رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 29 ربيع الآخر - 6 جمادى الأولى 1420هـ - 11 - 17 أغسطس 1999
العدد 1389

ضوء

النحو العربي ..بعد "السلام"

 

ركان الصفدي

"1"

 

من الطرائف التي نصادفها في حياتنا أن نرى حوارا بين عربي وأجنبي على شاشة إحدى الفضائيات، يتكلم فيه الأجنبي بلغة عربية عرباء أما أخو العرب فيرطن بلغة مكسّرة محطّمة فيها من العامّي أكثر مما فيها من الفصيح·· والأطرف من ذلك أن تجد العربي يتقن اللغة الإنكليزية مثلا بقواعدها ونحوها وصرفها، في حين ينصب الفاعل ويجرّ المفعول، أما الأفعال الخمسة فهي يتامى على موائد·· الكرام!

هل أصبحنا غرباء عن لغتنا أم أصبحت هي غريبة عنا؟

 

"2"

 

كانت "الفصحى" سليقة ينطقها العربي القديم كما ينطق العربي الحديث لهجته المحلية، فهو يتعلمها من المحيط الاجتماعي الفصيح، دون أن يلمّ بشيء من قواعدها النحوية أو الصرفية، وقد روي أن قارئا كان يعمل صبيا القرآن فأراد أن يحفظه سورة "المسد" وليسّهلها عليه أخذ يقطعها إلى مقاطع صغيرة "تبت يدا" فيردّد الصبيّ بعده "تبّت يدان" وحين يقرأ الآية كاملة "تبت يدا أبي لهب " كان الطفل يردّدها وراءه بصورة صحيحة كما هي، لأن سليقته اللغوية جعلته يثبت نون المثنى حين انقطعت الإضافة ، ويحذفها في الإضافة·

ليس هذا درسا نحويا، ولكننا اليوم أمام مشكلة حقيقية هي: أين نحن من لغتنا؟ لا سيما أن اللغة وعاء للفكر والحضارة، ولغتنا الآن معوجّة كفكرنا وحضارتنا!

 

"3"

 

يقولون إن لغتنا صعبة، لا يمكن للإنسان أن يلمّ بقوانينها ، وهي إن كانت كذلك فإنها في جميع الأحوال أسهل من الصينية واليابانية بل الألمانية أيضا، ولذلك ليس عجيبا أن ترى الطلاب الصينيين كانوا يحصلون على أعلى درجة في مادة النحو في الجامعات العربية، يبزّون بها زملاءهم العرب، ويعلنون باندهاش: كم لغتكم سهلة!

المشكلة إذاً هي - في المقام الأول فينا وفي نظرتنا إلى لغتنا واحترامنا لها، واستخدامها والتفكير بها، إذ لا ينفصل الفكر عن اللغة، ونحن نفكر بالعامية، ونعبّر بالفصحى ويبقى السؤال: هل اللغة الفصحى قادرة على ملازمتنا في حياتنا اليومية؟ بالطبع·· لا!

 

"4"

 

العامية ليست حلا، لأنها تفِّرق بين العربي وأخيه الشقيق المتلهّف لمعانقته ليطعنه في ظهره، ولا لأنها تعزّز الكيانات القطرية في عصر الوحدة الأوروبية، ولكن لأن العامية لم تتطور بالوتيرة التي تطورت فيها الفصحى، إذ إن جميع الإنجازات الحضارية العربية دوّنت بالفصحى مما جعلها قادرة على استيعاب الحضارة أكثر من العامية·

ولكن أي "فصحى" نريد؟ هل هي لغة المعاجم "وصوابها معجمات" أم لغة متاحف اللغة المسماة "مجامع اللغة العربية" التي تحولت إلى مراكز قطرية بحتة، والتي تغرق في الظلال والعتمة منعزلة عن الحياة كالمكتبة الوطنية في الكويت لا يزورها إلا موظفوها؟! إنها"فصحى" الحياة: المدرسة، الصحيفة، الكتاب ، التلفزيون، أفلام الكرتون ·· فصحى نجيب محفوظ  ومحمود درويش ومحمد عابد الجابري ومحمد حسنين هيكل·

إنها فصحى أناشيد الأطفال وبرامجهم "ليس منها ماما أنيسة طبعا" وألعابهم ومسابقاتهم ومجلاتهم "ليس منها مجلات السوق طبعا"·

 

"5"

 

لا شك في أن "النحو" قانون اللغة الذي يجب أن يطبق بنزاهة، فلا يجوز أن يخرق كما تخرق القوانين والدساتير والمواثيق والعهود العربية، ولكن أليس من المستهجن أن نطبِّق قانونا يعود عمره إلى أكثر من ألف وثلاثمئة عام؟! أيّ رعيّة تستطيع تحمّل ذلك غيرنا نحن العرب الذين استمرأنا الذل منذ قرون؟! مع أن النحو العربي وضع على أساس المنطق الفلسفي اليوناني بالتحديد، ونعني بذلك نظرية "القياس" وهي نظرية منطقية وعظيمة غير أن تطبيقاتها مدمّرة في كثير من الأحيان مثلما كانت تطبيقات ستالين والستالينات الأصغر للنظرية الماركسية·

ليس التذمر من نظرية النحو العربي جديدا، إذ إننا نأخذ بنظام النحو الواحد والحزب الواحد، فنحونا اليوم هو "النحو البصري" فقط، أما النحو "المعارض" فهو في السجن أو المنفى أو الإقامة الجبرية، كالنحو الكوفي مثلا، ونحو ابن مضاء القرطبي الأندلسي في كتابه "الرد على النحاة" وهناك الكثير من حالات التمرّد المعاصرة: العلايلي وشوقي ضيف والأنطاكي والمخزومي والعلوي··

وهناك من يريد أن يؤسس نحوا جديدا بقواعد جديدة ولجنة مركزية جديدة مثل الراحل محمد الكسار في كتابه "المفتاح في تعريب النحو" إذ يطلق فيه نظرية "الفاعلية" وهي طريفة ومنطقية وشائقة جدا·

 

"6"

 

وهناك من يرى - مراعاة لمقتضى الحال - أن نسقط من لغتنا حالة الرفع بعد أن طأطأنا رؤوسنا لنجمة داود، ونحذف الضمة لانضمامنا إلى معسكر "السلام" والفتحة لأننا أغمضنا أعيننا منذ زمن بعيد عن حقائق التاريخ، ولا نبقي في لغتنا إلا الكسرة لكثرة انكساراتنا فهي علامة الجرّ الكافية لجرّ أمتنا العربية خارج الجغرافيا والتاريخ معا!

طباعة  

الهم السابع
 
أخبار ثقافية
 
إصدارات
 
في ندوة "فن الكاريكاتير في الكويت: قضايا واتجاهات" التي أقامتها "الطليعة"(2-2)
فن الكاريكاتير بذوره في الشارع وثماره مروية باحتراق الرسام

 
جديد د· عبد الله النفيسي
إيران والخليج·· ديالكتيك الدمج والنبذ

 
إطلالة على فنه القصصي وشخصيته النبيلة
أنطون تشيخوف هجّاء ساخر كشف أقنعة البشر وزيفهم

 
قصة
 
نافذة
 
أجراس