رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 22-28 ربيع الآخر 1420هـ - 4-10 أغسطس 1999
العدد 1388

ضوء

الصَّعْلكة.. راية الأرصفة!

 

ركان الصفدي

"1"

 

لكل عصر صعاليكه ·· والصعلكة اغتراب، فهي نتاج عدم الانسجام مع الواقع الاجتماعي الذي يسوده التفاوت الطبقي الصارخ، والظلم الاجتماعي الشديد، والقمع الفكري والثقافي، والطغيان السياسي الثقيل·· الصعلكة تمرّد أيضا ·· بعض النفوس تأبى الظلم وتثور عليه مهما كانت قواها محدودة وأسلحتها قليلة، وهم الصعاليك المتمردون الذين أعطوا الصعلكة صفات نبيلة وسامية، وفي تراثنا الكثير منهم، ولعل عروة بن الورد كان أكثرهم وعيا لقضيته، وأكثرهم "تنظيرا" لها فهو الذي أوضح مبادىء الصعلكة النبيلة، ورسم صورة الصعلوك الشريف الذي "صفيحة وجهه كضوء شهاب القابس المتنوّر "كما يقول، وهو الذي في وجهه "شحوب الحق والحق جاهد" وهو الذي "يقسّم جسمه في جسوم كثيرة" وهو الذي "عافى في إنائه شركة" وهو الذي حمل السيف في وجه المجتمع لأن "المنايا خير من الهزل"·

أما النفوس الضعيفة التي اعتادت الهوان واستسلمت للذل ورضيت بظلال العيش وفتات الحياة، فإنها تخلق الصعلوك الذليل "مصافي المشاش" كما يقول عروة· غير أن بعضا من هذا النوع من الصعاليك يشهر سلاح السخرية في وجه الزمان الشاحب كأبي دلامة وأبي الشَّمقْمق ويمكن أن نعدّ منهم أيضا ابن سكّرة وابن حجاج وابن الرومي·

 

"2"

 

الصعلكة ليست حكرا على العرب فقط فإن للأمم الأخرى صعاليكها، ويمكن أن نلتقط رموزها منها في أعمال الكثير من الكتاب الأوروبيين، كما في روايات ديكنز وهوغو وقصص تشيخوف وموباسان ومارك توين وكازنتزاكي، كما أن هناك شعراء وأدباء صعاليك، ربما كان على رأسهم آرثر رامبو وبول فيرلان·· وكثيرا ما كانت الصعلكة في أوروبا فكرية لعل "الوجودية" شكلٌ عميق لها، فهي تنطلق من المبدأ نفسه "الاغتراب والتمرد" ألم يقل سارتر: "الجحيم هو الآخرون" ؟ كما كان الشنفرى قد قال "فإني إلى قوم سواكم لأميل" ووصف جحيم قومه الظالمين·· ولذلك فإن الصعلكة تأخذ أشكالا مختلفة بحسب الزمان والمكان·

 

"3"

 

في العصر الحديث أوجدت الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية الصعبة فئات من الأدباء الفقراء "وما أكثرهم" وكان بعضهم يعتمد على معونات الأصدقاء الأوفر حظا في هذه الدنيا فعاش هؤلاء في طاحونة الحياة الرهيبة التي لا تأبه لمواهبهم وإبداعاتهم ، ولعل أبرزهم في مصر أمل دنقل ونجيب سرور بل إنّ هناك عددا من الصعاليك الشباب الذين يعيشون على هامش الحياة، وإن كان بعضهم يلقي بأحرفه المضيئة إلى وسط الصفحة المزدحمة·

 

"4"

 

بعض الأدباء يعيش فترة تصعلك بسبب ظروف طارئة، كمحمد الماغوط الذي قادته قدماه الحافيتان إلى بيروت لينضم إلى جماعة "شعر" حيث كان يوسف الخال عرّاب تلك الجماعة· "مُقيتها" أيضا وكان الماغوط يتسلل أحيانا إلى الثلاجة ليلتهم ما فيها انتقاما من جوعه "التاريخي" تاركا تلك الجماعة تتنافس في قضايا الحداثة ثم يعود ليخبرهم أنه لم يبق في الثلاجة إلا "ماركتها"!

ربما كانت الصعلكة قدرا محتما على كل أديب بل مواطن عربي، يمرّ بها في فترة من حياته، فيكتوي بعذاباتها ومرارتها، لأن الأديب العربي يتعامل بالممنوعات والمحرّمات "الكلمة، الصورة، الفكرة" وهي التي تجعله دائما مطاردا ومحروما ومعذبا وفقيرا و·· قتيلا·

 

"5"

 

كان لي صديق شاعر صعلوك يسكن في غرفة مظلمة ليس فيها غير طاولة تحتلها الفوضى و"صوفة" للجلوس والنوم أيضا، كان مرتّبه الضئيل يكاد يكفيه لإيجار الغرفة وللتبغ الذي يعصف في رئتيه كالبركان الدائم، ولذلك كان عليه أن يشتري أغراضه وطعامه من البقالات المجاورة بالدين، وكان حين يكبر الدين في واحدة منها يمتنع عن المرور في الشارع أمامها، ويعلّق كمذيع النشرة الجوية: الطريق الغربي غير سالك بسبب تراكم الديون "الثلوج"، الطريق الجنوبي سالك بصعوبة·· أما حين تنسدّ جميع الطرق المؤدية إلى غرفته فإنه كان يتسلل ليلا إلى أحد أصدقائه ويقترض منه مبلغا من المال قائلا : أريد أن أفتح الطريق الشرقي!

مرةّ جاء إليّ مستبشرا كجالينوس فقد "وجدها": عملت لهم "جمعية" أقترض من واحد لأسدّ الآخر بصورة دورية وهكذا يظلّ عندي دائما طريق سالك! الصعلكة راية الأرصفة··

طباعة  

أفق
 
الهم السابع
 
في ندوة "فن الكاريكاتير في الكويت: قضايا واتجاهات" التي أقامتها "الطليعة"
رسام الكاريكاتير الكويتي يمشي في حقل ألغام الرقابة!

 
الحركة النسائية الكويتية من منظور محلي وعربي*
 
قصيدة
 
نافذة
 
أجراس