رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 29 ربيع الآخر - 6 جمادى الأولى 1420هـ - 11 - 17 أغسطس 1999
العدد 1389

إطلالة على فنه القصصي وشخصيته النبيلة
أنطون تشيخوف هجّاء ساخر كشف أقنعة البشر وزيفهم

·         كان يحرص على تشجيع الكتاب المبتدئين ويجاملهم أحياناً

·         أكثر ما توقف عنده في أدبه "الابتذال" في العلاقات  الاجتماعية

·         قصصه رشيقة وحيوية وغنية بتفاصيل الحياة

·         مات شاباً ونقل جثمانه في عربة للقواقع البحرية

 

كتب المحرر الثقافي:

يعد أنطون تشيخوف "1860-  1904" رائد القصة القصيرة إلى جانب الكاتب الفرنسي غي دي موباسان، ولكن أهميته تكمن في أنه أول من كتب القصة القصيرة جدا، بالإضافة إلى أن أسلوبه الفني ظل يحتفظ بإشراقة واستمرارية حتى الآن، إذ لا يمكن تصنيف تشيخوف على أنه "قديم" أبدا·

 

شخصية نبيلة

 

كتب تشيخوف القصة والمسرحية والرواية ونال اعجاب النقاد وكتّاب عصره الكبار مثل تولستوي وكوبرين ومكسيم غوركي، وقد تميّز بصفات إنسانية راقية جدا، فهو متواضع ومهذب ولطيف وأنيق ودمث جدا، غير أن أهم صفة إنسانية فيه كانت حبه الحقيقي للشعب ولا سيما الطبقات الفقيرة المسحوقة، إذ كان يهجس في حياته اليومية بمشكلات هؤلاء المعذبين، ولا سيما فئة المعلمين الذين كان يرى فيهم مستقبل روسيا، ويدعو دائما إلى ضرورة تحسين ظروفهم المعيشية، ليتمكنوا من تثقيف أنفسهم فهم رسل المعرفة في أرجاء الأرض·

وكان تشيخوف يحرص دائما على تشجيع الكتاب المبتدئين ويجاملهم أحيانا، لأنه كان يؤمن أن النقد القاسي قد يحبط الكاتب ويعوق تقدمه، فكان يترك للتجربة والزمن أن يحكما الحكم الحقيقي على أي كاتب، وكان يوصي هذا الكاتب بالكتابة الدائمة فهي وحدها التي ستجعله يتطور ويتقدم·

 

كشف الأقنعة

 

تمتع تشيخوف بقدرة عجيبة على التقاط تفاصيل الحياة ومفارقاتها ، فإنه - وهو الطبيب الذي اعتزل الطب - يغوص في أعماق المجتمع وأغوار النفس البشرية ليضع يده على الجانب الخفي الدقيق للمشكلة التي يعالجها بأسلوب بسيط وجميل وساخر· وأكثر ما توقف عنده في أدبه الابتذال الذي يسود حياة الناس، والذي يجعلهم يلبسون الأقنعة التي تحجب حقيقة إنسانيتهم، فكان لا يفتأ يكشف عنهم هذه الأقنعة ويعيد إليهم تلقائيتهم وبساطتهم وحقيقتهم ·

وغالبا ما تكون هذه الأقنعة نفسية تتجلى في النفاق الاجتماعي، أو سلوكية كالاستعراض والتباهي والاهتمام بـ "الاتيكيت" والعادات الارستقراطية، أو شكلية تكمن في اللباس والمأكل والمشرب··

من هنا كانت شخصياته في معظم الأحيان تجسيدا لهذا الابتذال والزيف والنفاق، ففي قصة "الحرباء" مثلا نرى مفتش الشرطة يتلون بحسب الموقف، فهو تارة مع ذلك الرجل الذي عضه الجرو، ملتزما القانون بصرامة، وتارة ضده حين يسمع أن الجرو لأحد الجنرالات الكبار، وهكذا يغدو القانون سلاحا بيد الأقوياء ضد الضعفاء، ولا يكون يوما مبنيا على العدل والمساواة·

تشيخوف يختار إذاً حوادث صغيرة لتكون نافذة على قضايا كبيرة تتعلق بالمجتمع بصورة عامة، في لهجة انتقادية ساخرة غير مباشرة، ولعل في هذا مكمن أهميته الحقيقية وباعث خلوده في تاريخ الأدب·

 

هجاء اجتماعي

 

وهو حين يصور في "دموع لايراها العالم" ذلك الزوج القوي الشديد ذا المركز الاجتماعي المرموق والعنجهية البرجوازية الواضحة، والجبان الضعيف الهش أمام زوجته السليطة، فإنما يزيل الغطاء عن طبقة اجتماعية كاملة تستقوي على المجتمع في حين أنها، متهاوية من الداخل ومزيفة وتافهة·

وهو لا يكتفي بهجاء الطبقات العليا في المجتمع فإن الطبقة الدنيا هي أيضا تحمل الكثير من أمراض النفاق والابتذال، وتعاني فصاما اجتماعيا شديدا،كما في قصته "البدين والنحيف" إذ تنقلب لهجة النحيف الذي قابل صديقه القديم البدين بفرح غامر وتلقائية يذكره بالماضي حين كانا معا ، ويمزح معه من غير كلفة، ولكن حين يعرف أن هذا البدين أصبح موظفا كبيرا في الدولة يصبح هذا الصديق "صاحب السعادة" يخاطبه بصيغة الجمع·· أي ابتذال أصاب النفس البشرية في هذا العصر!

 

الإنسان الصادق

 

إن تشيخوف يتذمّر من سطحية البشر الذي ينشغلون بتوافه الأمور عن النبع الحقيقي الذي يمتلكونه وهو البساطة والطيبة والمحبة، النبع القادر  على جعل المجتمع سعيدا حقا، فكان يريد من الإنسان أن يكون إنسانا فحسب من غير قشور تغطي حياته ومن غير زيف يطبع سلوكه وتصرفاته، ولذلك قدّم لنا نماذج إنسانية رائعة صادقة إلى أبعد حد كما في قصة "فانكا" ذلك الطفل الصغير الذي يعمل خادما ويرسل رسالة إلى جده يخبره فيها عن معاناته في العمل ويطلب منه الحضور ليخلصه من هذا الواقع المرير الذي يذكر تفاصيله الصغيرة كأي طفل، ثم يختم الرسالة ويكتب العنوان على الشكل التالي: إلى قرية جدي·· وينام سعيدا تداعبه الأحلام الجميلة· إنّ هذه اللحظة الإنسانية المؤثرة لا يمكن أن يلتقطها الا عبقري فذ كتشيخوف، وفي قصة "وحشة" لا يجد الحوذي الذي مات ابنه للتو أحدا يشكو له حزنه الأسود ، فالكل منشغل بدنياه، ومن سيلتفت إلى قلبه المعذب الذي يحترق ألما، فهو إنسان فقير وبسيط من سيضيع وقته الثمين لسماع قصته·· وهكذا لا يجد إلاّ حصانه يبثّه قصته التي تتدفق والحصان يزفر على يده بحميمية·

 

فن ·· حيوي

 

لا يلجأ تشيخوف إلى وصف المشاعر وإنما يترك الموقف نفسه يفيض بالمشاعر، وهذه ميزة خاصة طبعت كتاباته، فهو لا يقول إن هذا حزين أو سعيد أو خائف أوجميل·· ولكنه يصور شخصياته في موقف الحزن أو السعادة أو الخوف وغير ذلك، فيبعث الحياة في الفكرة أو الشعور ويجعل القارىء متصاديا معه، وهو يركز في المقام الأول على الحوار في وصف الشخصية وفي تنمية الحدث القصصي فيأتي الحوار مناسبا للشخصية وتكوينها النفسي، فنرى البسطاء يتلجلجون في الكلام وتتراكب جملهم اضطرابا، كما نرى علية القوم يتخيرون الألفاظ الفخمة المناسبة لارستقراطيتهم وغطرستهم·

تتميّز قصص تشيخوف بالتشويق منذ بدايتها، فهو لا يطيل على القارىء ولا يفرق في الوصف وإنما يقودنا إلى الحدث الرئيسي منذ الأسطر الأولى، مما يسم قصصه بالرشاقة والحيوية· أما أحداث قصصه فهي بسيطة من الحياة اليومية إذ يلتقط هذا الكاتب الحساس مواقف إنسانية بسيطة في مظهرها عميقة في دلالتها، فهو لا يميل إلى الأحداث الجسام ولا العلاقات المعقدة "شأنه في ذلك شأن معظم الكتاب الروس" غير أنه يبرع في رصد التحول النفسي والسلوكي لدى الشخصيات كما في قصته "العنبر رقم  6" التي تتحدث عن طبيب ذي مزاج حاد يعمل في مصح بائس للأمراض العقلية، وحين يعايش مأساة كل مريض من مرضاه يتحوّل شيئا فشيئا إلى نزيل آخر في هذا العنبر·

ومن سمات تشيخوف أيضا السخرية الذكية القائمة غالبا على المفارقة، إذ إنه يضع أبطاله في مآزق حيوية تكشف حقيقتهم المختبئة وراء أقنعتهم الاجتماعية، وإن كان لا يبالغ إلى حد الكاريكاتورية في رسم الموقف أو الشخصية، غير أن واقعيته الشديدة تكشف عما في الواقع من "كاريكاتور" حقيقي لا ننتبه إليه لأنه يبدو مألوفا في السياق العام لسلوكنا وحياتنا·

 

سلاسلة فنية

 

لقد كان تشيخوف سليل تراث قصصي عظيم، وربما كان أدبه ملتقى الاتجاهات القصصية الروسية، فهو قد أخذ من "غوغول" روح السخرية والاهتمام بالمفارقات بالإضافة إلى الاهتمام بفئات الشعب الفقيرة، كما أخذ من دستويفسكي الروح الإنسانية النبيلة والاهتمام بالنفس البشرية في مآزقها السلوكية مع مسحة من الحزن·

كان تشيخوف ناقدا لاذعا لمجتمعه، ساخرا من مظاهر الزيف فيه، وضع الإنسان نصب عينيه فأراد أن يخلصه من عيوبه التي فرضها عليه فساد النظام الاجتماعي، لذلك نلمس لديه هاجس التغيير، ولو بصورة غير مباشرة، لأن أبطاله في أغلب الأحيان سلبيون تجاه قضاياهم، ولذلك نراه يعوّل على التأثير في القارىء حين يقنعه بفساد الواقع وهشاشته فيجد نفسه رافضا له مدعواً لتغييره، وهو بذلك لا ينفّس هذا الاحتقان عن طريق البطل الإيجابي، وإنما يزيده احتقانا لدى القارىء ليدفعه إلى الفعل، ولعل هذا الأسلوب الفني أكثر مناسبة لوظيفة الأدب الاجتماعية والسياسية من مقولة "البطل الإيجابي" التي نادت بها الواقعية الاشتراكية فأدت دورا تطهيريا "بالمفهوم الأرسطي" سلبيا وأفرغت من هدفها التحريضي·

 

درس فني

 

إن أعمال تشيخوف أصبحت تراثا إنسانيا خالدا، يجد الإنسان نفسه مدفوعا إلى قراءتها كلّ حين، لأنها إنسانية وعميقة وحيوية وغنية بالحياة والتفاصيل الصغيرة، وستظل درسا فنيا دائما للقصة القصيرة، وستظل نصيحة تشيخوف للكتّاب بأن يكون لديهم "خزانة" أفكار يودعون فيها ما يلتقطونه من تفاصيل الحياة والمواقف والمشاهد والأفكار والعبارات إلى حين الحاجة إليها، دعوة لالتصاق الفن بالحياة والإنسان·

عبقري القصة هذا لم يعش طويلا فقد مات شابا "44 سنة" ونقل جثمانه في عربة للقواقع البحرية ولم يسر وراء تابوته إلاّ مئة شخص·· لم تكن روسيا تدرك أنها أنجبت أعظم كاتب قصصي في تاريخها!

طباعة  

الهم السابع
 
أخبار ثقافية
 
إصدارات
 
في ندوة "فن الكاريكاتير في الكويت: قضايا واتجاهات" التي أقامتها "الطليعة"(2-2)
فن الكاريكاتير بذوره في الشارع وثماره مروية باحتراق الرسام

 
جديد د· عبد الله النفيسي
إيران والخليج·· ديالكتيك الدمج والنبذ

 
ضوء
 
قصة
 
نافذة
 
أجراس