلينتون" الطامح للرئاسة وقتئذ في استغلال ما يجرى على الأرض اليوجوسلافية لإظهار عجز إدارة "بوش" عن احتواء مأساة سياسية وإنسانية فادحة، وكانت التهم المحددة التي يوجهها "كلينتون" إلى "بوش" هي نقص الخيال السياسي - ونقص الحساسية للمآسي الإنسانية - والتخلي عن الدور القيادي للولايات المتحدة الأمريكية في وقت تحققت لها فيه السيادة على العالم - حتى أنها تركت شرق أوروبا بما فيه يوجوسلافيا لمحاولات أوروبية قاصرة، ولأمم متحدة عاجزة!

وكان "بوش" يرد على "كلينتون" بأنه قليل الخبرة بالسياسة الخارجية··· رجل قضى نصف شبابه يهرب من الخدمة العسكرية في فيتنام، ثم قضى النصف الآخر من هذا الشباب سياسياً ريفياً يطمح إلي أن يكون حاكما في ولاية  "أركنساس"، وتلك حدود معلوماته عن العالم وصراعاته الكبرى!

لكن "كلينتون" - للحق وهذه شهادة له - كان يستند في معارضته لسياسة "بوش" إلى اعتبارات أخرى مضافة إلى رغبته في التشهير بعجز منافسه الذي كان يملك ميزة كبرى عليه هي: وجوده فعلاً في البيت الأبيض - وقيادته فعلاً لمعركة في الخليج سنة 1991 - وهي معركة بدأت باهرة في نتائجها دون تضحية تقريباً على الشعب الأمريكي: فالتكاليف في الدم قليلة - والتكاليف في المال  دفعها آخرون وزادوا عليها بحيث أصبحت الحرب - لأول مرة في التاريخ - ربحاً أكيداً وصافياً يصل إلى مئات من بلايين الدولارات، سواء بسبب الفائض من اعتمادات الحرب، أو - وهذا هو الأهم - من رزم عقود السلاح التي أبرمت مع دول المنطقة لبيع معجزات التكنولوجيا الجديدة التي كسبت حرب الخليج وتستطيع وحدها بلمسة على زر أن تربح كل الحروب!

والحاصل أن "كلينتون" أضاف إلى معارضته لسياسة "بوش" - مهمة البحث عن بدائل استراتيجية للدور الأمريكي في عالم جديد - وقد أوكل هذه المهمة لمجموعة بحث أو لمجموعات بحث بعضها تابع لحملته الانتخابية أو تابع لمعاهد ومراكز استراتيجية متخصصة· وكان طلبه هو: تصور جديد لممارسة استراتيجية أمريكية عظمى Gran dStrategy في عصور متغيرة·

وعندما فاز "كلينتون" في انتخابات الرئاسة سنة 1992 وأصبح رئيساً للولايات المتحدة، ودخل بطاقم إدارته الجديد إلى البيت الأبيض، وخطا إلى المكتب البيضاوي ليجلس على الكرسي الأعلى في السياسة العالمية - كان طبيعياً أن يفتح -ـ أول ما يفتح -ـ ملفات الاستراتيجية العظمى الجديدة التي أُعدت له والتي اعتمدها سياسة لإدارته·

كانت سياسة "كلينتون" الجديدة سياسة هجومية - بديلاً عن سياسة "بوش" التي اعتبرها الرئيس الجديد سياسة دفاعية···

بمعنى أوضح فإن الولايات المتحدة لا تحتاج في عالم جديد تريده - إلى أوروبا غربية تغرق في وحول أوروبا الشرقية، ولا إلى يابان تتوه في مجاهل الصين -ـ وإنما تحتاج الولايات المتحدة أن تقود، وأن تقود في قلب العالم ومن هذا القلب - وأداتها في القيادة موجودة، ومكانها في مقدمة هذه الأداة معترف به: على رأس حلف الأطلنطي·

(إن الأمم المتحدة تصلح خلفية للمراسيم الاحتفالية، ولكنها تعجز أن تكون مقدمة لأي إجراءات عملية· والأمم المتحدة (في حسابات الولايات المتحدة وتقديراتها) لا تصلح مقراً لقيادة العالم في هذه الظروف· فالأمم المتحدة تضم في عضويتها: "كل من هب ودب في مجتمع الدول" - وبعضهم يأخذ جداً أكثر من اللازم مطالب عضويته ويتصرف - أو على الأقل يتكلم - كأنه صاحب شأن في كل قضية، له فيها رأي يسمع وصوت يعد·

ثم إن الأمم المتحدة لها أطر قانونية، وبعضها واضح بحيث يعطى من يريد فرصة للاحتجاج والتعطيل مستنداً إلى مبدأ يمسك به نص·

وثانياً فإن مجلس الأمن - وهو إرادة الأمم المتحدة - يضمن حقاً في الاعتراض مؤكدا لدول خمسة فيها اثنتان على الأقل يصعب - أو يسهل - التنبؤ بمواقفهما·

وأخيرا فإن الأمم المتحدة تديرها وتحركها بيروقراطية "بطيئة مترهلة" تعجز الاستجابة السريعة في الاتجاهات المطلوبة هذا كله بينما الظروف والدواعي الآن تقتضي العمل من داخل تجمع لديه فرصة التوافق العريض، وإمكانية العمل السريع، وقابلية ترك مسؤولية الإدارة للولايات المتحدة بمبدأ "أنا أدافع - إذن أنا أقول" - ترجمة للحكمة الأمريكية المأثورة والمشهورة!) I pay I say·

كان بعض الناس  يتصورون أن مهمة حلف الأطلنطي انتهت بنهاية الحرب الباردة بالسقوط الكبير للاتحاد السوفيتي - لكن ذلك التصور الآن - بدا في نظر "كلينتون" تصوراً ضيق الأفق محدود الطموح، لأن حلف الأطلنطي يملك قابلية الحياة بعد انتهاء مهمته الأصلية - ويتأكد ذلك إذا عثر الحلف لنفسه على مهمة جديدة في أزمتة مستجدة·

وهكذا بدأت السياسة الأمريكية تعمل علي تحويل حلف الأطلنطي إلى مركز قيادة متقدم لتحقيق استراتيجيات عظمى اعتمدها الرئيس "بيل كلينتون"، وكانت المعالم البارزة لهذه السياسة على النحو التالي:

1 -  كنقطة بداية فإن حلف الأطلنطي لازم لما بعد الحرب الباردة لزومه أثناءها بل لعل دوره بعدها يمكن أن يكون أكثر لزوماً لأنه أكثر إيجابية، فهدفه لم يعد صد عدو رئيسي موجود أو محتمل، وإنما هدفه الآن تأمين عالم لم يعد فيه عدو رئيسي موجود - بصرف النظر عن المحتمل لأن همه مؤجل إلى المدى المنظور!

2 - إن ذلك يتطلب توسيع نطاق حلف الأطلنطي بحيث لا يكون قاصراً على هؤلاء الذين أنشأوه ليدافع عنهم - وإنما يجب أن يتسع الحلف لكي يدخل فيه كل الرغبين والمؤهلين للمشاركة في هدفه الجديد· وهكذا دخل الحلف إلي بعيد في أوروبا الشرقية ليفسح مكاناً لبولندا والمجر والتشيك كدفعة أولى - يليها مزيد·

3 - وبما أن الهدف لم يعد التصدي لعدو رئيسي فإن توسيع نطاق حلف الأطلنطي بالمساحة لابد أن يرافقه تعميق لمهامه· فالاقتصار على المهام العسكرية كان منطقياً في الزمن القديم، وأما في زمن جديد فإن الحلف يحتاج تعريفاً متطوراً لمعنى "الأمن" وفي حاولات التعريف المتطورة فقد ظهر لمعنى الأمن - ضمن ما ظهر - أن بين أسبابه ما يقتضي الاهتمام بالنزاعات الإقليمية خصوصاً تلك التي تكون ميادينها قريبة من مجال نشاط الحلف - وأيضاً جواره لأن الجوار حدود مباشرة·

4 - إن الأمن في تعريفاته المستجدة أصبح مستغنياً ليس فقط عن فكرة العدو الرئيسي ولكن عن فكرة العدو أصلاً - وعلى الأقل بالتعريفات التقليدية لمن هو العدو·

فالعدو - إذا جاز التعبير - لم يعد ذلك الطرف الذي يتمسك بسيطرته وامتيازاته ونفوذه بدعوى المصالح القائمة، وإنما العدو يمكن يكون ذلك الذي يتمسك بمواقفه، ويعترض أو يعرقل تعريفات الأمن المستجدة ولو بادعاء السيادة الوطنية أو اختلاف الهوية الثقافية·

وهكذا فإن حلف الأطلنطي ضمن محاولاته لإعادة تعريف الأمن ولضرورات إيجاد شرعية لاستراتيجيته - عليه إعادة تفسير القانون الدولي عموماً، وميثاق الأمم المتحدة بالذات، لكي يفتح الأبواب على آخرها للأمن "التقليدي" وللأمن "المتطور"·

ثم إنه إذا لم تتسع التفسيرات المستجدة للقانون الدولي ولميثاق الأمم المتحدة لكل المطلوب منها - فإن هناك شرعاً جديداً لمجتمع الدول لا يصح نسيانه، وهو الميثاق العالمي لحقوق الإنسان، فهناك في هذا الميثاق "قيم" يمكن أن تكون ذرائع الدفاع عنها من دعائم الأمن في تعريفاته الجديدة·

5 - إن هناك منطقتين بالتحديد لابد للحلف أن يقترب منهما مباشرة لأنهما بالفعل على حدوده، بل وأكثر لأنهما في كثير من المواقع على التحام عميق بحدوده، بل ونفاذ إلى داخل هذه الحدود - والمنطقتان هما: البلقان في الشرق الأوروبي، والبحر الأبيض عند شواطئه الجنوبية وحولها كل العالم العربي - وعلى طرفه إسرائيل·

6 - ولأن البحر الأبيض وشواطئه الجنوبية كان - ولايزال - منطقة تفاعلات محكومة (بلدان عربية طيبة وصديقة، وبلدان عربية مشاكسة ومضروبة، وعملية سلام بين العرب وإسرائيل متعثرة، لكن "مسيرتها" مثل القطارات القديمة تمشي خطوة وتتوقف خطوة، وهو في معظم الأحيان مشي ووقوف دون حوادث!) فإن احتمالات المستقبل مجهولة، وكل مجهول ينطوي على احتمال خطر·

وعلى هذا كله فإن المنطقة المستوجبة للفعل السريع - هكذا تقول الاستراتيجية العظمى الجديدة - هي الشرق الأوروبي - البركان النشيط - وبعده الشرق الأوسط - البركان الخامد (الآن)·

وهكذا بدأ حلف الأطلنطي يتوجه باهتمامه إلى البلقان عموماً، وإلى يوجوسلافيا بالتحديد·

وهنا - فإن الطبائع البشرية تعود لتؤكد سيادتها فوق كل الاعتبارات الأخرى:

أي أن الاستراتيجية -  عظمى أو غير عظمى - تنفذها سياسة· ثم إن تنفيذ أي سياسة موكول إلى سلطة تملك حق القرار، والسلطة التي تملك حق القرار فوق رأسها رجل أو امرأة - بشر·

على أن القرار السياسي - الصادر عن بشر - حين يكون أمريكياً تكون له خصائص يصعب إنكارها ويصح الاعتراف بها:

أولها - أن السياسة الأمريكية، لأسباب عميقة الجذور ترجع إلى نشأة الدولة الأمريكية ذاتها، تعتمد منطقاً لا يعترف بالتاريخ - لأن الدولة الأمريكية ذاتها نشأة حديثة، وكان شاغلها أن تترك كل همومها ومواريثها وراءها عند الهجرة إلي العالم الجديد ـــ وهذا فإن القانون الموجه دواماً للسياسة الأمريكية هو: البداية من هذه اللحظة، وقبلها حكايات التاريخ الطويلة لا تساوي إضاعة الوقت فيها - وذلك من شبه المستحيلات في مشاكل لم تكتشف مرة واحدة مثل القارة الأمريكية في تجربة "كريستوفر كولمبس"، ثم إن ذلك هو المستحيل ذاته حين يكون التاريخ مقدمة أزمة وليس خلفيتها·

وثانيها - إن السياسة الأمريكية لأسباب عميقة الجذور أيضاً ترجع إلى نشأة الدولة الأمريكية ذاتها، تعتمد منطقاً يرى أن القوة هي القانون· تجربة أن المسدس في يد المستوطن الأمريكي موجه إلى الهندي الأحمر له شرعية تملك الأرض - وأما القانون الذي لم يكن الهندي الأحمر يملك غيره في الدفاع عن نفسه فهو "تعطيل للتقدم" لا داعي له·

وثالثها - أن رئيس الولايات المتحدة المتحدة، وهو موجه السياسة الأمريكية ومديرها، لديه معركة انتخابية كل أربع سنوات ومصيره معلق بأجواء وأهواء انتخابية ليست هي بالضرورة رؤى الاستراتيجية العظمى الجديدة لـ "عالم جديد"·

وهم كل رئيس أن يظل رئيساً، ولما كان الرؤساء في مجتمعات ديمقراطية لا يصلون أو يحتفظون بمقاعدهم إلا عبر صناديق الانتخابات - إذن فإن الرئيس الأمريكي - أي رئيس أمريكي - مستعد في أي وقت للدخول والخروج والتقدم والتراجع والشدة واللين حيث تستدعيه مصالحه هو، قبل أن تستدعيه سياسة الدولة، وتعلته الظاهرة بالطبع أن بقاءه في منصبه هو الضرورة القصوى المطلوبة لسياسة الدولة، وهذه السياسة قوية إذا كانت الصناديق - وقبلها استطلاعات الرأي - تقول إنه الأقوى، ثم إن هذه السياسة ضعيفة إذا كانت الصناديق - والاستطلاعات - تقول إن الرئيس الأضعف!

وكانت هذه الخصائص للسياسة الأمريكية كلها فاعلة عندما توجهت واشنطن على رأس حلف الأطلنطي - باهتمامها إلى يوجوسلافيا·

- وبدت مشكلة ما تبقى من يوجوسلافيا متعثرة بسبب تفاعلات التاريخ - وهي حية·

- ثم بدت المشكلة أكثر تعقيداً لأن صربيا - وفيها "ميلوسوفيتش" - هي الجزء الأكبر من القوة على الأرض - لكن الآخرين لديهم ما يكفي للتصدي ضد حل صربي نهائي يخلق أمراً واقعاً مفروضاً بالسلاح·

- ثم تدخلت المصالح الانتخابية للرئيس الأمريكي!

وعلى سبيل المثال فإنه في معركة إعادة انتخابه لرئاسة الولايات المتحدة سنة 1996 - كان موقف "كلينتون" شديد الضعف أمام نفوذ جمهوري زاد ضغطه حينما استطاع "نيوت جينجريتش" الزعيم الجمهوري العتيد أن يقود حزبه (في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس سنة 1994) - إلى أغلبية جمهورية سيطرت على السلطة التشريعية في الولايات المتحدة، وتمكنت بالفعل من تطويق "كلينتون" وهز ثقته بنفسه وثقة حزبه (الديمقراطي) به·

(في هذا الموقف الضعيف يكشف مدير الحملة الانتخابية لـ "كلينتون"، وهو "ديك موريس"، تفاصيل مدهشة عن تقاريره ونصائحه للرئيس، وعن لقاءاته وحواراته معه، في محاولة الاثنين معاً كسب معركة الرئاسة الثانية والتغلب على صدمة النجاح الجمهوري الظاهر في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس·

ينشر "موريس" - على سبيل المثال - نصوص تقارير كتبها لـ "كلينتون" (ثم نشرها بنصوصها في كتاب من مئتي صفحة بعنوان "وراء المكتب البيضاوي") وكان بين ما جاء في أصدها قول "موريس" موجها كلامه لـ "كلينتون":

"إن الجمهوريين نجحوا في انتخابات الكونجرس لأنهم قدموا للناخبين برنامجاً أعجبهم، وعليك أن تسرق من الجمهوريين هذا البرنامج وأن تأخذه لنفسك وتتركهم في العراء، وأنت تستطيع تنفيذ برنامجهم أفضل منهم لأنك في البيت الأبيض فعلاً"!

وفي مجال السياسة الخارجية في يوجوسلافيا مثلاً - يروى "ستيفانوبولوس" وهو المستشار الصحفي لـ "كلينتون" في كتابه "تصرفات إنسانية" أنه حاول تنسيق سياسة البيت الأبيض في يوجوسلافيا مع مدير الحملة الانتخابية للرئيس - "ديك موريس"· ويروي "ستيفانوبولوس" أن "موريس" قال له:

__________

يتبع

طباعة  

يتبع الموضع