على الرغم من صواب الرأي القائل إن أوجه التشابه بين مجتمعات دول الخليج العربية في النواحي السكانية والاقتصادية والثقافية أقوى حضورا من الفروق والاختلاف، فإننا نفضل حصر هذه الورقة في التجربة الكويتية، لأسباب موضوعية تتجاوز كوني شاهدة لها من قريب ومشاركة في جوانبها، وبعض هذه الأسباب سلبي، مع الأسف الشديد حيث لا يجدي الأسف·
إن الكويت التي أعلنت قيامها كدولة حديثة مستقلة عام 1961 أعلنت كذلك دستورها بعد عام واحد "نوفمبر 1962" وفي أعقابه حدوث أنشطة الوزارات وكان القانون رقم 24 لسنة 1962 وتعديلاته اللاحقة هو المنظم لعمل الأندية وجمعيات النفع العام، وهو الوصف القانوني الذي تندرج تحته الجمعيات النسائية، هذا القانون هو الذي وضع أساس العمل، وهو الذي يحد من الانطلاق نحو مستقبل متفاعل مع مطالب العصر لقد أسست "الجمعية الثقافية الاجتماعية النسائية بتاريخ 1963/2/3 وهذا يعني أن التجمع النسائي ورغبة العمل كانت جاهزة، فالفرق بين صدور القانون وتكوين الجمعية النسائية الأولى لا يزيد عن بضعة أشهر·
ولعل هذا يكشف عن التوجه العام في فترة إعلان الاستقلال وصدور هذه القوانين حيث كان الزخم القومي وشعارات الوحدة العربية واعدة بكثير من الإنجاز، وقد تعددت الجمعيات النسائية: الجمعية الثقافية الاجتماعية النسائية "1963"، جمعية بيادر السلام النسائية "1981" الجمعية الكويتية التطوعية النسائية لخدمة المجتمع "1991" هذا فضلا عن، نادي الفتاة "ديسمبر 1974" والاتحاد الكويتي للجمعيات النسائية "1994" وما سجلناه هو ما أسسته المرأة الكويتية خاصة، ولكن مشاركتها في جمعيات أخرى عامة موضع اعتراف وتقدير، وإذا كنا ننظر للأمر من زاوية خدمة قضايا المرأة بصفة خاصة فإن بعض هذه الجمعيات العامة مثل رابطة الأدباء وجمعية المحامين وجمعية الصحافيين الكويتية، وغيرها كالفرق المسرحية ورابطة الاجتماعيين قد اتخذت مواقف إيجابية بالنسبة للعمل النسائي وحقوق المرأة وسنجد أدلة عملية على هذا·
إن واقع الجمعيات النسائية في الكويت، كما في غيرها لن ينفصل عن ظروف نشأتها المتأثرة بالموروث الاجتماعي التاريخي، والتطور العام المؤثر في البنية الاجتماعية·
والموروث هنا منحدر عن تركيب قبلي، تراجع أمام المدّ القومي، ثم استعاد قوته بحدوث نكسة 1967 التي أعادت الجمعيات النسائية إلى الصيغة الاجتماعية وأخمدت فيها التطلع إلى المشاركة السياسية التي تنظر إليها على أنها حق فطري من جانب، وحل جوهري للمستقبل من جانب آخر، ولكن بلوغ هذا لا يمكن أن يحدث بالطفرة، إنه يحتاج إلى تعديلات مختلفة تمس المقررات الدراسية المتعلقة بالمرأة، وصورتها في وسائل الإعلان والإعلام، وتفعيل المؤسسات القومية التي أنشئت في ظل جامعة الدول العربية، ومنظمة دول مجلس التعاون الخليجي حتى تتحول من بيروقراطية الوجود على الورق، إلى واقع مستقبلي ملزم، لم تكن النكسة مسؤولة ــ وحدها ــ عن ترويض طموحات المرأة، هناك مشكلات أخرى من داخل المرأة، أو من تركيبة المجتمع، إن نسبة ليست قليلة من النساء لا تتحمس للعمل السياسي، ولا ترى أنه يفيد المرأة أو أنها مؤهلة له، وكذلك فإن اقتصاديات النفط والطفرة الاقتصادية قد ألقت بالمرأة "الكويتية / الخليجية" في دائرة الاتكالية حيث مجتمع الوفرة والغرق في الكماليات·
وإذا لم يكن هدف الحركة النسائية هو إتاحة فرص عمل منافسة للرجل، وإنما تأكيد الوجود الاجتماعي الإنساني الكامل للمرأة، فإنه لا يتحقق إلا بتغيير الظروف الموضوعية التي دفعت بالعمل النسائي في زاوية الخدمة الاجتماعية وحدها في إطار التركيز على التجربة الكويتية لا يمكن تجاهل أحداث أغسطس 1990·
إن التأثير المالي لاشك فيه ، فقد تحولت دول النفط إلى دول متعبة أو مدينة اقتصاديا، وقد تفاقم هذا مع هبوط أسعار النفط، ولكن الأهم من هذا والأشد خطرا هو تراجع الشعور بوحدة العمل العربي، ومنه العمل النسائي بالطبع، وهذا ما يجعلني أقدر خطورة هذا المؤتمر وأثمن مجهوده، وأرى أن يوجه طاقته لتجديد الثقة على أسس موضوعية وليس بمعسول الكلام أو الوعود·
إننا نتحدث عن توجهات المستقبل، ومن واجبنا أن نفكر كثيرا فيما يجب عمله وهذا يحتاج إلى توسيع دائرة الاهتمام: فنحن نعرف أن مانصطلح على تسميته بقضايا المرأة هو الآن متجذر في التربية والتعليم، وفي الإعلام، وفي التخطيط وفي التنمية الاجتماعية بكل محاورها· إن الاعتقاد السائد بين عدد من الباحثين في هذا المجال أن الحركة النسائية - بصفة عامة - نشأت ونشطت في بلادنا بسبب عوامل خارجية هي أن نحسن صورتنا أمام العالم وأن نظهر في شكل مجتمع حديث ودولة "حقيقية" عصرية وهذا يعني أن الوعي الاجتماعي العام والنسائي خاصة لم يكن يشعر بأهمية هذه الحركة النسائية، إنني - سواء تقبلت هذا التصور أو تحفظت عليه أو رفضته لأسباب موضوعية أرى أن أهم أسس بناء مستقبل للحركة النسائية في الكويت، كما في غيرها من الأقطار العربية، هو تبني النظرة المضادة، أي تخليص أفكارنا ومشاعرنا من إلحاح تحسين الصورة والدعاية لمظهر الدولة العصرية، وأن نبحث بحثا حقيقيا فيما تحتاجه حياتنا في الراهن والمستقبل، وما يمس حياة المرأة والمجتمع في صميم وجوده وممارساته·
* ملخص بحث قدمته الكاتبة لمؤتمر "الحركات النسائية: الأسس والتوجهات
الذي عقد أخيرا في مدينة فاس بالمملكة المغربية·