· العوضي: الرمزية أرقى أنواع الكاريكاتير تجعله لغة عالمية
· مقبول: رسامو الكاريكاتير الكويتيون يلجؤون إلى الرمزية هرباً من المشكلات
· رجب: استخدام الرموز الواضحة لأن رسام الكاريكاتير يرسم للناس
· بعض رسامي الكاريكاتير يرسمون مشاكل الناس دون قضية
· بعضهم يرسم الكاريكاتير كأنه يكتب عموداً صحفياً أو مقالة
كتب المحرر الثقافي:
في الجزء الثاني من ندوتنا "فن الكاريكاتير في الكويت: قضايا واتجاهات" التي أقيمت في مقر الطليعة مساء الثلاثاء تابع المشاركون طرح قضاياهم وآرائهم القيّمة التي كشفت الكثير من أسرار هذا الفن الجميل والحميمي، وأوضحوا الكثير من الأمور التي يمكن أن تلتبس على المتابع لفن الكاريكاتير، فإن الدخول إلى عالم الفنان مغامرة ممتعة ومغرية، ومن حسن حظنا أن فنانينا كانوا تلقائيين واضحين قريبين إلى حرارة القلوب، وليس هذا إلا دليلاً على أن فنان الكاريكاتير لا يمكن أن يضع قناعاً على روحه ولاسيما أنه سيظل دائماً كاشف الأقنعة وممزقها·
الكاريكاتير الكويتي··· رمزي
"الطليعة": هل يعني هذا أن فن الكاريكاتير في الكويت سيتحول إلى الرمزية بسبب الرقابة؟!
- عبدالوهاب العوضي: الرمزية أرقى أنواع الكاريكاتير لأنها تجعل الكاريكاتير مفهوماً من الجميع، تجعله لغة عالمية، والفنان ينتشر بهذه الطريقة، وهذا أمر إيجابي، أفضل مما لو يرسم الفنان كاريكاتيراً ويستخدم فيه التعليق والكلام فهذا كاريكاتير وقتي ولحظي لا معنى له· أنا مثلاً قدمت للكنديين بعض رسوماتي ففهموها، فأنت هنا كأنك تؤلف كتاباً مفهوماً لهم بدلاً من أن تؤلف كتاباً تحتاج إلى ترجمة لكي يفهمك الآخرون، فالرمزية جيدة جداً وراقية، ونحن ندعو إلى الرمزية·
"الطليعة": نلاحظ أن هناك اتجاهين في رسوم الكاريكاتير في الكويت، فبعض الفنانين يستخدم الصورة فقط، وبعضهم الآمر يستخدم الكلام مع الصورة، فما دور الكلمة في رسوم الكاريكاتير؟
- عبدالسلام مقبول: أرى أن معظم الرسامين الموجودين على الساحة الصحفية الكويتية الآن يتجه إلى الرمزية أكثر مما يتجه إلى التعليق، وهذا أمر إيجابي طبعاً، ولكن أعتقد أن الرسام أحياناً يضطر إلى أن يضع تعليقاً ليعطي المعنى الذي لم يستطع أن يوصله بالرمزية، فهذه سمة الصحافة الكويتية أن رساميها الذين يعانون يلجؤون إلى الرمزية كي يبتعدوا عن المشكلات ولكيون لهم انتشار أوسع في الساحة العربية·
- العوضي: ما أقصده أن الحوار ليس فيه فكرة ولا خلق دائماً، وعدم الحوار هو الذي يخلق فكرة، يمكن أن تكون هناك كلمة واحدة مثلاً ولكنها تكون رمزية، فكلمة مثل "الديمقراطية" يمكن أن تتحول إلى رسمة وتصبح تشكيلاً·
"الطليعة": ولكن الكلام يعطي الرسمة أحياناً طابعاً فولكلورياً···
- العوضي: ليس دائماً، إذا كانت الكلمة المختصرة جداً مع الرمزية فلا بأس، أما إذا كان هناك حوار كأن يكتب الفنان ثلاث جمل في دائرة فوق الشخصية في الرسمة ويكتب ثلاث جمل في دائرة ثانية رداً على الأولى فهذا ليس كاريكاتيراً، وإنما هو حوار ونكتة فقط· الفنان المبدع هو الذي يخلق شيئاً، لا أن يرسم نكتة سمعها في الديوانية ويقول أنا رسام كاريكاتير·
"الطليعة": ولكن يجب أن يظل جانب السخرية موجوداً، أليس كذلك؟
- العوضي: جانب السخرية موجود، ناجي العلي مثلاً يكتب حواراً، لماذا؟ وهناك أناس كانوا ينتقدونه لأنه كان يكتب حواراً، ولكن في الوقت نفسه هناك رمزية، هو يكتب حواراً لأنه كان ذا قضية ومشكلة سياسية، ومن خلال هذه المشكلة كان لابد من أن يكتب حواراً لفضح رموز معينة بطريقة ساخرة، في هذه الحال الأمر طبيعي· الحوار الذي كتبه ناجي العلي دفع ثمنه، فالحوار هو الذي اغتال ناجي العلي·
الكلام قيد للقارئ
-
رجب: أرقى أنواع الكاريكاتير هو الرمزي طبعاً أو استخدام الخطوط البسيطة لطرح فكرة عميقة، وبالنسبة إلي شخصياً استخدم الرسم مع الكلام أو من غير كلام، وأحياناً أضع تعليقاً بسيطاً، وحين أضع كلاماً في الرسمة أعتبره نوعاً من الضعف، والسبب في ذلك أنك رسام يومي وفي كثير من الأحيان تحس بضغط العمل والوقت وأن عليك أن تقدم عملاً في فترة محددة، مما يدفع الفنان إلى الاضطرار أحياناً لوضع تعليقات أو كتابة، ولكي لا تفهم الرسمة خطأ، ولكن حين تضع الكتابة يفترض أن تكون موازية للرسمة بحيث إذا حذف الرسمة لا يعود الكلام مفهوماً، وإلا ما كان كاريكاتيراً·
حتى عند ناجي العلي فأنت لا تستطيع أن تفصل المكتوب عن الرسمة، إذ تكون في ذهنك دائماً الرسومات مع التعليق مع الكتابة، وهذا يحتاج إلى قدرة أيضاً فليس كل فنان قادراً على ربط الأمرين معاً· ولا يجب تكون الكتابة متكلفة، إذ ترى بعضهم يأخذ كل كلمة ويرسم عليها ويضع تعليقاً· في بعض الأحيان توحي كلمة بالرسمة، وأذكر رسمة للعوضي، كلمة (العراق)، وعلى حرف العين مكبر يظهر فيها جماجم، فهذه كتابة ولكن لا يمكن فصلها عن الرسمة والفكرة·
يضطر الفنان أحياناً إلى وضع تعليق لتوضيح فكرة، ولكن هذا يدفع القارئ إلى أن يتجه اتجاهاً معيناً، وهذا في اعتقادي غير صحيح، إذ من المفروض أن القارئ يصل إلى الفكرة ويفسرها بنفسه· وتجد بعضهم يكتب عموداً من الكلام وتحته شخص جالس إلى الطاولة ويتكلم، وهذا ليس كاريكاتيراً وإنما هو مقال أو نكتة وتحتها رسمة· الكاريكاتير العميق الحقيقي هو ما كان فيه عدد أقل من الخطوط بالإضافة إلى عمق الفكرة واستخدام رموز واضحة لأغلبية الناس لأن رسام الكاريكاتير في الجريدة يرسم للناس·
كيف تولد··· الفكرة؟
"الطليعة": لو دخلنا إلى تجربة كل منكم، كيف تولد فكرة رسمة الكاريكاتير لديكم، هل لها طقوسها أو مسبباتها المباشرة؟
- رجب: لا أدري كيف تولد الفكرة، فأحياناً أبحث عن فكرة فلا تأتي، ولكن يمكن أن تأتيني أكثر الأحيان وأنا أسوق السيارة وقبل النوم، عموماً لا تأتي الأفكار في أوقتها المعتادة، فليس هناك شيء محدد·
"الطليعة": ولكن رسام الكاريكاتير يرسم بصورة يومية مما يجعله دائماً متوجساً متحفزاً لالتقاط أي فكرة عابرة مناسبة، هل هناك وسائل تحريضية للعملية الإبداعية في رسم الكاريكاتير؟
- رجب: ليس عندي طريقة معينة، طبعاً، أنا أقرأ الجرائد وفنان الكاريكاتير يجب أن يقرأ في الكتب ويثقف نفسه، أيحاناً يمكن لمقال أن يعطيك فكرة أو أفكاراً، أذكر مرة كنت أقرأ لافتات أحمد مطر، وأنا أعتبره رسام كاريكاتير مكتوب (مارس أحمد مطر رسم الكاريكاتير) فأثارني وأعطاني بعض الأفكار، أضف إلى ذلك الممارسة والخبرة، ولكن ليس عند طقوس معينة·
- العوضي: وأنا كذلك، فالفكرة تأتي في أي وقت، ولكن كما قال الزميل رجب فإن اطلاعات الرسام على ما يجري في الساحة وقراءته وثقافته ووعيه السياسي وماذا يريد أن يصل إليه، تحدد فكرته· وعلى الفنان أن يرسم دائماً وفق قناعاته هو، وأن يكون هو صاحب الفكرة وليس الآخرين، كأن يأتي محرر ويطلب منك أن ترسم فكرة ما، فأنت هنا منفذ لا رسام كاريكاتير·
موضوعات لا أفكار
"الطليعة": في روسيا كان هناك ناد لرسامي الكاريكاتير، وكانت تطرح فيه أحياناً فكرة عامة، ويطلب من الرسامين أن يعبروا عنها، كل بطريقته الخاصة، فهناك قصدية أيضاً·
- العوضي: هذا مقبول، فلو طلب منا أن نرسم عن موضوع البيئة مثلاً فهذا أمر طبيعي، إذ إن كل واحد يرسم أفكاره الخاصة عن البيئة، ففي الأفكار العامة أمر عادي، فأنت تتعامل مع موضوع هنا لا أفكار محددة·
- مقبول: الشيء الجدير بالذكر هنا أن رسامي الكاريكاتير في الكويت هم دائماً أصحاب الفكرة، ففي أمريكا مثلاً هناك فنانون كبار يرسمون أفكار الآخرين، وهناك صحف كبرى تجد فيها أناساً متخصصين في إيجاد الفكرة وآخرين يرسمون الفكرة·
نحن نتمتع بحرية أن نأخذ أفكارنا وننفذها، وليس هناك فنان في جريدة يقال له: اسم هذه الفكرة· فمثلاً حين تعرض عبدالله النيباري لإطلاق النار كان حدثاً هز الكويت، وفي وقت واحد ظهرت عدة رسوم عن ذلك من دون أن يطلب ذلك من أحد، فنحن نتفاعل مع الأحداث، والفكرة تأتيك في أي لحظة، وأحياناً تتعب وراءها ولا تأتي·
عدسة رسام الكاريكاتير
"الطليعة": هل نستطيع أن نصف كيف تتجسد الفكرة في الكاريكاتير، فالحدث يمر أمام الناس جميعاً ولكن حين يمر أمام عدسة رسام الكاريكاتير فهو وحده الذي يلتقطه، فهناك إذاً عناصر معينة تجذبه دون غيره؟
- مقبول: هذا يكون بحسب قدرة الرسام نفسه، فهناك رسامون لديهم عيون ثاقبة، يستطيعون تناول الموضوع من زوايا معينة، فقدرة الرسام وإمكاناته الفنية والفكرية هي التي تجعل الرسام يتميز، وكذلك الممارسة تجعله قادراً على التقاط هذه الزوايا·
- العوضي: ألح دائما وأقول إنه لكي تبدع سواء في الشعر أو الكتابة أو الرسم لابد من المعاناة، فإذا لم تعان لا تسطيع أن تفعل شيئاً مهماً، يجب أن يكون عند المبدع إحساس بالقضية نفسها، هنا يكون تجسيد الفكرة، فمن يعانِ يبدع ومن لا يعانِ لا يبدع·
"الطليعة": لم لا نقول إنه يجب أن تكون هناك مفارقات معينة تجعل الفكرة صالحة لتكون موضوعاً للكاريكاتير؟
- العوضي: أكيد، وأنا أقول دائماً "الخلق"، وهذا غير الكاريكاتير العادي، وأنا أرى أن بعض الفنانين المصريين لا يعانون، وإنما يرسمون مشاكل الناس ويرونها أمامهم كأنما في مسرح، فمثلاً هؤلاء ليس عذرههم قضية·
"الطليعة": ينقل المشكلة أكثر مما يعبر عنها؟
- العوضي: ينقلها ولا يحسها، ولو كان يحسها لأدخل فيها الرمزية، فالرمزية، مرتبطة بالمعاناة· خذ اللوحة مثلاً، فمن يرسم لوحة تشكيلية واقعية فإنه لا يعيش معاناة، ولكن من يرسم لوحة تجريدية فتأكد أنه يعاني كثيراً لأنها غير مفهومة وفيها رمزية، وهذا هو الفرق بين الحالين· وأؤكد أن الفنان أو الشاعر أو الكاتب إذا لم يعانِ أو يحس مشكلة فلن يخلق منها إبداعاً أبداً·
الرسام يحضر في كل شيء
- رجب: هناك قضية أساسية وهي حضور رسام الكاريكاتير في كل شيء، فمن المفترض أن فنه ليس مجرد عمل وإنما هو جزء من شخصيته، ونظرته إلى الوجود نظرة ساخرة ناقدة، والآراء التي يحملها والمعاناة التي يعيشها تجعله يرى الأمور من جانب مختلف عن رؤية الآخرين لها، فهو يمشي في الشاعر ويرى تصرفات الناس، ويقرأ ويسمع أخباراً جادة ولكنه ينظر إليها من قمة السخرية، وهذا ما يخلق عنده الإبداع، فنظرته الواضحة الناقدة الساخرة للأمور هي التي تخلق الإبداع لديه·
الكوميديا السوداء
"الطليعة": هل رسام الكاريكاتير محكوم دائماً بالقلق والحزن والكوميديا السوداء؟
" رجب :يجب أن يكون هكذا، وإلا فإنه لا يستطيع أن يكون رسام كاريكاتير·
- مقبول: لا أعتقد أن رسام الكاريكاتير يجب أن تكون لديه نظرة تشاؤمية،بل ينبغي أن ينظر إلى الحياة بنظرة الأمل، ولا يعني ذلك أن يغلف نفسه بالحزن والمرارة، ناجي العلي كان مرحاً في حياته الشخصية، فلابد من روح الحب والأمل يخلف منها الكاريكاتير، لا السخرية بمعنى السخرية·
"الطليعة": طبعاً، السخرية غير الاستهزاء، والرسام يضحك الناس على مشكلاتهم·
- مقبول: من الناس من ينظر إلى رسام الكاريكاتير على أنه سوداوي مطحون بالمعاناة، وناس يسألونك عن آخر نكتة، فلا هذا ولا هذا إنما هو إنسان عادي·
الكاريكاتير والرسم للأطفال
"الطليعة": ننتقل إلى موضوع آخر، وهو علاقة فن الكاريكاتير بالرسم للأطفال، سواء كان في مجال رسوم الكارتون أو المجلات أو الكتب، فهل يستطيع رسام الكاريكاتير أن ينقل عالمه إلى عالم الطفل؟
- مقبول: من خلال دراستي للرسم للأطفال ورسوم الكارتون، أعتقد أن فن الكاريكاتير وفن الأطفال عالمان مختلفان، وللأسف عالم الأطفال عالم مهضوم الحقوق عندنا· من الصعب جداً أن تنزل بفكرك وثقافتك وفنك وخبرتك وسنك إلى مستوى تُفهم فيه الطفل، والرسام المتخصص برسم كتب الأطفال يجب أن يراعي قضايا تربوية وعلمية، فله مواصفات خاصة، فليس كل رسام كاريكاتير يصلح ليكون رساماً للأطفال، وإن كان قادراً على الرسم لهم·
- الطليعة": ولكن رسام الكاريكاتير يمارس طفولة ما حين يرسم·
- مقبول: قلت إن عنده قدرة يرسم الشخصيات الكرتونية ولكنه لن يرسمها بالدقة التي يرسمها المتخصصون·
"الطليعة": ولكن ممتاز البحرة فنان كاريكاتير معروف وهو في الوقت نفسه من أشهر الرسامين للأطفال·· وهناك آخرون·
- مقبول: وجهة نظري أنهما عالمان مختلفان·
- العوضي: أنا مع التخصص، ورسام الأطفال لن يكون رسام كاريكاتير سياسي، والرسم للأطفال ليس كاريكاتيراً وإنما هو خطوط كاريكاتورية·
- رجب: الكاريكاتير قبل كل شيء هو فكرة، ولذلك ليس ضرورياً أن يكون الفنان التشكيلي رسام كاريكاتير، وهناك فنانون تشكيليون كبار ولكنهم لا يرسمون الكاريكاتير· والأمر نفسه بالنسبة إلى الرسم للأطفال، وأنا شخصياً حاولت، ورسمت كاريكاتيراً للأطال، وفي الحقيقة واجهت صعوبة لأن ذلك يحتاج إلى خبرة ومعرفة بهذا العالم·
مشروع
وفي نهاية الندوة طرحت فكرة ضرورة أن يكون لرسامي الكاريكاتير في الكويت رابطة تجمع شملهم وتحرض إبداعهم وتسهم في نشر الوعي الجماهيري لهذا الفن عظيم الأثر في المجتمع، كما أنها ستتيح للكثير ممن انقطعوا عن الساحة الإعلامية التواصل الجديد مع جمهورهم، وكذلك فإنها ستكون حافزاً لذوي المواهب الشابة الذين لا يجدون من يرعاهم ويشجعهم··· حقاً كانت ندوتنا مرصعة بضيوفنا!