رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 29 ربيع الآخر - 6 جمادى الأولى 1420هـ - 11 - 17 أغسطس 1999
العدد 1389

قصة

وفاة موظف

 

انطون تشيخوف

ذات مساء رائع كان ايفان ديمتريفيتش تشرفياكوف، الموظف الذي لا يقل روعة، جالسا في الصف الثاني من مقاعد الصالة، يتطلع في المنظار إلى "أجراس كورنيفيل" وراح يتطلع وهو يشعر بنفسه في قمة المتعة· وفجأة·· وكثيرا ما تقابلنا "وفجأة" هذه في القصص، والكتّاب على حق، فما احفل الحياة بالمفاجآت! وفجأة تقلص وجهه، وزاغ بصره، واحتبست انفاسه·· وحول عينيه عن المنظار وانحنى و·· اتش!! عطس كما ترون، والعطس ليس محظورا على أحد في أي مكان، إذ يعطس الفلاحون، ورجال الشرطة بل وحتى أحيانا المستشارون السريون، الجميع يعطس، ولم يشعر تشرفياكوف بأي حرج، ومسح أنفه بمنديله، وكشخص مهذب نظر حوله ليرى ما إذا كان قد ازعج أحدا بعطسه، وعلى الفور أحس بالحرج ـ فقد رأى العجوز الجالس أمامه في الصف الأول يمسح صلعته ورقبته بقفازه بعناية ويدمدم بشيء ما· وعرف تشرفياكوف في شخص العجوز الجنرال بريزجالوف الذي يعمل في مصلحة السكك الحديدية·

وقال تشرفياكوف لنفسه: " لقد بللته، انه ليس رئيسي، بل غريب، ومع ذلك فشيء محرج· ينبغي ان اعتذر"·

وتنحنح تشرفياكوف ومال يجسده إلى الامام وهمس في أذن الجنرال:

- عفوا يا صاحب السعادة، لقد بللتكم·· لم أقصد ··

- لا شيء، لا شيء·

- استحلفكم بالله العفو انني·· لم أكن أريد !

- أوه، أسكت من فضلك ! دعني اصغي!

وأحرج تشرفياكوف فابتسم ببلاهة، وراح ينظر إلى المسرح، كان ينظر ولكنه لم يعد يحس بالمتعة· لقد بدأ القلق يعذبه وأثناء الاستراحة اقترب من بريزجالوف وتمشى قليلا بجواره، وبعد أن تغلب على وجله دمدم:

- لقد بللتكم يا صاحب السعادة·· اعذروني ·· إنني لم أكن أقصد أن··

فقال الجنرال:

- أوه كفاك! أنا قد نسيت وأنت ما زلت تتحدث عن نفس الأمر!

وحرك شفته السفلى بنفاد صبر·

وقال تشرفياكوف لنفسه وهو يتطلع إلى الجنرال بشك: "يقول نسيت بينما الخبث يطل من عينيه· ولا يريد أن يتحدث، ينبغي أن أوضح له أنني لم أكن أرغب على الاطلاق·· وإن هذا قانون الطبيعة، وإلا ظن أنني أردت أن أبصق عليه· فإذا لم يظن الآن فسيظن فيما بعد !"

وعندما عاد تشرفياكوف إلى المنزل روى لزوجته ما بدر عنه من سؤء تصرف ، وخيل إليه أن زوجته نظرت إلى الأمر باستخفاف، فقد جزعت فقط، ولكنها اطمأنت عندما علمت أن بريزجالوف "غريب"·

وقالت:

- ومع ذلك اذهب إليه واعتذر وإلا ظن أنك لا تعرف كيف تتصرف في المجتمعات!

- تلك هي المسألة! لقد اعتذرت له، ولكنه·· كان غريبا·· لم يقل كلمة مفهومة واحدة·· ثم إنه لم يكن هناك متسع للحديث·

وفي اليوم التالي ارتدى تشرفياكوف حلة جديدة، وقص شعره، وذهب إلى بريزجالوف لتوضيح الأمر·· وعندما دخل غرفة استقبال الجنرال رأى هناك كثيرا من الزوار ورأى بينهم الجنرال نفسه الذي بدأ يستقبل الزوار ، وبعد أن سأل عدة أشخاص رفع عينيه إلى تشرفياكوف، فراح الموظف يشرح له:

- بالأمس في "اركاديا" أو تذكرون يا صاحب السعادة عطست و·· بللتكم عن غير قصد·· اعذر··

- يا للتفاهات·· الله يعلم ما هذا! - وتوجه الجنرال إلى الزائر التالي - ماذا تريدون؟

وفكر تشرفياكوف ووجهه يشحب : "لا يريد أن يتحدث·· اذن فهو غاضب·· كلا، لا يمكن أن أدع الأمر هكذا·· سأشرح له "·

وبعد أن أنهى الجنرال حديثه مع آخر زائر واتجه إلى الغرفة الداخلية، خطا تشرفياكوف ودمدم:

- يا صاحب السعادة! إذا كنت اتجاسر على ازعاج سعادتكم فإنما من واقع الاحساس بالندم! لم أكن أقصد، كما تعلمون سعادتكم!

فقال الجنرال وهو يختفي خلف الباب:

- انك تسخر يا سيدي الكريم!

وفكر تشرفياكوف: "اية سخرية يمكن أن تكون؟ ليس هنا أية سخرية على الاطلاق! جنرال ومع ذلك لا يستطيع أن يفهم! إذا كان الأمر كذلك فلن أعتذر بعد لهذا المتغطرس· ليذهب إلى الشيطان! سأكتب له رسالة، ولكن لن آتي إليه، أقسم لن آتي!"·

هكذا فكر تشرفياكوف وهو عائد إلى المنزل، ولكنه لم يكتب للجنرال رسالة· فقد فكر وفكر ولم يستطع أن يدبج الرسالة· واضطر في اليوم  التالي إلى الذهاب بنفسه لشرح الأمر· ودمدم عندما رفع إليه الجنرال عينين متسائلتين:

- جئت بالأمس فأزعجتكم يا صاحب السعادة، لا لكي أسخر منكم كما تفضلتم سعادتكم فقلتم· بل أعتذر لأني عطست فبللتكم·· ولكنه لم يدر بخاطري أبدا أن أسخر· وهل أجسر على السخرية؟ فلو رحنا نسخر، فلن يكون هناك احترام للشخصيات اذاً ··

وفجأة زأر الجنرال وقد أزبد وارتعد:

- أخرج من هنا !

فسأل تشرفياكوف هامسا وهو يذوب رعبا:

- ماذا؟

فردد الجنرال ودق بقدمه:

- اخرج من هنا!

وتمزق شيء ما في بطن تشرفياكوف، وتراجع إلى الباب وهو لا يرى ولا يسمع شيئا، وخرج إلى الشارع وهو يجرجر ساقيه·· وعندما وصل آليا إلى المنزل استلقى على الكنبة دون أن يخلع حلته·· ومات·

طباعة  

الهم السابع
 
أخبار ثقافية
 
إصدارات
 
في ندوة "فن الكاريكاتير في الكويت: قضايا واتجاهات" التي أقامتها "الطليعة"(2-2)
فن الكاريكاتير بذوره في الشارع وثماره مروية باحتراق الرسام

 
جديد د· عبد الله النفيسي
إيران والخليج·· ديالكتيك الدمج والنبذ

 
إطلالة على فنه القصصي وشخصيته النبيلة
أنطون تشيخوف هجّاء ساخر كشف أقنعة البشر وزيفهم

 
ضوء
 
نافذة
 
أجراس