· مصر استطاعت وبفضل قدرتها الفائقة على مسايرة التقنيات الجديدة ولثلاثة ألاف سنة أن تباري جيرانها وأن تقود حياة مستقلة ومليئة بالحيوية وخلال هذه السنوات الطوال لم تفقد مصر استقلالها إلا فترة قصيرة حين غزاها الهكسوس
· بعد أن أتقن المصريون فن صناعة البرونز تمكنت بعض الحضارات المجاورة من اكتشاف مادة جديدة أكثر رخصاً وصلابة هى الحديد الذي غير موازين القوة عندما استخدم في صناعة ادوات الحرب والسلاح
رشدي سعيد**
سكن الناس وادي النيل منذ أقدم الأزمنة إلا أن بدء استقرارهم فيه وبناء أول المجتمعات التي أدت إلى نشوء حضارة مصر القديمة يعود إلى الألفية الخامسة قبل الميلاد، حين أصبحت الزراعة محور النشاط الأساسي لهذه المجتمعات وسكن الناس في قرى ومدن أحيطت بالأسوار، وارتفعت فيها المباني الهائلة والمعابد ذات الطقوس الدينية المعقدة، ومن ثم أصبح المجتمع طبقياً تفاوتت فيه الثروة بين أبنائه وبزغت فيه نخب كان على قمتها الملك تميزت بثرائها وبمقتنياتها الثمينة·
وجاء نشوء هذه المجتمعات متزامناً مع أحداث مناخية كبيرة تسببت في جفاف الصحارى المحيطة بوادي النيل وتراجع جبهة الأمطار عنها مما قلل من كمية المياه التي كانت تصل إلى نهر النيل فخف عنوفان النهر وأصبح العيش في ظله آمناً وطيباً· وكان النهر قبل فترة الجفاف هذه هادراً صعب المراس، متقلباً يصعب التنبؤ بأحواله· فقد كان الفيضان يأتيه عالياً وفي اندفاع مفاجئ خلال فصل الصيف وتكاد مياهه أن تجف خلال فصل الشتاء· وكان العيش في ظل هذا النهر صعباً فا غرو أن وجد الإنسان القديم في الصحراء مكاناً أكثر ملائمة للعيش وخاصة خلال الفترات المطيرة التي أدى سقوط الأمطار فيها إلى ملء خزانات المياه الأرضية فيها ورفع منسوبها مما جعل الكثير من مناطقها ذا مصدر ثابت للمياه· وكانت الصحراء ولفترة تزيد على السبعة آلاف سنة وحتى منتصف الألفية الخامسة قبل الميلاد مطيرة وسكناً لأقوام، بدأوا بدوا رحل يرعون الأبقار فيها خلال موسم الأمطار· وانتهوا حضراً يستقرون في مستوطنات متفرقة حول أحواض تجمع الأمطار يدقون الآبار لضمان تزويدهم بالمياه وقت موسم الجفاف، ويزرعون الأرض ويستأنسون الحيوان قبل أن تعرف هذه الفنون في وادي النيل بعدة مئات من السنين·
وجاءت الهجرة من الصحارى المصرية إلى وادي النيل في موجات تزامنت مع فترات الجفاف التي حلت بها، والتي بلغت ذروتها في الألفية الخامسة قبل الميلاد· واستمرت حتى قرابة سنة 3800 ق· م · عندما لم يبق في الصحراء بعد ذلك التاريخ إلا القليل من السكان الذين بقوا في جبال البحر الأحمر التي ظلت تنعم بالقليل من الأمطار حتى بعد حلول الجفاف أو في واحات الصحراء الغربية· وقد احتفظ ما بقي من سكان قبائل العبابدة والبشارية والهادنداوة وبني عامر في جبال البحر الأحمر، والسيويين بشمال غرب الصحراء الغربية المصرية بلغاتهم الأصلية، وبعادات وتقاليد يمكن أن تكون مؤشراً للمكان الذي جاءوا منه أصلاً، قبل وصولهم إلى صحراء مصر وتأسيسهم لحضارة رعي الأبقار التي انتشرت على طول الصحراء الكبرى وقت أن كانت مطيرة، قبل حلول حفاف الألفية الخامسة قبل الميلاد·
وبالإضافة إلى الهجرات التي جاءت إلى وادي النيل من الصحارى المتاخمة لمصر بعد جفافها فقد جاءتها أيضاً هجرات ضخمة من منطقة الشام والهلال الخصيب والتي يبدو أن الجفاف قد لحقها أيضاً - ووجد المهاجرون الجدد في وادي النيل مكاناً فسيحاً، فم يكن فيه وقت أن حطت فيه هذه الهجرات الكبري، غير عدد قليل من السكان الذين كانوا يعيشون في مستوطنات صغيرة ومتفرقة حول ضفاف النهر - وقد أدخل المهاجرن الجدد فنوناً جديدة أضافت إلى سكان الوادي الكثير في فنون الزراعة واستئناس الحيوان وصناعة الفخار وسبك المعادن·
وفي فترة الألفي سنة التي انقضت بين بدء فترات الجفاف وظهور دولة الفراعنة في سنة 3000 ق· م، أدخلت على مصر الكثير من التقنيات مع موجات الهجرات التي وصلتها - ففي أو فترات الجفاف التي سبقت جفاف الألفية الخامسة قبل الميلاد الكبيرة وبين ذروتين للأمطار فيما بين سنتي 5400، 5200 ق· م، دخلت الزراعة إلى وادي النيل كنشاط ثانوي بجوار صيد الأسماك وقنص الحيوان وتربية الماشية· ولم يبق من آثار هذه الزراعة القديمة إلا ما تناثر منها حول ضفاف البحيرة الكبيرة التي كانت تملأ منخفض الفيوم في ذلك الوقت· ومثلت الزراعة لسكان ذلك العصر الذين كانوا ينتمون إلى ما سمىت بحضارة "الفيوم أ" من حضاراالحجري الحديث نشاطاً جانبياً - وكان قمح الإمر يبذر ويترك بلا أية عناية حتى يتم حصاده ثم تخزينه في حفر صغيرة بطنت بالألياف - وتختلف حضارة "الفيوم أ" عن حضارة العصر الحجري القديم المتأخر التي سبقتها في نفس المنطقة حتى أن معظم المشتغلين بالعلم يعزون ظهورها إلى أقوام جدد لا يمكن أن تكون لهم أية علاقة بمستوطني المنطقة السابقين· ولا يعرف بالضبط من أي مكان يمكن أن يكون قد أتى منه أقوام حضارة "الفيوم أ" الذين أدخلوا الزراعة إلى منطقة الفيوم، إلا أن هناك من الدلائل ما يمكن أن يشير إلى أنهم ربما قد جاءوا من منطقة الهلال الخصيب·
ويعود السبب في ترجيح احتمال قدومهم من هذه المنطقة بدلاً من الصحراء المصرية التي عرف سكانها الزراعة قبل دخولها الفيوم بأكثر من ثمانمئة سنة، إلى أن قمح الإمر الذي زرع في الفيوم لم يكن معروفاً لهم فقد سكنوا جنوب الصحراء المصرية التي زرعوا فيها حبوب الساحل الأفريقي كالذرة العويجة والدخن - ويعرف قمح الإمر في حالته البرية في منطقة الهلال الخصيب، وزرع لأول مرة في منطقة اريحا بفلسطين سنة 8000 ق·م ثم انتقل منها إلى باقي مناطق الهلال الخصيب، فأوروبا خلال الألف سنة التالية - أما في وادي النيل فإن أقدم الزراعة حدثت بعد ذلك بأكثر من ألف وخمسمئة سنة·
وتزامنت نهاية الفترة المطيرة بالصحراء وبدء انتشار الجفاف الشديد بها حوالي سنة 3800 ق· م مع ظهور حضارة نقادة بصعيد مصر، ودخول تقنيات جديدة غيرت من نوع الأدوات الحجرية المستخدمة والتي أصبحت أنصالاً مسننة بدالا من ثنائية الوجه· وحسنت صناعة الفخار باستخدامها أنواعاً أفضل من الطفلات التي أصبحت تحرق في نار مختزلة لإنتاج فخار ملون - وأدخلت صناعة الطوب النيئ الذي استخدم لأول مرة في البناء جعلت من النجارة وفن تشكيل الأخشاب حرفة مستقرة· كما نشرت فن صهر المعادن وسبكها - وكانت كل هذه التقنيات معروفة لحضارات الشرق الأوسط القديمة لعدة مئات من السنين قبل دخولها وادي النيل على يد الهجرات الكبيرة التي جاءت إليها في أعقاب فترات الجفاف التي لحقت بالمنطقة·
نتاج تفاعل حضاري
الحضارة المصرية القديمة إذن هي نتاج تفاعل حضاري كبير بين سكان البلاد الأصليين وبين الذين توافدوا عليها من مختلف الأقطار المحيطة، في أعقاب فترات الجفاف التي سبقت ظهورها - وتشير نتائج الحفائر التي تمت على مستوطنات هذه الحقبة والتي مهدت لظهور حضارة مصر القديمة إلى أن عملية من الاندماج والتعايش، التي لا يبدو أن العنف قد استخدم فيها قد حدثت، مما أدى إلى ظهور عدد من الحضارات على ضفاف النهر· والتي أخذت تتطور على مر الزمان حتى استطاعت إحداها وهي مجموعة حضارة نقادة بصعيد مصر أن تسود باقي الحضارات الأخرى - وتعتبر حضارة نقادة آخر حضارات عصر ما قبل الأسرات التي ازدهرت بمصر خلال الألفية الرابعة قبل الميلاد - وجاءت سيادة هذه الحضارة على باقي الحضارات عن طريق دخول نظمها وتقنياتها رويداً رويداً إليها وبدون عنف ظاهر - وقد نشأت حضارة الفراعنة في أعقاب هذه الحضارة، التي ساهمت في توحيد مصر فمهدت بذلك لنشأة الدولة المركزية التي كانت أحد أسباب قوة الحضارة الناشئة·
وبعد أن قبل سكان وادي النيل العيش في ظل حضارة واحدة، أمكن توطيد أركان الدولة المركزية، وربط جميع أقاليم وادي النيل إلى الشمال من أسوان بواسطة السفن الشراعية، التي أحكمت هذه الحضارة استخدامها للوصول إلى أي مكان على النهر والعودة منه ــــ فقد كان التيار يدفع السفن إلى الشمال، ورياح مصر الشمالية الغربية ــــ السائدة تدفعها إلى الجنوب· وهكذا أتاح استخدام الشراع الذي كان أحد الاختراعات القليلة التي سبق فيها الفراعنة العالم الفرصة لربط أجزاء وادي النيل ولإمكان حكمها تحت سلطة مركزية واحدة·
وساهم الجفاف الشديد الذي حاق بالصحراء بدءاً من سنة 3800 ق· م، وإفراغها من جل سكانها، في حماية مصر واستقرارها بعد أن تحولت الصحارى المحيطة بها إلى منطقة عازلة منعت من أن يكون على حدودها حضارات قوية يمكن أن تهدد حضاراتها أو تشل نموها، فنمعت مصر باستقرار نسبي لفترات طويلة على عكس ما حدث لحضارات ما بين النهرين التي أحاطت بها مناطق شبه قاحلة كانت سكنى لأقوام من البرابرة الأشداء، الذين كثيراً ما هددوا أمنها وخربوها وحرموها من الاستقرار والنمو - أما في مصر فقد كانت معظم الغارات التي أتتها من الصحارى المحيطة بها غارات أقوام لم يكونوا من الكثرة أو الدراية التقنية الكافية لهز حضارتها - على أن ذلك لم يمنع برابرة المناطق شبه القاحلة من دخول مصر عبر صحاريها الجرداء وغزوها في أوقات متباعدة مما هز حضاراتها وأثر فيها تأثيراً كبيراً·
الزراعة النهرية
وتسبب الاستقرار النسبي الذي عم مصر لأكثر من خمسمئة سنة بعد ظهور دولة الفراعنة في ازدهار الحضارة المصرية التي زاد ثراؤها بزراعة أرض النهر، والتي استطاع الفراعنة أن ينموا بها إلى آفاق عالية بالاستفادة بالمزايا الكبيرة التي أتاحها نظام النهر الترتيب والفريد· واستطاع الفراعنة بل وملوك عصر ما قبل الأسرات من قبلهم الاستفادة من ظاهرة الفيضان السنوي للنهر في زراعة الأراضي التي كان يفيض عليها فضبطوا دخول مياهه إليها بعد أن قسموها بجسور ترابية إلى أحواض - وكان ضبط دخول مياه الفيضان إلى هذه الأحواض يحدث عن طريق قنوات حفرت مآخذها على منسوب يتوسط بين منسوب الحوض ومنسوب الحد الأدنى للنيل عند تحاريقه - وكان يسمح للمياه بالدخول إلى الأحواض في آخر أيام شهر أغسطس من كل عام، وتترك فيها بين 40، 60 يوماً يتم بعدها صرفها منها ثم يبذر الحب عليها - وكان هذا الغمر السنوي للأراضي يتسبب في تغطية الأرض بطبقة من الطمي كان النهر يحملها معها ويرسبها عليها مما سمح بتجديد تربتها عاماً بعد عام - وقد تسببت هذه الظاهرة في إمكان استخدام المحراث الذي أدخل إلى مصر من منطقة الهلال الخصيب خلال عصر الدولة القديمة لحرث الأرض وتحسين إنتاجيتها دون الخوف من أن يؤدي استخدامه إلى تفتيت التربة وتعرضها لعوامل التعرية ثم اكتساحها بالأمطار أو بغير ذلك من العوامل كما كان يحدث في منطقة الهلال الخصيب والتي لم تكن لها ميزة التربة المتجددة·
وكان الغمر السنوي للأراضي يجعل من وادي النيل والدلتا بحراً واسعاً·· كانت القرى التي تبنى على حافتهما أو على الأجزاء العالية من بقايا جسور النهر القديمة كالجزر، لا يمكن الانتقال بينها إلا باستخدام سفن الشراع مما أزاد الاهتمام بصناعة هذه السفن والعمل على تقدم فنون الملاحة بها·
وساهمت الطبيعة في أن تجعل من زراعة الحياض سهلة ووفيرة الإنتاج فقد أتاح إيقاع النهر وصول الماء إلى الأرض وغمرها في موسم الفيضان، دون الحاجة إلى رفعه· مما سمح للأرض بأن تكون رطبة طول موسم الإنبات وبعد صرف الماء عنها - كما أتاح هبوط النيل وقت موسم التحاريق إلى غسيل الأرض وحسن صرف مياهها· وهذا الإيقاع الفريد للنهر هو الذي جعل زراعة وادي النيل مستدامة ووافرة، وميزها عن زراعة ما بين النهرين التي لم يسمح إيقاع أنهارها بغسيل الأراضي بعد زراعها مما شكل أكبر عائق لتقدم الحضارة على ضفافها فأملحت الأرض وفقدت خصوبتها حتى هجرت·
وبالإضافة إلى ما وفرره إيقاع النهر من توفير الغذاء وتوليد الفائض، فقد كانت هناك مصادر أخرى للغذاء تأتي من المساحات الكبيرة التي تركت بكراً متسعات الدلتا وبعض أجزاء الصعيد التي أمدت مصر بالطيور والأسماك·
الصحراء والمعادن
وتطلب تحقيق الأمن لهذه الحضارة التي بزغت في وادي النيل السيطرة على الحصارى المحيطة بها مما احتاج إلى القيام بالكثير من الحملات بومنذ قيام دولة الفراعنة لبسط النفوذ عليها وتأديب سكانها، وبالإضافة إلى أهمية الصحراء لتحقيق الأمن فقد كان لها أهمية خاصة لدى النخبة، التي برزت منذ عصر ما قبل الأسرات بعد أن أصبح المجتمع طبقياً، فقد كان بها الأحجار النفيسة والمعادن الثمينة التي أصبح اقتناؤها والتزين بها أحد أهم مشاغل هذه النخبة، كما كانت بها طرق التجارة التي كانت تربط مصر بالعالم المحيط·
وقد أرسلت النخب الحاكمة العديد من البعثات لتطوف الصحراء بحثاً عن المعادن الفيسة فيها والتي أصبح الحصول عليها أمرا ملحاً مع تزايد الطبقية في المجتمع، فقد كانت مشغولات هذه المواد المبهرة للأبصار لازمة لإضفاء الهيبة اللازمة لمالكيها لاكتساب السلطة والاحتفاظ بها - وفي الحقيقة فإنه لم يكن لهذه المواد النادرة الوجود أية فائدة عملية وإنما كان استخدمها بغرض إبهار الناظرين وإيقاع الرهبة فيهم وإظهار الطبقة التي ينتمي إليها حاملها وموقعه في المجتمع ولذلك فقد أطلقت على هذه المشغولات اسم "أدوات إظهار السلطة" تمييزا لها عن "أدوات العمل" ذات الفائدة المباشرة للإنسان· وقد أنفق الناس ومنذ فجر التاريخ جهداً كبيراً من أجل الحصول على المواد اللازمة لصناعة هذه الأدوات والتي وإن لم تكن لها فائدة عملية، إلا أنها كانت وعلى الرغم من ذلك ذات أهمية كبرى ومغزى خاص كرمز أو تميمة مميزة· وقد لعبت هذه الأدوات دوراً هاماً في التنظيم الاجتماعي للمجتمعات البشرية فقد كانت توضح مركز ودرجة السطوة التي كان يتمتع بها حاملها كما أنها كانت وعاء للادخار ومستودعاً للثروة - وكانت أقدم أدوات إظهار السلطة عضوية، كالأصداف أو العاج أو العظم وقد وجدت في الكثير من دفنات العصر الحجري القديم المتأخر التي يعود تاريخها إلى أكثر من 30.000 سنة مضت على هيئة عقود أو تمائم وفي العصر الحجري الحديث أضيفت إلى أدوات إظهار السلطة أدوات مصنوعة من النحاس أو الذهب·
ويبدو أن هذه الأدوات كانت ذات أهمية خاصة للنخب الصاعدة في مصر القديمة· وإنه لمن الغريب أن يكون اكتشاف أعظم الإنجازات التقنية في تاريخ البشر مرتبطاً بصناعة أدوات إظهار السلطة، وليس بصناعة أدوات العمل اليومي والمفيد للإنسان· فقد أدى الاهتمام بأدوات إظهار السلطة إلى تنشيط البحث عن المعادن وإتقان فن تشغيلها وإلى الاهتمام بالتجارة على مستوى العالم القديم كله والذي ارتبط ببعضه البعض في علاقات تجارية كان من أهم منقولاتها مواد وأدوات إظهار السلطة· وقد وجد في مقابر عصر ما قبل الأسرات خامة اللازورد التي لابد أنها جاءت من بدقشان بشمال شرق أفغانستان والتي تقع على بعد أكثر من 5000 كم - وهناك الكثير من الأمثلة التي تظهر أن طرق التجارة القديمة امتدت من جبال هندوكوش حتى البلقان ومصر منذ أقدم الأزمنة·
وتعتبر مادتا الذهب والنحاس أقدم مواد إظهار السلطة التي لعبت دوراً هاماً في تاريخ الإنسان وربما كان الذهب هو الأقدم في الاستخدام لهسولة اكتشافه لانجذاب العين له لوجوده حراً في الطبيعة، وكذلك لسهولة تشغيله وتشكيله نظراً لقابليته الطرق على البارد· والذهب هو المادة الأولى لإظهار السلطة وهو فلز لا يمكن استخدامه في صناعة أية أداة مفيدة للإنسان نظراً لطراوته· ومع ذلك فهو من المواد التي سعى الإنسان للحصول عليها عبر التاريخ وفي جميع الحضارات· وربما عادت قيمته على الأقل في جزء منها إلا أنه لا يصدأ ولا يتغير لونه بعكس جميع الفلزات الأخرى كما أنه فلز لا يتحلل وكأنه أزلي الوجود·
ويوجد الذهب في مصر في الصحراء الشرقية أساساً حيث عدن من أقدم الأزمنة، وربما كان لتعدينه المبكر في الصحراء إلى الشرق من نقادة ما أعطى أمراء الحضارة التي ظهرت فيها، الثروة والنفوذ اللذين ساهما في انتشار وطرق هذه الحضارة على باقي حضارات وادي النيل كما سبق القول·
ظهور أدوات العمل والحرب
لعب النحاس دوراًهاماً في تاريخ العالم القديم وكانت أول استخداماته في صناعة أدوات إظهار السلطة وليس في صناعة الأدوات ذات النفع في حياة الإنسان· وجاءت أول مشغولات النحاس في مصر من مقابر حضارة البداري حولي سنة 4000 ق· م، وكانت كلها بغرض الزينة وعلى شكل فصوص عقود أو دلايات أو تمائم· ولم يبدأ الإنسان في الانتفاع بالنحاس في صناعة الأدوات ذات الفائدة إلا بعد ثمانمئة سنة من تاريخ أول استخدامه· وقبل أن يعرف الإنسان فن صهر المعادن واستخراج الفلز من خاماته الموجودة في الطبيعة كان القدماء وعلى الأخص في خارة مصر يستخدمون النحاس الحر في صناعة أدواتهم - ولا يوجد النحاس حراً في أرض مصر، ولذا فإن النحاس الذي وجد بحضارة البدارى لابد أنه جاء إلى مصر عن طريق التجارة، وكان صانعو هذه الأدوات يعرفون عملية تليين (تخمير) المعدن وهي عملية يقصد منها زيادة ليونة المعدن عن طريق تسخينه قبل طرقه على البارد·
ولم تعرف عملية استخراج فلز النحاس من خاماته المركبة إلاّ في وقت متأخر وعند منشأ حضارة نقادة، حوالي سنة 3600 ق· م، وربما جاد اكتشافها بطريق الصدفة عن تسخين خام الملاخيت (كربونات النحاس الأخضر) الذي كان يستدخم استخداماً واسعاً منذ عصر ما قبل الأسرات في تكحيل العيون أو لعمل اللون الأزرق في القرميد القديم·
ويمكن استخراج فلز النحاس من خام الملاخيت بتسخينه في فرن مقفل حتى يتم اختزال الأكسيد (الذي كان يتحول إليه الخام عند مبدأ تسخينه) وكانت الأفران المقفولة معروفة في حضارة نقادة حيث كانت تستخدم في صناعة الفخار·
ويوجد خام الملاخيت مرتبطاً بحجر الفيروز في جبل المغارة بشبه جزيرة سيناء· وقد أصبح هذا المكان مركزاً هاماً للتعدين منذ عصر ما قبل الأسرات وحتى آخر الدولة الحديثة - وتدل أكوام الخبث الكبيرة والبواتق الكثيرة التي كانت تستخدم في صهر الخام في هذه المنطقة على ضخامة عمليات التعدين التي حدثت بها·
وأمكن للإنسان صناعة الآلات الأسلحة وغير ذلك من الأدوات من النحاس بعد أن أتقن فنون استخراج وصب ولحم الفلز· وقد حدث ذلك في آخر عصر حضارة نقادة، قبل مئة سنة من بدء توحيد مصر وبدء حضارة مصر القديمة· ويحتاج صهر النحاس إلى درجة 1085 درجة مئوية، وهي درجة عالية من الحرارة لا يمكن الوصول إليها إلا في أفران خاصة ذات غرفة احتراق داخلي· وفي الحقيقة، فقد كان للأقدمين منذ حضارة البداري الموغلة في القدم مثل هذه الأفران إلا أنها لم تستخدم أبدا في صر أو لحم النحاس بل كانت تستخدم في فيه تزجيج الأحجار وخاصة حجر الطلق الذي وجدت مشغولاته بكثرة في هذا العصر·
وبعد أن أتقن المصريون فني الصب واللحام، أمكن لهم صناعة مختلف العدد والأسلحة بدءاً من الأسرة الأولى حين أصبح النحاس المادة الرئيسية في الاستخدام وحتى آخر الدولة الوسطى· ونشط المصريون في البحث عن خامات النحاس في أرجاء الصحارى بمصر وقاموا بتنجيمه من مواقع كثيرة في جنوب الصحراء الشرقية وشمالها وفي تمناع بوادي عربة على حدود العقبة (إسرائيل ــــ حالياً) - كما حصل المصريون على خام النحاس عن طريق التجارة من قبرص وبلاد الشام، اللذين ضما ضمن أملاك مصر الإمبراطورية خلال الدولة الحديثة وقت حكم الملك تحتمس الثالث وذلك بغرض السيطرة على مصادر النحاس· وقد اكتشفت مؤخراً أمام ميناء جيلدونيا Gelydonia بتركيا بقايا مركب غرقت في عصر الدولة الفرعونية الحديثة كانت تحمل سبائك وخردة من النحاس خرجت من قبرص في طريقها إلى مصر· ولم يبق شيء يذكر من هيكل المركب، ولكن ما بقي من محتوياتها بين هويتها ومقصدها، فقد كان من ضمنها طلاسم من الجعارين وختم أسطواني وأوزان مدرجة بوحدات مصرية وسورية قديمة تشير إلى أن المركب كانت كنعانية تعمل في نقل البضائع إلى مصر - ولابد أن تجارة النحاس كانت رائجة بين مصر والشام وقبرص في ذلك الوقت· ولم تزد كمية النحاس التي استخرجت من المناجم المصرية على 6000 طن ــــ يبدو أنها كانت كافية لاحتياجات مصر القديمة وحتى وقت الأسرة الثانية عشرة عندما بُدئ في استيراد النحاس من آسيا· وتعتبر هذه الكمية صغيرة جداً بمقاييس عصرنا الحديث ولكنها كانت كافية لاحتياجات مصر في عصرها القديم نظراً لأن استخدام النحاس كان مقصوراً بل واحتكاراً للمك لا تستخدم أدواته التي كانت في خزائنه إلا بأمره ولعمل يطلبه بنفسه كبناء معبد أو القيام بعمل عام، ولم يكن عامة الناس يستخدمونه في حياتهم اليومية·
وقد استخدمت الآلات النحاسية في أغراض شتى وكان من أهم استخداماتها نحت وتشكيل الأحجار والتي بدئ فيها على مقياس واسع في آخر عصر ما قبل الأسرات ووصلت حد الكمال خلال الدولة القديمة التي تميزت بتلك المجموعات البديعة الصنع من الأواني المصنوعة من الحجر من جميع أنواعه بما فيه السهل التشكيل كالمرمر والصعب التشكيل كالديوريت والجرانيت والكوارتز والبورفير والشست وغيره - وقد وجدت الآلاف من هذه الأواني البديعة الصنع في العصر العتيق وفي هرم سقارة· ومن المؤكد أن إتقان فن قطع الحجر وتشكيله هذا كان مقدمة للدخول في ذلك العصر المجيد لفن النحت والتشكيل للحجر الذي شهدته الأسرتان الثالثة والرابعة اللتان اشتهرتا بالأهرامات والمعابد الهائلة· وفي الحقيقة، فإن أعظم المباني الحجرية وأفخم التماثيل تنمي إلى هذا العصر·
تأخر دخول عصر البرونز
وفي الوقت الذي بقي فيه النحاس المادة الأساسية لصناعة الأدوات والأسلحة في مصر اكتشف حضارات أخرى مجاورة مادة البرونز التي تبز النحاس في الخواص - والبرونز هو سبيكة من النحاس والقصدير ومن ميزته أنه أكثر صلادة من النحاس وعلى الأخص بعد طرقه كما أنه أسهل في التشكيل نظراً لقلة درجة الحرارة اللازمة لصهره· واستدخم البرونز في بلاد ما بين النهرين والهند قبل ألف سنة من شيوع استخدامه في مصر، وعلى الرغم من أن مصر جلبت منه بعض الكميات خلال حكم الدولتين القديمة والوسطى إلا أنه لم يدخل في صناعة العدد والأسلحة في مصر إلا في أواخر حكم الدولة الوسطى وأصبح شائع الاستخدام بدءاً من الأسرة الثامنة عشرة من الدولة الحديثة - وقد كلف هذا التأخر في إدخال البرونز واستخدامه، مصر استقلالها فقد استطاع برابرة الجبال الذين كانوا يعيشون في أطراف الصحراء السورية من قبائل الهكسوس الذين عرفوا البرونز وأتقنوا فنون القتال بالعربات غزو مصر والاستيلاء على عاصمتها منف في سنة 1680 ق· م· وقد احتاجت مصر لقرابة القرن الكامل لكي يتعلم أهلها فنون القتال الجديدة هذه وأن يعرفوا صناعة مادة البرونز - فخرج من بين أمراء الصعيد واحد من طيبة ليقود حملة أخرجت الهكسوس من مصر في سنة 1570 ق· م·
وأدخل الهكسوس عدداً من أدوات الحرب الجديدة في مصر كالعربة ذات العجلات ذات الأذرع والقوس المركب والسهام المعدنية المدببة السن والخناجر المسننة والسيوف والبلطة الحربية وربما الدرع والخوذة· كما أدخل الهكسوس فن صناعة البرونز والأفران ذات المنافيخ الكبيرة اللازمة لهذه الصناعة التي انتشرت في السنوات الأولى من حكم الأسرة الثامنة عشرة وأصبحت شائعة وعلى درجة كبيرة من الكفاءة وقت حكم الأسرة التاسعة عشرة حين أتقن فن صناعة الأسلحة من البرونز مما جعل مصر دولة قوية ومهابة·
وقد اكتشفت بعثة متحف هلذرهايم بألمانيا للآثار في منطقة قنطير بشرق الدلتا بقايا مجمع صناعي كبير من عصر الرعامسة (الأسرة التاسعة عشرة) يغطي مساحة 30.000 متر مربع كان يستخدم لصب المعادن ألحق به عدد كبير من الورش المتعددة الأغراض ثم أضيفت إليه بعد ذلك ورشة كبيرة لتصنيع العجلات الحربية، وكانت الورش تقوم بأعمال متعددة كتشغيل الأحجار والجلود والعظم وكأنها في خطوط إنتاج - ووجد بالموقع أفران عديدة وكميات كبيرة من المعادن وخبث كثير وأدوات وعدد كانت تستخدم في عديد من الصناعات المعدنية وصناعة الزجاج في هذا المكان· ويبدو أن الغرض الأساسي من إنشاء هذا المجمع الصناعي هو إنتاج العربات الحربية والأسلحة من البرونز والتي كان أكثرها يصنع على طراز الصناعة الحيثية - وقد وجدت بعض بقايا بعض هذه المنتجات في الموقع - ويبدو أن عمال هذه الورش كانوا من المصريين وغير المصريين أيضاً - وتضمنت صناعة المعادن عمليات الصب والتشكيل على البارد والكبس والربط بالمسامير، وكلها كانت على المستوى الذي يجعلنا نظن أن هذه المصانع كانت من أكثر المصانع حداثة في عصرها· أما الأفران فقد كان لها أنفاق للمنافيخ، ووجدت بجوارها ملاقط خشبية لحمل البواتق المحلمة بسائل الفلز الساخن·
فهذا الكشف لما يمكن أن نسميه بلغتنا الحديثة "المجمع الصناعي - الحربي" في دلتا مصر بالإضافة إلى المجمع المماثل في مدينة هابو بالصعيد يظهر أن بناة الإمبراطورية المصرية من ملوك الدولة الحديثة كانوا موقنين بالأهمية الكبرى للحفاظ على الأسبقية في تقنينات العصر· وكانت المبراطورية المصرية في سنوات مجدها تستورد النحاس من أقاصي البلاد التي كانت تحت حكمها وتنقلها عبر طريق البر والبحر التي كانت تحت سيطرتها - وبالإضافة إلى النحاس فقد مدت الإمبراطورية مصر بحاجتها من مواد الطاقة لتشغيل أفران صناعة البرونز والزجاج وكانتا تحتاجان إلى طاقة عالية - وكان الفحم النباتي هو مصدر الطاقة وكان يصنع من الخشب بعد حرقه في مواقد خاصة لأزالة مواده الطائرة - ومصر بلد فقير في الأخشاب ولذلك فإنها كانت تستورد جزءاً من احتياجاتها على طول تاريخها·
أزمة دخول مصر عصر الحديد
وما إن أتقن المصريون فن صناعة البرونز حتى تمكنت بعض الحضارات المجاورة من اكتشاف مادة جديدة أكثر رخصاً وصلابة هي الحديد الذي غير موازين القوة عندما استخدم في صناعة أدوات الحرب والسلاح على مقاييس واسعة فقد كان الحديد أمضى من البرونز الذي كان عماد الآلة الحربية للنخب الحاكمة من ركاب العجلة الحربية في مصر - ويتميز الحديد بأن خاماته أكثر شيوعاً في الطبيعة من خامات النحاس وبالقطع من خامات القصدير الخامين اللازمين لصناعة البرونز - على أن تقنية صناعته أصعب بكثير من تقنية صناعة البرونز - ففلزا البرونز النحاس والقصدير يسهل اختزالهما من خاماتهما الأولية وسبكهما في درجات حرارة منخفضة نسبياً إلى مادة البرونز التي يمكن أن يتم تشكيلها بالطرق على البارد· أما الحديد فإن خاماته تحتاج بعد اختزالها عند تلامسها مع حبيبات الفحم إلي المزيد من المعالجة حتى تتم تنقيتها وتزيد صلابتها لتصبح صلباً - وينصهر الصلب في درجات حرارة عالية لا يمكن الوصول إليها إلا في أفران خاصة كما أن تكشيله ولحمه لا يتم إلا بالطرق على الساخن· ولعل هاتين الخاصتين كانتا السبب في تأخر اكتشاف الحديد فقد احتاج بناء أفران درجات الحرارة العالية وتطوير المطارق المناسبة للطرق على الساخن إلى وقت طويل·
وكان لاكتشاف الحديد أثره الكبير على المجتمعات البشرية فبالإضافة إلى أثره الكبير على صناعة السلاح فقد كانت له آثار اجتماعية كبيرة - فقد أمكن لشيوعه أن ينتشر استخدامه بين مختلف طبقات المجتمع فأمكن للفلاح البسيط أن يمتلك منجلاً أو محراثاً ذا سلاح حاد مما أدى إلى تحسن الأداء وزيادة الإنتاجية وإلى تحقيق بعض الفائض الذي استخدم في شراء مختلف منتجات الحرفيين مما أدار عجلة التغيير وساهم في بناء مجتمعات أكثر حيوية وحركة - أما عن أثر الحديد على نتائج الحروب فقد ان حاسماً فقد أعطت الأسلحة المصنوعة منه لمالكيها ميزة هائلة·
ولا يعرف بالضبط متى عرفت مصر فن صهر وصناعة الحديد وإن كان من المؤكد أنها كانت آخر بلاد الشرق الأوسط التي دخلت عصر الحديد· هذا على الرغم من معرفة المصريين به في وقت مبكر، فقد وجدت مشغولاته منذ ما قبل الدولة الحديثة وحتى حكم الأسرة الثانية والعشرين في الكثير من المقابر وأغلب الظن أن هذه المشغولات جاءت عن طريق التجارة أو الهدايا التي كانت تأتي من بلاد الحيثيين التي عرفت الحديد قبل أن يدخل مصر بخمسمئة سنة على الأقل - وقد دخل الحديد مصر حواليا لقرن السادس قبل الميلاد·
وكان للدخول المتأخر لمصر في عصر الحديد أن فقدت مصر مكانها المتميز الذي احتفظت به لسنوات طويلة فراحت إمبراطوريتها وهانت سلطة ملوكها ولم يعد أحد من خارج حدودها يخشاها وفقدت سيطرتها على طرق التجارة التي كانت تحمل إليها الخامات والمحروقات التي كان الحصول عليها لازماً لدخول عصر الحديد - وبسقوط الإمبراطورية انتهى تاريخ مصر القديمة العظيم ولم تعد مصر بلد الملوك العظام ورجال الدولة ذوي الوزن والحكمة·وبعد هذا السقوط بخمسمئة عام ظلت مصر فيها في سبات وانحطاط جاءها الغزاة من آسيا ومن نفس المكان الذي جاءها منه الهكسوس غزاة البرونز بجيوشهم المدججة بأسلحة الحديد فدمروها وحرقوها في سنة 675 ق· م· وكان ملك آشور هو أول من أعد جيشاً مزوداً بكامله بأسلحة من الحديد فاكتسح العالم القديم كله وجعل للحديد بأساً تردد صداه جيلاً بعد جيل·
الخلاصة:
في سنة 1160 ق· م· مات الملك رمسيس الثالث آخر أعظم الفراعنة وبموته خرجت مصر من التاريخ بعد ثلاثة آلاف سنة من الحضارة التي سادت العالم وكانت فيه رائدة في كل الأنشطة الإنسانية· ومع أن المصريين لم يكونوا الأسبق في اكتشاف الزراعة أو صنع الفخار أول من صهر المعادن أو أي من الابتكارات التقنية الجديدة التي غيرت التاريخ إلا أنهم كانوا أم تبنى هذه المستحدثات التي نقولها عن حضارات ما بين النهرين أو البلاد المحيطة بهم واتقنوا فنونها وطوروها· وعندما ظهر مينا مؤسس مصر الموحدة كانت فنون الزراعة وصهر المعادن والكتابة والعربات ذات العجلات والمباني الهائلة معروفة لحضارات ما بين النهرين ولكن سرعان ما انتقلت هذه الفنون إلى مصر فأخذتها عنها وحورتها لتلائم أحوالها ونمت بها حتى بزت الحضارات التي أخذتها عنها· ولعل هذا هو أهم دروس تاريخ مصر القديم أن الانفتاح الحضاري والاستعداد لقبول مبتكراته وأفكار الغير وتحويرها لتوائم متطلبات المجتمع هو أهم دعامات التقدم بل والبقاء·
وفي الحقيقة، فإن مصر استطاعت وبفضل قدرتها الفائقة على مسايرة التقنيات الجديدة ولثلاثة آلاف سنة أن تباري جيرانها وأن تقود حياة مستقلة ومليئة بالحيوية، وخلال هذه السنوات الطوال لم تفقد مصر استقلالها إلا فترة قصيرة حين غزاها الهكسوس الذين جاءوها من سهول آسيا بتقنيات جديدة وأدوات حرب لم يخبروها، وعاد لمصر استقلالها عندما اتقنت استخدام هذه الأدوات، أما السقوط الأخير لمصر فقد حدث عندما لم تستطع أن تجاري المستحدثات التقنية والحربية التي جاءت مع عصر الحديد فقد احتاج اللحاق بهذا العصر إلى موارد طبيعية لم تكن في حوزتها، وكان الخشب أهم هذه الموارد باعتباره مادة المحروقات الأساسية في العالم القديم، وكان الخشب لازماً بكميات هائلة لتزويد أُفران الاحتراق الداخلي ذات درجات الحرارة العالية، والتي كان يصهر فيها الحديد ويشكل· وكان إنتاج طن واحد من الحديد في حاجة إلى حرق أكثر من ثمانين شجرة ناضجة· وهو الأمر الذي كان صعب التحقيق في معظم بلاد الشرق الأوسط القاحلة·
لذا فإن سقوط الحضارة المصرية القديمة يعود في المقام الأول لما يمكن ن نسميه بلغتنا الحديثة أزمة في الطاقة التي لم تستطع أن تواجهها·
*الكتب وجهات نظر العدد السادس يوليو 1999
** استاذ الجيولوجيا - الولايات المتحدة