الكويت - كونا: حفل الخطاب الذي القاه رئيس النظام العراقي صدام حسين بمناسبة الذكرى الـ 11 لانتهاء الحرب العراقية الإيرانية بالكثير من المفارقات الباعثة على الأسى بشكل يعكس عزلة هذا النظام وتخبطه واجادته التامة للعبة خلط الأوراق والخروج عن السياق·
فلأول مرة يعترف رئيس النظام العراقي علناً وصراحة بارتكابه ما وصفه بـ "تصور خاطئ" في سياسته وعلى الرغم من سعيه لتبرير هذا الخطأ إلا أنه عاد وفي خطاب حافل بالتناقضات والمفارقات إلى التهديد ضمناً باللجوء إلى خيار حافل بالتناقضات والمفارقات إلى التهديد ضمناً باللجوء إلى خيار القوة إزاء إيران بما يثبت مجددا جمود الفكر والأسلوب السياسيين لدى هذا النظام على الرغم من كل ما مر به·
وكان استخدام صدام حسين لعبارة "تصور خاطئ" في وصفه لقرار إرسال طائرات العراق إلى إيران قبيل عملية عاصفة الصحراء قبل نحو تسع سنوات عنواناً رئيسياً لوسائل الإعلام التي لم تعتد هذا الأسلوب العراقي إلا أن صدام أصر على تضمين الخطاب نفسه عباراته المستهلكة من قبيل "أم المعارك" و"العدوان الثلاثيني" وغير ذلك وهي المفارقة الأولى في خطابه·
ولا شك إنها مفارقة غريبة ألا يعترف صدام سوى بمثل هذا الخطأ في الحسابات الذي يمكن اعتباره هامشياً مقارنة مع أخطائه الكبيرة لاسيما غزوه الكويت عام 1990 واستمراره حتى الآن في تبرير هذا الخطأ بل والاحتفال به·
كما أن إشارة صدام في خطابه إلى وجود أسرى عراقيين في إيران حتى الآن وإسهابه في شرح معاناتهم ومعاناة ذويهم وادعائه عدم سماح إيران للصليب الأحمر بالكشف عن ظروف أسرهم تعيد إلى الأذهان وبطريقة درامية رفض بغداد للصليب الأحمر بالبحث أن أسرى الكويت وكذلك مقاطعة النظام لاجتماعات اللجنة الدولية الثلاثية الخاصة بهؤلاء الأسرى منذ ديسمبر الماضي وتلك هي المفارقة الثانية·
في الوقت الذي يشير فيه صدام حسين إلى قيام إيران بـ "حالات عدوانية أخرى معروفة من بينها استخدام الطائرات الإيرانية للقيام بغارات عدوانية على أهداف في عمق العراق و"استخدام الصواريخ أيضاً للغرض نفسه"·
في إشارة إلى الهجمات الإيرانية على قواعد جماعة مجاهدي خلق المعارضة المتواجدة على الأراضي العراقية نجده يغفل عن ذكر دخول القوات التركية عشرات الكيلو مترات شمال العراق بشكل متكرر وذلك في اختزال انتقائي فاضح لمفهوم السيادة الوطنية للعراق·
وإذا كان للخطاب الذي ألقاه صدام حسين انعكاسات ومدلولات سياسية عدة فلعل أحد تلك المؤشرات وأهمها تنصب على تأكيد أن العراق بعد كل ما حدث لايزال لا يجيد لعبة السياسة وحرفيتها·
فمنذ أن قام بمبادرته الغريبة والباعثة على المفارقة المؤلمة عندما أعلن عقب أيام من غزوه الكويت عام 1990 كأنه لم يكن وأعطى لإيران ما ادعى إنه حارب من أجله طيلة الثماني سنوات وصدام حسين لا يريد أن يرسو على بر كما يقول مراقبون تجاه سياسته إزاء إيران·
ففي كل عام وفي ذكرى انتهاء الحرب العراقية الإيرانية التي بدأت عام 1980 ووضعت أوزارها عام 1988 كان لرئيس النظام العراقي لهجة وخطاب مغاير متناقض فمرة تمثل إيران له الجارة المسلمة ليعود بعدها إلى التهديد والوعيد ثم يرجع ويبعث وزير خارجيته محمد سعيد الصحاف إلى إيران بهدف ما أسماه بالتنسيق بين البلدين ثم يتهم طهران بأنها تنتهك السيادة العراقية ليقدم بعدها على إطلاق مبادرة في شأن السماح للإيرانيين بزيارة العتبات المقدسة في العراق وذلك في أجواء احتفالية تنم عن عدم معرفة صدام بما هو المفروض عمله·
وها هو صدام الآن يعتبر إيران عدواً ومصدراً للتهديد بل إنه ذهب إلى أبعد من ذلك عندما اتهم شريكه "إيران" في نظرية الاحتواء المزدوج الأمريكية بأنها تقوم بمهمة الحصار الميداني بما يطمع ويشجع ويردف العدوانيين الأمريكان والصهيونية في الاستمرار بقتل شعب العراق بكل الوسائل·
ويذهب رئيس النظام العراقي مع إيران الموضوعة تحت لائحة الدولة الراعية للإرهاب لدى الأمريكيين إلى اعتبارها مشاركة لـ "المخابرات الأمريكية والصهيونية وأعوانهما في احتلال مدينة السليمانية في شمال العراق بعد وقوع العدوان الثلاثيني على العراق" في إشارة إلي عملية عاصفة الصحراء التي حررت دولة الكويت بمشاركة أكثر من 30 دولة·
ويقول مراقبون إن المفارقة الصارخة والتي ليس لها علاقة بهذا الخطاب بل بالسياسة العراقية بشكل عام هو أنه في الوقت الذي يسير فيه النظام العراقي على طريق العزلة السياسية غير المسبوقة للعراق في تاريخه الحديث تبدو إيران التي كانت ولاتزال عند واشنطن الطرف الثاني في نظرية الاحتواء المزدوج وهي ماضية من ساحة إلى ساحة في معركتها ضد سياسة العزل الأمريكية محققة نجاحات دبلوماسية يشار إليها بالبنان ابتداء بتقاريرها مع دول مجلس التعاون الخليجي وترطيب العلاقات مع الأردن ومصر مروراً بإجبار أوروبا على إقامة شراكات اقتصادية مهمة معها وعلاقتها المميزة مع روسيا والصين انتهاء بالدور الإيراني المتعاظم في آسيا الوسطى وحوض بحر قزوين·