رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 22-28 ربيع الآخر 1420هـ - 4-10 أغسطس 1999
العدد 1388

يتبع الموضع

"لايهمني إذا كان الصرب يذبحون المسلمين أو لا يذبحونهم· إنني نصحته بأن يضرب "ميلوسوفيتش" إلى أن تخرج مصارينه من بطنه - وحتى يبدو "بيل" (كلينتون) أمام الناس رئيساً قوياً")·

وفي خريف سنة 1998 وبداية الشتاء نحو سنة 1999 - كانت الأزمة في البلقان تتعقد، ولكن الرئيس الأمريكي "كلينتون" كان غارقاً حتي أذنيه في فضيحة "مونيكا لوينسكي"· ولم تكن صورته وحدها هي التي تردت في الوحل أمام العالم - ولكن صورة الولايات المتحدة تردت أيضاً·

ويظهر أن الرئيس الأمريكي أراد أن يبدو قوياً (على نفس الطريقة) لأسباب تتعلق بسمعته ودوره التاريخي بينما رئاسته تقترب من نهايتها - وفي ذات الوقت فإنه يظهر أن بعض أركان الإدارة الأمريكية - وفي مقدمتهم "مادلين أولبرايت" (وهي أصلاً مهاجرة من شرق أوروبا) - أرادت أن تستعيد للولايات المتحدة بعضاً من الهيبة الضائعة - وهنا بدأت السياسة الأمريكية تنزع إلى التلويح بالسلاح في يوجوسلافيا·

لكن استعمال السلاح فعلاً جرى بالإنزلاق على السلالم وليس بالصعود على درجاتها!

" في البداية - وهذا واضح من كل الشواهد والدلائل - فإن إدارة الرئيس "كلينتون" تصورت أن التلويح باستخدام القوة سوف يجعل "ميلوسوفيتش" يفكر مرتين·

" وعندما وجدت إدارة "كلينتون" أن "ميلوسوفيتش" لم يفكر إلا مرة واحدة - فقد كان الظن أن أفضل أسلوب لإقناع "ميلوسوفيتش" أن يفكر مرتين هو حشد القوة التي يمكن أن تضربه فعلاً بحيث يراها بعينيه···

" ولم يفكر "ميلوسوفيتش" مرتين أيضاً· وبدأ في واشنطن نوع من شبه اليقين بأن "ميلوسوفيتش" سوف يفكر مع أول موجة طائرات تغير على مواقعه - ساعتها سوف يعرف أن ما يراه بعينيه ليس إيهاماً ولكنه تأهب لجد لا هزل فيه·

" وحين بدأ الضرب راح عدد من المراقبين والمحللين العسكريين الأمريكيين يقول إن "كلينتون" ليس جاداً في ضرب يوجوسلافيا، والدليل أنه في العشرين يوماً الأولى من ضرب يوجوسلافيا فإن طيران الأطلنطي ألقى عشر ما ألقى على العراق في يوم واحد·

ثم إن الصواريخ المستخدمة في يوجوسلافيا كانت بقوة %15 من الصواريخ التي استخدمت ضد العراق·

وبالرغبة في إثبات التصميم فإن "كلينتون" راح يكثف الضربات حتى يظهر جديته·

ولم يعد أحد الطرفين يفكر: لا "ميلوسوفيتش" فكر مرتين، ولا إدارة "كلينتون" أعادت تقدير حساباتها·

" ثم زادت قسوة الضرب لأن "العناد" لم يعد يوجوسلافيا فقط - وإنما تحول "العناد" إلي مرض معد أصاب البيت الأبيض، وتفاقمت العواقب إلى درجة أرهقت يوجوسلافيا مادياً وإنسانياً - لكنها في نفس الوقت أرهقت أطرافاً في حلف الأطلنطي بينها ألمانيا وإيطاليا واليونان وغيرهم·

(وهكذا تصبح هيبة الدول ومكانة رؤسائها مرهونة بالقدرة على التدمير والقتل، حتى لا يعود هناك شك في من هو الطرف الذي يتعين عليه أن يصرخ بالألم أولاً·

بمعنى أدق لا تصبح هناك علاقة بين استعمال القوة، وبين مساحة مطالبها الأخلاقية والقانونية والإنسانية والسياسة)·

إن نظام "ميلوسوفيتش" كان يتسحق بالفعل أن ىُضرب حتى تخرج مصارينه من بطنه" علي حد تعبير المستشار الأقرب إلى الرئيس "كلينتون" - لكن المشكلة أن "كلينتون" عندما قرر التدخل عسكرياً قرره على الطريقة الأمريكية· حرب بغير تكاليف· ومع أنها حرب بغير تكاليف "بشرية" فإنها حرب بغير نهاية واضحة ــ بغير تصور مسبق - لأن حساباتها ليست ملحة على نحو مباشر!

كان "الهدف المعلن" هو وقف الطرد المنظم للألبان المسلمين في "كوسوفو" - وكان يُمكن لهذا الهدف المعلن أن يكون مفهوماً·

لكن المشكلة أنه عندما اقتصرت العمليات على الضرب الجوي وحده فإن "ميلوسوفيتش" انتهز الفرصة كثر ليحول الطرد المنظم إلى إبادة كاملة توصلت إلي تفريغ "كوسوفو" تقريباً من سكانها الألبان المسلمين· وبالأرقام فإنه في بحر خمس سنوات قبل الحملة الجوية الأمريكية (الأطلنطية!) على الصرب - بلغ عدد الذين جرى ترحليهم من الألبان المسلمين قرابة أربعين ألف نسمة - أما في ظل الحملة الجوية الأمريكية (الأطلنطية) - ثماين يوماً حتى الآن - فقد اختفى بالإبادة أو بالطر مليون مسلم ألباني· ومعنى ذلك أن "ميلوسوفيتش" تحمل ضربة موجعة في بلجراء وحولها - لكنه حقق هدفاً كبيراً من أهدافه في "كوسوفو"·

والسؤال الذي يتبقى في النهاية هو: ما الذي حقتته الولايات المتحدة من مزايا تخدم استراتيجيتها العظمى سواء وحدها كدولة متفردة بالقمة، أو صحبة مع غيرها على القمة من حلف الأطلنطي؟

- لقد تحول عملها العسكري من غارات مكثفة بالطيران - إلى جرافة هائلة تهدم مباني قائمة، وتزيح أنقاضاً متراكمة، وتغطي على قبور قديمة لتفتح حُفراً لقبور جديدة!

-ـ ولقد أضافت إلى عقد الصرب - "العناد" إلى حد المكابرة، والقبول بالموت إلى درجة الاستشهاد -ـ عقدة إضافية تلحق بعقد سابقة تجعل تاريخهم في خصومة دائمة مع حاضرهم - وتلك مشكلة تؤثر على شعب أكثر مما تؤثر على "مهيج" صربي يبدو أن تاريخ البلقان يملك خبرة طويلة في استنساخ عشرات منه!

- ثم إن العذاب الإنساني المروع الذي تتبدى صوره في مشاهد الحرب والدمار والموت والنزوح وترك الأوطان - زاد بالتدخل العسكري أضعاف أضعاف المرات عما كان ولم يقل·

-ـ والغالب أن التدخل الأجنبي وما أعقبه سوف يضيف إلى الثارات اليوجوسلافية ثارات جديدة - فعل ورد فعل في سلسلة لا تنتهي طالما الغرائز - والعقول أيضاً مشحونة بكل مخزوناتها القابلة للاشتعال مع أي تهييج·

- ومن المشكوك فيه أن يعود مليون لاجئ ألباني خرجوا من "كوسوفو" إليها مرة ثانية إلا إذا تحققت لهم ضمانات أمن يعتمد عليها أكثر من الاعتماد على الوعود والعهود·

- ثم إن طلب ضمانات أمن من هذا النوع - يحتاج وقتاً طويلاً حتى تتأكد مصداقيته، وذلك يصعب أن يتم إلا بتواجد عسكري دولي أو أجنبي له تكاليفه وله مخاطره أيضاً·

فوق هذا وإضافة عليه فإن عمل حلف الأطلنطي وسط بقايا يوجوسلافيا - ومن البداية حتى هذه اللحظة - قد وضعه على خطوط تماس مع الاتحاد الروسي تكاد تصل إلى درجة الاحتكاك·

والاتحاد الروسي كله حقل ألغام مدفون تحت الصقيع، وخريطة هذا الحقل ضائعة لا يملكها أحد، لكن الظاهر من هذه الخريطة المدفونة تحت الصقيع يكفي وحده لإثارة الخوف:

- دولة عظمى مترنحة في شبه دوار·

- وترسانة نووية مهملة إلى درجة الاستهتار·

- وجيش هائل مجروح في كبريائه - وذلك أخطر أنواع الجروح للبشر وللجيوش!

وباختصار فإن هناك قضايا ومشاكل وأزمات يصعب أن يكون الحل لها هو استخدام السلاح خصوصاً إذا كان استخدام السلاح بالانزلاق على السلالم وليس بالتصاعد على درجاتها خطوة لها مقاس بعد خطوة لها مقاس·

لكن الظاهر أن عالمنا عليه انتظار تجارب كثيرة من هذا النوع·

ذلك أن هناك أفكاراً لاتزال بعد مواد أولية تحتاج إلى صهر وتنقية وصب، وهناك خطوطاً تجري على لوحات رسم دون أن تتحدد اتجاهاتها وزواياها وأشكالها المطلوبة بعد، وهناك أحماضاً ملونة مازالت تجري وتفور في أنابيب وأوان على موائد معامل تبحث عن خلطات وتركيبات سحرية·

والمأساة أنه في بعض ذلك تتحول الأقاليم إلى ساحات للاختبار، وتتحول الشعوب إلى ما يشبه حيوانات تجارب لا يحميها قانون ولا تشملها رحمة!

وهذه بالفعل مأساة، والنظر فيها ضروري، خصوصا إذا تذكر من يعنيهم الأمر أن الاستراتيجية العظمى الجديدة في إطار الأطلنطي لها أولويتان: البلقان شرقاً، وحوض البحر الأبيض جنوباً·

ولقد فرض البلقان نفسه بتداعي الحوادث في يوجوسلافيا - على اهتمامات الاستراتيجية الجديدة، ولكن البحر الأبيض والعالم العربي بشواطئه وبعمقه - يستطيع أن يصل إلى بعيد عبر الحدود المباشرة وعبر الجوار العريض، وحتى شواطئ البحار من الأبيض إلى الأحمر، إلى الأسود، ثم إلى المحيط الهندي ذاته وقد نلاحظ أنه عند البحر الأسود يحدث الاتصال بين المنطقتين المفتوحتين لـ "رسالة" ولـ "دور" حلف الأطلنطي: البلقان هناك - ونحن هنا!

* الكتب وجهات نظر العدد السادس يوليو 1999

__________________

للعودة

طباعة  

بقايا يوجوسلافيا(2 - 2)
من البوسنة إلى كوسوفو ومن الأساطير إلى الصواريخ