· مثل التجارة في النساء والأطفال من أجل الجنس، هناك الآن - على مستوى العالم - تجارة لبيع وشراء أعضاء الجنس البشري وبنفس أسلوب التجارة المنظمة للمخدرات
· عدم رغبة الأمريكيين في التبرع بالأعضاء يعكس كراهية عميقة للعلم، كما أنه يجبرهم على الاعتراف بأن الموت هو آخر كل شيء، وبما أنهم يرفضون أن يرعى كل منهم الآخر في الحياة·· فِلمَ يفعلون ذلك في الموت؟
· الذين يريدون زراعة أعضاء في أجسادهم مستعدون للسفر إلى أي مكان، وهناك طابور من السماسرة والجراحين وموظفي الحكومة جاهز للقيام بأي شيء للتربح من حاجة هؤلاء المرضى
· في الهند يضطر الآلاف تحت وطأة الفقر لبيع أعضائهم ويتقاضى الواحد منهم ما بين 1000 و1500 دولار في مقابل كليته (ما لم يتعرض للغش) - أما المشترون فأغلبهم من الدول العربية ومن الطبقة الوسطى الهندية الضخمة
ديفيد ج· روثمان **
على مدى الخمس عشرة سنة الماضية، أصبحت زراعة الأعضاء البشرية إجراء طبياً ذا معايير ثابتة، وحققت نجحاً كبيراً، مما مد في عمر الآلاف ممن يعانون من فشل القلب أو الكلى أو الكبد أو الرئتين· إلا أن عدداً قليلاً جداً من الدول هي التي لديها ما يكفي من الأعضاء لتلبية حاجات المرضى· ففي الولايات المتحدة، على سبيل المثال· هناك حوالي 50 ألف شخص على قوائم الانتظار لإجراء عمليات زراعة الأعضاء· وسوف يموت خمسة عشر بالمئة من المرضى الذين يحتاجون إلى قلب جديد قبل أن يتوفر لهم هذا القلب· بل إن النقص أشد حدة في أنحاء الشرق الأوسط وآسيا·
ويبعث هذا النقص في الأعضاء المتاحة، على اليأس، ويرضي الجشع· فالأشخاص الذين ستجرى لهم عمليات الزرع مستعدون للسفر إلى أي مكان للحصول على عضو· وهناك الكثير من الجراحين والسماسرة وموظفي الحكومة الذين سوف يقومون بأي شيء للتربح من هذا النقص· (وفي الهند يتشري الموسرون وأطباؤهم الكلى من الفلاحين الهنود المثقلين بالديون، وفي الصين يحقق الموظفون أرباحاً من تسويق أعضاء المسجونين الصينيين ممن تنفذ فيهم أحكام الإعدام"·
وتجارة الأعضاء العالمية ليست منظمة وتتسم بالفوضى في واقع الأمر· ونحن نعرف الكثير من التجارة في النساء والأطفال بغرض الجنس· ولكننا بدأنا تواً في التعرف على التجارة في الأعضاء بغرض زراعتها·
(1)
والطرق التي يسير فيها الأشخاص الذين يجب أن يزرع لهم عضو من الأعضاء يعرفها كل من الأطباء والمرضى· فالإيطاليون (حيث أقل معدل للتبرع بالأعضاء في أوروبا) يسافرون إلى بلجيكا لإجراء عمليات الزرع، وكذلك يفعل الإسرائيليون الذين أخذوا يذهبون مؤخراً إلى المناطق الريفية التركية ومعهم جراحوهم· أما أهل الخليج والمصريون والماليزيون والنبنغاليون فيذهبون في المقام الأول إلى الهند من أجل الأعضاء، ويسافر أهل المحيط الهادي والكوريون واليابانيون والتايوانيون، وكذلك أهل هونج كونج وسنغافورة، إلى الصين· ويذهب سكان أمريكا الجنوبية إلى كوبا· ومواطنو الاتحاد السوفييتي السابق إلى روسيا بأعداد أقل· وغالباً ما يبقى الأمريكيون في بلادهم، إلا أن الأجانب الموسرين يذهبون إلى الولايات المتحدة من أجل عملية زراعة الأعضاء حيث تخصص بعض المراكز حوالي 10 في المئة من أعضائها لهم·
ورد فعل كل هؤلاء هو نتيجة لنقص الأعضاء الذي أعقب اكتشاف السيكلوسبورين في أوائل الثمانينيات· فحتى ذلك الوقت كانت زراعة الأعضاء إجراءً محفوفاً بالمخاطر وفي طور التجربة، كان في العادة آخر إجراء يمكن اللجوء إليه للحيلولة دون موت المريض؛ ولم تكن المشكلة هي تعقد الجراحة وإنما الجهاز المناعي في الجسم، الذي كان يهاجم العضو الجديد ويرفضه على أنه جسم غريب· وجاء السيكلوسبورين ليقلل رد الفعل دون أن يخمد تماماً ردود أفعال جهاز المناعة تجاه العناصر المسببة للأمراض بالفعل· ونتيجة لذلك شاع في الدول ذات البرامج الطبية المتقدمة زراعة الكلى والقلب التي أصبحت عملية جراحية على درجة كبيرة من النجاح· وعاش ما يزيد على 70 في المئة ممن أجريت لهم عمليات زرع قلب أربع سنوات أخرى بعدها· كما أن اثنين وتسعين في المئة ممن تلقوا كلية من متبرع حي استخدموا تلك الكلية لسنة واحدة بعد ذلك· وعاش بها 81 في المئة من الحالات أربع سنوات، بينما عاش ما بين 40 إلى 50 في المئة عشر سنوات بعد العملية·
كما انتشرت زراعة الأعضاء انتشاراً سريعاً من الدول المتقدمة إلى الدول الأقل تقدماً· وما إن حل عام 1990 حتى كانت عملية زرع الكلى تجرى في تسع من دول الشرق الأوسط، وست من دول أمريكا الجنوبية، واثنين من دول شمال أفريقيا، واثنين من الدول الأفريقية الواقعة جنوبي الصحراء الكبرى، وتعد عمليات زرع الكلى الأكثر شيوعاًحتى الآن، حيث إن المتبرعين بالكلى يمكنهم أن يحيوا حياة عادية بكلية واحدة، بينما تتعرض الكلى للمرض لأسباب عديدة منها ضغط الدم المرتفع المزمن، ومرض السكر الذي يصيب البالغين، والتهاب الكلى (أي التهاب الأوعية الدموية التي تقوم بتنقية الدم)، والأمراض المعدية، التي توجد بشكل أكبر في الدول الفقيرة·· (صحيح أن المتبرع يكون معرضاً لاحتمال إصابة الكلية المتبقية بالمرض، إلاّ أنه في الدول المتقدمة - على الأقل - يعد هذا الاحتمال ضئيلاً)· يضاف إلى ذلك أن أساليب زرع الأعضاء بسيطة نسبياً· فاستبدال قلب بآخر، على سبيل المثال، يسهله أن الأوعية الناقلة للدم التي يجب فصلها عن أحد العضوين وتوصليها بالآخر كبيرة، وهناك سهولة نسبية في التعامل معها· (قال لي أحد جراحي زراعة الأعضاء إذا كنت تستطيع ربط حذائك، يمكنك زرع قلب)·
ومكنت زمالات برامج الجراحة الأمريكية جراحين من أنحاء العالم من إتقان الأساليب ونقلها إلي بلدانهم· وأنشأت دول مثل الهند والبرازيل مراكز لزراعة الأعضاء، في الوقت الذي قد يكون من الأفضل لها أن تستثمر مواردها الطبية في الصحة العامة والرعاية الأولية· وهي ترى في المراكز وسيلة لتعزيز سمعتها، كي تقنع جراحيها بعدم مغادرتها، وكذلك لتلبية احتياجات أبناء الطبقة الوسطى·
وفي الصين، هناك أكثر من خمسين مركزاً طبياً تجري عمليات زراعة الأعضاء، بينما تقوم بذلك مئات العيادات في الهند، ومن الصعب الحصول على معلومات موثوق بها بشأن نجاح تلك العمليات· وهناك تقارير تشير إلى الإصابة بالتهاب الكبد الوبائي، بل والإيدز، عقب عمليات زراعة الأعضاء· إلا أنه طبقاً لما قاله الأطباء الذين تحدثت معهم، ممن سافر مرضاهم إلى الهند أو الصين لإجراء عمليات زراعة أعضاء، وحسبما جاء في تقارير منشورة في هذين البلدين، يبدو أن ما بين 70 و75 في المئة من عمليات زراعة الأعضاء كانت ناجحة·
في ظل قوة طلب المرضى على زراعة الأعضاء، وانتشار القدرة الطبية على تلبية هذا الطلب، كان لابد أن يحدث نقص في الأعضاء· وكان معظم الأطباء وغيرهم ممن لهم علاقة بعمليات زراعة الأعضاء المبكرة يتوقعون أن الأعضاء يمكن توفيرها من تبرعات الأحياء أو من الموتى، وهو تبادل لا يكلف المتبرع شيئاً ويحقق فوائد جمة للمتلقي· إلا أنه اتضح أن المحظورات الثقافية والدينية القوية لا تشجع على التبرع، ليس فقط في الدول ذات المؤسسات الدينية القوية، وإنما في الدول الأكثر علمانية كذلك· وقد اجتذب هذا الأمر في الفترة الأخيرة اهتمام علماء الأنثروبولوجيا واللاهوت ودارسي الأدب، حيث جمعت اكتشافاتهم في مجموعة مثيرة من المقالات بعنوان (زراعة الأعضاء: مدلولات وحقائق)·
وفي الشرق الأوسط نادراً ما يتم الحصول على أعضاء من جثث الموتى· فالتعاليم الإسلامية تؤكد على ضرورة المحافظة على سلامة الجسم بعد الموت· وبينما يستثنى بعض الزعماء الدينيين البارزين عمليات زراعة الأعضاء· يرفض غيرهم· وكان هناك جدل شديد في العام الماضي في مصر عندما أقر مسؤولو الأزهر عمليات زراعة الأعضاء باعتبارها عملاً من أعمال الإيثار، حيث قالوا إن السماح بها يعني قبول ضرر بسيط لتحاشي ضرر أكبر - وهو نفس المنطق الذي يسمح للمسلم بأكل لحم الخنزير إذا كان معرضاً لخطر الموت جوعاً· إلا أن رجال دين آخرين اعترضوا على الفور دون أن ينتهي الجدل باتفاق لمصلحة التبرع·
وفي إسرائيل تعرِّف المبادئ اليهودية الأرثوذكسية الموت تعريفاً مانعاً بأنه توقف القلب عن العمل، وليس توقف نشاط المخ، وهو معيار يجعل الاستفادة من الأعضاء مستحيلة تقريباً· والغرض الرئيسي من النظام الأساسي الذي يعرف الموت بأنه عدم وجود أي نشاط للمخ هو ضمان أن الأعضاء التي يتم زرعها تزود تزويدا مستمراً بالأكسجين والعناصر الغذائية· والواقع أنه يعلن عن وفاة المريض، بينما يقوم جهاز تنفس صناعي بجعل القلب يستمر في ضخ الدم وجعل الجهاز الدوري يعمل إلى أن تنقل الأعضاء· وساعتها يفصل جهاز التنفس الصناعي· وبعض الحاخامات يعطون أفضلية لإنقاذ حياة إنسان، وهم لذلك يقبلون معيار موت المخ لإجراء عمليات نقل الأعضاء· إلا أن معدلات التبرع بصورة عامة في إسرائيل منخفضة جداً· والاستثناءات الأساسية نجدها لدى أفراد الكيبوتزات الذين يتميزون في الغالب بالعقلية الجمعية، وكذلك لدى غيرهم من اليهود العلمانيين·
وفي جزء كبير من آسيا، قضى البغض الثقافي لفكرة موت المخ، وأهم من ذلك مفاهيم الاحترام الواجب تقدميه لكبار السن، على زراعة الأعضاء من الناحية العملية· فرغم اهتمام اليابان بالتكنولوجيا الجديدة، وتقاليدها الخاصة بتقديم الهدايا، فليس فيها سوى برنامج محدود جداً مكرس تكريسا تاما تقريباً لنقل الكلى من المتبرعين الأقارب الأحياء، وتكتب عالمة الأنثروبولوجيا مارجريت لوك قائلة: "إن فكرة وجود قريب متوفى جسمه ليس مكتملاً قبل الدفن أو الحرق ترتبط بسوء الطالع، لأن المعاناة في هذه الحالة لن تتوقف في العالم الآخر"· بل إن اليابانيين ذوي العقلية التقليدية يرون أن الموت لا يحدث في لحظة بعينها· فإن عملية الموت لا تشمل القلب والمخ وحدهما، بل الروح كذلك، وهو لا يتم حتى تقام الصلوات في اليومين السابع والتاسع والأربعين بعد موت الجسد· بل إن الأمر يحتاج إلى وقت أطول كي يتحول القريب المتوفى إلى سلف، وكل هذا يجعل انتهاك سلامة الجسم بغرض نقل الأعضاء أمراً غير مقبول·
ويقول الأمريكيون إنهم يؤيدون زراعة الأعضاء، غير أنه يتضح أنهم مترددون جداً في التبرع بالأعضاء· ورغم الحملات التعليمية التي لا حصر لها، ووضع علامة (صح) على خانة الرغبة في التبرع بالأعضاء الموجودة في رخص قيادة السيارات، والقوانين التي تستدعي طلب أفراد المهن الطبية من العائلات التبرع بأعضاء القريب المتوفي، فإن معدلات التبرع لم ترتفع خلال السنوات الخمس الماضية ولا تتناسب بالمرة مع الحاجات· وطبقاً لإحصاءات الشبكة المتحدة للمشاركة في الأعضاء، في مايو عام 1997 كان هناك 36 ألف شخص ينتظرون وإجراء عمليات زرع كلى، و8 آلاف ينتظرون عمليات زرع كبد و3800 زرع قلب ·
وأظهرت دراسة حديثة أنه عندما كانت المستشفيات تطلب من العائلات السماح بأخذ عضو من قريب متوفى كان 53 في المئة يرفضون رفضاً باتاً·
ويرى الناقد الأدبي ··ليزلي فيدلر أن "عدم رغبة الأمريكيين في التبرع بالأعضاء تعكس بغضاً عميقاً للعلم وخوفاً من خلق الحياة بطريقة اصطناعية· وهو يرى أن هذا الخوف استغل في كثير من ملاحظات هوليوود الخاصة بقصة فرانكنشتين· بل إن التبرع قد يجبر الأمريكيين على الإقرار بأن الموت هو آخر كل شيء· الأمر الذي نجد أن فيدلر مقتنع بأنهم مترددون فيه· ومع ذلك فأنا أشك في أن الأسباب الأساسية اجتماعية أكثر منها نفسية· فالأمريكيون لم يتعودوا على المشاركة في الموارد من أي نوع فيما يتصل بالطب· وحيث إن الأمريكيين يرفضون أن يرعى كل منهم الآخر في الحياة - وتشهد على ذلك كارثة التأمين الصحي القومي - فلم يفعلون ذلك في الموت؟ إن تلقي العون شيء· والتبرع به شيء آخر·
(2)
إذا كان نقص الأعضاء بهذا القدر، فكيف تتمكن بعض البلاد من تلبية حاجات الأجانب؟ الواقع أن هناك إجابات مختلفة لهذا السؤال· فنجد أن بلجيكا لديها فائض من الأعضاء؛ لأنها تعتمد على نظام أساسي لـ "الموافقة المفترضة" قد يُرفض في كل ولاية من الولايات الأمريكية· وحسب بنود هذا النظام، لابد أن يسجل الشخص عدم موافقته على التبرع تسجيلاً رسمياً؛ وإلا فإنه عند الوفاة يكون للأطباء حرية نقل أعضائه· ولكي يعترض الشخص على ذلك، لابد أن يذهب إلى دار البلدية، ويسجل اسمه في قائمة قومية على الكمبيوتر؛ وعند حدوث الوفاة يراجع المستشفى قاعدة المعلومات؛ وما لم يكن اسم الشخص موجوداً يكون بإمكان الأطباء استغلال أعضائه، بغض النظر عن رفض عائلته لذلك· وأبلغني العاملون في مجال الصحة في بلجيكا أن كثيرين من المواطنين يخشون فيما بين أنفسهم أنهم قد يحتاجون في يوم من الأيام إلى حد الأعضاء، في الوقت نفسه الذي يحتاج فيه مريض آخر إلى عضو كذلك، فإن الجراحين سوف يراجعون الكمبيوتر ويعطون العضو لذلك الذي لم يرفض أن يكون متبرعاً· وليس هناك ما يدل على أن الأطباء يفعلون ذلك في حقيقة الأمر، ومازال هناك الكثير من الناس ممن يشعرون أنه من الأفضل أن يكون الإنسان آمناً لا أن يكون آسفاً، وبذلك لا يسجلون أية اعتراضات·
وبالرغم من ذلك أعلنت جماعة من المواطنين البلجيكيين، وهم يهود انتفرب الأرثوذكس، أنهم لم يكونوا متبرعين، بل سيتلقون التبرعات فقط، ذلك أنهم يرفضون مفهوم موت المخ· ويدور جدل مكثف لم يصل بعد إلى أية حلول بين الحاخامات بشأن الناحية الأخلاقية المتعلقة بقبول الأعضاء دون إعطائها· هل ينبغي على الطائفة اليهودية أن تنكر قبول الأعضاء؟ هل ينبغي على اليهود أن يطلبوا وضعهم في ذيل قائمة الانتظار؟ أم أنه ينبغي على الطائفة اليهودية أن تغير موقفها كي تقلل احتمال العداء الشديد أو حتى الاضطهاد؟
ولأن نظام الموافقة المفترضة الخاص ببلجيكا قد نجح نجاحاً كبيراً، فلديها فائض من الأعضاء وسوف تقدمه للأجانب· إلا أنها لن تصدره، على سبيل المثال، إلى ميلانوا أو إلى تل أبيب، وهو أمر ممكن تماماً· وبدلاً من ذلك تقضي بمجيء المرضى الذين يحتاجون إلى إجراء عمليات زرع أعضاء إلى بلجيكا، وساعتها سوف تستفيد من رسوم إجراء العمليات التي تدفع للأطباء والمشتشفيات·
وليس مستغرباً أن المال له دور أكبر في الهند، حيث وفرة المعروض من الكلى، لأن الأطباء والسمامسرة يجمعون بين الفقراء شديدي الفقر والمرضى شديدي المرض· ويشمل البائعون من نال منهم الفقر من الفلاحين، وسكان العشوائيات وعمال النسيج، والعمال اليديويين، والعرائس اللائي لا يملكن الدوطة التي يقدمنها لحمواتهن· أما المشترون فيأتون من مصر والكويت وعمان وغيرها من دول الخليج، ومن الطبقة الوسطى الهندية الضخمة (التي يقدر تعداداها بما لا يقل عن 200 مليون)· ودفع هؤلاء ما يتراوح بين 2500 و4000 دولار مقابل الكلية الواحدة (يتقاضى منها المتبرع، في حالة عدم غشه، ما بين 1000 و1500 دولار) وضعف هذا المبلغ مقابل العملية الجراحية· وليس هناك خيار غير هذا بالنسبة للمرضى الذين يعانون من مرض في الجهاز البولي في مرحلته الأخيرة· ولأسباب ثقافية إلى حد كبير، لا تتوافر أية أعضاء من الجثث، ومراكز غسيل الكلى نادرة وغالباً ما تكون مصدراً للعدوى، وقليل جدا هم القادرون على إجراء غسيل الكلى لأنفسهم بالبيت (كما هو الحال كذلك في الولايات المتحدة)· ولذلك فليس من المستغرب أن تزدهر تجارة زراعة الأعضاء التي ظهرت في مدن مثل بومباي وبنجالور ومدراس·
هناك بعد ذلك، من يدافعون عن سوق الأعضاء· ويقال إن إضاعة فرصة البائعين في الحصول على المال الذي يحتاجونه قد يكون شكلاً ليس له ما يبرره من أشكال الأبوية· بل إن البائعين قد لا يتعرضون لخطر أكبر عندما يعيشون بكلية واحدة· على الأقل حسبما يقوله البحث الأمريكي· فقد أجرى فريق لزراعة الأعضاء من جامعة مينيسوتا مقارنة بين ثمانية وسبعين من المتبرعين بالكلى وأشقائهم بعد عشرين سنة أو أكثر من إجراء الجراحة، حيث وجدوا أنه ليست هناك فروق كبيرة بينهم من ناحية الصحة، والواقع أن شركات التأمين التي تدرك المخاطر وتضعها في حساباتها لا ترفع قيمة التأمين بالنسبة للمتبرعين بالكلى· ولم يكن هناك حظر على بيع الكلى في حين يسمح في بلاد كثيرة ببيع أجزاء أخرى من الجسم، بما في ذلك السائل المنوي والبويضات الأنثوية والشعر والدم؟ والقول إن هذه أجزاء يعيد الجسم إنتاجها، غير مقنع، إذا كانت الحياة بغير كلية لا تعرض الصحة للخطر· وأخيراً، فإن جراحي زراعة الأعضاء والممرضات والإخصائيين الاجتماعيين، وكذلك فرق الإفاقة والمستشفيات، يتقاضون جميعاً أجوراً عن عملهم· فلماذا يخرج المتبرع وعائلة المتبرع من هذا دون الحصول على أي تعويض؟
إلا أن كون بعض أجزاء الجسم قد تحولت بالفعل إلى سلع؛ لا يعني أن التجارة المتزايدة في الكلى وغيرها من الأعضاء أمر مرغوب فيه· وكما تقول مارجريت رادين أستاذة القانون في ستانفورد، فإنه بالنسبة للهنود شديدي الفقر "قد تبدو مخاوف "التسليع" نوعاً من أنواع الترف·· ومع ذلك فإن إلقاء نظرة أطول قليلاً يظهر أن "التسليع" يهدد ذاتية كل إنسان، وليس فقط من يمكنهم الآن أن يشغلوا أنفسهم به"· وكثيرون من الهنود الذين يبيعون أعضاءهم لديهم شعور واضح بالهوان لأنهم مضطرون للرضوخ لتلك الممارسة المهينة كي يحصلوا على الأموال التي يحتاجونها بشدة· فلولا تلك الحاجة ما تركوهم يقطعون أجزاء من أجسامهم، وهي تجربة غير سارة في أحسن الأحوال، ويزيد احتمال الخطر في بومباي عنه منيسوتا· وتنتهي رادين إلى ما يأتي: "إن الشعور باليأس هو المشكلة الاجتماعية التي ينبغي علينا النظر إليها، وليس إلى حظر السوق·· فلابد أن نعيد النظر في السياق الاجتماعي الأكثر اتساعاً الذي تعد هذه المعضلة جزءاً منه"·
وفي سنة 1994 - وربما كانت وراء ذلك أسباب ذات أهمية كبرى أو ارتباك عام، إذ تعارض كل منظمة صحية عالمية بيع الأعضاء - جرمت بعض الولايات الهندية، بما في ذلك أقاليم بومباي ومدراس وبنجالور، هذه الممارسة التي كانت حتى ذلك الوقت مشروعة تماماً· إلا أن القوانين فيها ثغرة فظيعة مما جعل البيع يستمر بدون توقف تقريباً· ويوضح تقرير مفصل ومقنع في عدد 26 ديسمبر عام 1997 من مجلة "فرونت لاين"، وهي إحدى المجلات الكبرى في الهند، كيفية عمل النظام الجديد، فالتشريع يسمح بتبرعات من أشخاص لا تربطهم صلة قرابة بالمتلقي، إذا كانت التبرعات لأسباب تتعلق بـ "المحبة والمودة"، وإذا أقرتها "لجان إعطاء التراخيص"·
وهذان الشرطان يسهل الوفاء بهما· ويتولى السماسرة والمشترون تدريب "المتبرعين" على ما يقولونه للجنة - كأن يقول الواحد منهم مثلاً إنه ابن عم وإن لديه صورة فوتوغرافية (مفبركة) لأحد اجتماعات العائلة تثبت ذلك، أو أنه صديق حميم ويكن حباً عظيماً للمتلقي المحتمل· وكشف هذه القصص الخيالية قد يكون أمراً بسيطاً، إلا أن كثيراً من اللجان تقرها على الفور، غير راغبة في الوقوف في وجه تعاملات تأتي بأموال ضخمة للمستشفيات والجراحين والسماسرة·
ولا تتوافر إحصاءات دقيقة بشأن عمليات زراعة الكلى في الهند، إلا أن مجلة "فرونت لاين" تقدر أن حوالي ثلث عمليات نقل الأعضاء تتم من متبرعين أحياء لا يمتون بصلة للمتلقي؛ وبعد أربع سنوات من العمل بالقانون الجديد عاد معدل عمليات زراعة الأعضاء إلى مستوياته السابقة· وصحيح أنه ليس كل مستشفى يشارك في هذه التمثيلية، ذلك أن تجارة الكلى باتت أقل وضوحاً عما كانت عليه، وربما قل عدد الأجانب الذين يذهبون إلى الهند لإجراء عمليات زراعة أعضاء· ولكن الطبقات الدنيا والطوائف الهندية، التي تتعرض للكثير جداً من الإساءة، مازالت تبيع أعضاءها· وكما تشير "فرونت لاين"، فإن كثيرين من المتبرعين الذين يبيعون أعضاءهم يفعلون ذلك لأن عليهم ديونا كثيرة، ولا يمر وقت طويل حتى يصبحوا مدينين من جديد·
(3)
تقع الصين في الوسط من طرق المحيط الهادي إلى عمليات زراعة الأعضاء، لأنها اتبعت أسلوب حصاد أعضاء المسجونين الذين تنفذ فيهم أحكام الإعدام·
وفي سنة 1984، وبعد أن أصبح السيكلوسبورين متوافراً، أصدرت الحكومة وثيقة تحت عنوان "القواعد الخاصة بالاستفادة من جثث المسجونين الذين تنفذ فيهم أحكام الإعدام أو أعضاء من جثثهم"·
وهذا القانون الجديد الذي ظل سرياً نص على أن الأعضاء المأخوذة من جثث من نفذ فيهم الإعدام من المساجين يمكن استخدامها في عمليات زراعة الأعضاء؛ إذا وافق المساجين على ذلك، أو إذا لم يطالب أحد بالجثة· (الذي كشف هذا القانون هو روبن مونرو من منظمة ووتش/اشا لحقوق الإنسان) ويتضح من اشتراطاته افتقاره إلى أساس أخلاقي طبقاً لقيم الصين نفسها· فهو نص علي أن "استغلال جثث المساجين الذين تنفذ فيهم أحكام الإعدام أو أعضائهم لابد أن يبقى على قدر شديد من السرية، ولابد من مراعاة تحاشي الأصداء السلبية"· ولا تحمل السيارات المستخدمة في أخذ الأعضاء من أماكن تنفيذ أحكام الإعدام شارة الإدارة الصحية، والأشخاص الذين يشاركون في أخذ الأعضاء غير مسموح لهم بارتداء الملابس البيضاء· وفي مقابلاتي مع جراحي زراعة الأعضاء الصينيين، لم يعترف أي منهم بهذه الممارسة، وعندما عرضت عليهم نسخاً من القانون، هزوا أكتافهم وقالوا: إن هذا أمر جديد بالنسبة لهم·
ولكن الأمر ليس جديداً بالنسبة لغيرهم من الأطباء الآسيويين· فالأطباء في اليابان وهونج كونج وسنغافورة وتايوان، إلى جانب دول أخرى، يقومون بدور وكلاء السفريات، حيث يوجهون مرضاهم إلى مستشفيات ووهان وبكين وشنغهاي· وهذا النظام فعال نسبياً· فالأجانب لا يضطرون إلى الانتظار أياماً أو أسابيع لتوفير أحد الأعضاء؛ إذ يمكن توقيت تنفيذ حكم الإعدام بحيث يلبي حاجات السوق، والعرض يكفي ويفيض· والصين تبقي العدد الدقيق لأحكام الإعدام المنفذة سراً، إلا أن منظمة العفو الدولية لحقوق الإنسان تحصي عددها طبقاً لأحكام الإعدام التي يأتي ذكرها في الصحف، حيث تقول إنها تبلغ ما لا يقل عن 4500 في السنة، وربما كان العدد ثلاثة أو أربعة أمثال هذا· ومنذ عدة سنوات أبلغني أحد جراحي زراعة القلب أنه تلقى دعوة للصين للقيام بعملية زرع قلب؛ وحيث إنه اعتاد الانتظار لفترات في أمريكا، فقد سألهم: كيف يتأكد من أن القلب سيكون متوافراً عند وصوله؟ هنا أبلغه مضيفوه أنهم سوف يجعلون موعد تنفيذ أحد أحكام الإعدام متزامناً مع وصلوه فما كان منه إلا رفض الدعوة· وفي شهر فبراير اعتقل مكتب التحقيقات الفيدرالي مواطنين صينيين يقيما في نيويورك؛ بزعم العمل على تقاضي أموال مقابل أعضاء من المساجين الذين نفذت فيهم أحكام الإعدام، يتم زرعها في الصين·
وهناك كذلك من يدافعون عن النظام الصيني· فلماذا تضيع الأعضاء سدى؟ لماذا نحرم المساجين من فرصة القيام بعمل أخير من أعمال الخير؟ ولكن الاعتراضات تظهر مرة أخرى· ففكرة أن المساجين الذين ينتظرون دورهم في تنفيذ الإعدام - وهم في الصين يكونون داخل مكان شديد البؤس في أحد السجون المحلية - يمكنهم إعطاء موافقة معلنة على تبرعهم، نوع من العبث· بل إنه ليست هناك طريقة لضمان أن الحاجة إلى الأعضاء لن تؤثر على ما يصدر عن المحاكم من أحكام· فقد يكون ذنب أحد المدعى عليهم غير واضح، غير أن له سجلاً إجرامياً طويلاً، فلماذا لا يحكم عليه بالإدانة لكي يعيش مواطن له قيمته؟
بل إن وجود أطباء يقومون بأخذ أعضاء بشرية عند تنفيذ أحد أحكام الإعدام يدمر السلامة الأخلاقية لمهنة الطب· وتقريباً لا تكون هناك رواية شهود عيان للمارسات الصينية، إلا أنه حتي سنة 1994 كانت تايوان تصرح بإحراء عمليات زراعة أعضاء من المساجين الذين نفذ فيهم الإعدام، وربما أخذت الصين عنا تلك الإجراءات· ويقوم الأطباء بإعطاء المسكنات للسجين المحكوم عليه بالإعدام قبل التنفيذ مباشرة، ثم يدخلون أنبوب تنفس في رئتيه وقسطرة في أحد عروقه· وبعد ذلك يعدم السجين برصاصة تطلق على رأسه؛ وعلى الفور يتحرك الطبيب ليمنع تدفق الدم ويصل الأنبوب بجهاز تنفس صناعي، ويحقن الأدوية في القسطرة لزيادة ضغط الدم وما يضخه القلب· وبذلك تظل الأعضاء تعمل، وتُنقل الجثة إلى المستشفى الذي ينتظر فيه المتلقي؛ حيث تجرى عملية زرع الأعضاء· لقد أصبح الأطباء مشاركين أساسيين في عملية تنفيذ أحكام الإعدام؛ فبدلاً من حماية الحياة نجدهم يؤثرون في عواقب الموت·
والدافع وراء مثل هذه الممارسات هو المال· وأهل أوروبا والشرق الأوسط وآسيا ممن يذهبون إلى الصين والهند وبلجيكا، وغيرها من البلاد، يدفعون بسخاء مقابل أعضائهم الجديدة وبالعملات الصعبة· وسوف تثري الأتعاب التي يدفعونها الجراحين أو المراكز الطبية أو كليهما، وهو ما يتوقف على تنظيم جهاز الرعاية الصحية المعين ومستوى الفساد· وكان كثيرون من الجراحين الذين التقيت بهم على قدر كبير من الصراحة، بشأن أهمية الدخل الذي يأتي من عمليات زراعة الأعضاء بالنسبة لمستشفياتهم، إلا أنهم كانوا أكثر ترددا فيما يتعلق بالمبلغ الذي يحتفوظون به لأنفسهم من تلك الأموال· ومع ذلك، أن أحد كبار جراحي زراعة العضاء في روسيا معروف أن لديه ضيعة كبيرة وأنه يحب الخيول· وقد يكون أمثاله في الهند والصين أقل منه من حيث المظاهر، ولكنهم لا يقلون عنه غنى· وسوف يقولون جميعاً أنهم يفعلون الخير، بإنقاذهم المرضى من الموت الوشيك·
(4)
أقنعت تجارة الأعضاء الدولية الكثير من الققراء، وخاصة في أمريكا الجنوبية، بأنهم أو أطفالهم معروضون لخطر تقطيع أجسادهم وقتلهم، وكثيراً ما تروى قصص عن غرباء يصلون قرية من القرى، ويستطلعون المكان، ويخطفون العديد من الأطفال ويقتلونهم ويأخذون أعضاءهم ليبيعوها في الخارج، وبعد ذلك يتركون الجثث التي جرى تشريحها مكشوفة في الجبانات· وفي جواتيمالا كانت تلك المخاوف على وجه التحديد هي المسؤولة سنة 1993 عن سجن امرأة أمريكية بريئة لمدة شهر، بينما ضربت أخرى حتى الموت·
ومخاوف القرويين هذه يشاركهم فيها عدد من المراقبين الخارجيين، ممن يعتقدون أن الناس يقتلون من أجل أعضائهم· وأكد كاتب التقرير الخاص بلجنة زراعة الأعضاء في البرلمان الأوروبي، بطريقة لا لبس فيها، إن التجارة المنظمة في الأعضاء موجودة بالشكل الذي توجد عليه تجارة المخدرات· فهي تنطوي على قتل الناس لأخذ أعضائهم التي يمكن أن تباع للحصول على الربح· وإنكار مثل هذه التجارة يماثل إنكار وجود الأفران وغرف الغاز في الحرب الأخيرة·
كما وزع مقرر لجنة الأمم المتحدة لرفاهية الطفل استبياناً يؤكد أن "بيع الأطفال يتم في المقام الأول من أجل زراعة الأعضاء"· ثم طرح هذا السؤال: "إلى أي مدى وبأي الطرق والأشكال تتم هذه الانتهاكات لحقوق الإنسان في بلدكم؟ برجاء وصف ذلك"·
إن قصص سرقة الأعضاء لها نسخة أمريكية· فقد سمعتها من طلابي، وقرأت عنها في البريد الإلكتروني، وحكى لي عنها باقتناع جراح كبير من موسكو، وسألني عنها ما يربو على عشرة صحفيين· وحسبما تقوله الرواية المتفق عليها يلتقي شاب بامرأة جذابة في أحد بارات المنطقة، يشربان بضع كوس، ويعودان إلى بيتها، حيث يفقد وعيه ثم يستيقظ في الصباح التالي ليجد جرحاً تمت خياطته في جنبه· وعندما يذهب للطبيب يلعم أنه فقد إحدى كليتيه·
وبالرغم من تناثر القصص التي تروى عن سرقات الكلى من أناس في الهند، فلم أعثر على حالة واحدة موثقة من حالات الاختطاف أو التشويه أو القتل من أجل الأعضاء، سواء في أمريكا الشمالية أو الجنوبية· وكنت في جواتيمالا سنة 1993 عندما وقعت المآسي المزعومة، وسمعت من يبدو أنهم أناس موثوق بهم يقولون أنه كانت هناك أدلة مقنعة على حدوثها· وبقيت هناك من الوقت ما يكفي لأرى كل إدعاء ضد السائحتين الأمريكيتين وقد ثبت عدم صحته· ومع ذلك، فإنه كما تقول عالمة الأنثروبولوجيا نانسي شيبر - هيوز يمكن فهم مخاوف القرويين واتهاماتهم في ضوء تجربتهم اليومية· فأجسام الفقراء يتم التعامل معها عادة بطريقة مهينة، الأمر الذي لا يجعل سرقة الأعضاء تبدو غير ملائمة· وفي جواتيمالا يتم اختطاف الأطفال الرضع بانتظام بيعهم في الخارج في سوق التبني· واعترف الأطباء ومسؤولو الصحة المحليون لي أن "بيوتا للتسمين"قد أنشئت لجعل الأطفال المختطفين يبدون أكثر جاذبية للتبني·
ولكن هناك خطورة شديدة في إجراء أي تحقيق بخصوص تجارة التبني غير المشروعة، حيث إن مسؤولين رفيعي المستوى في الحكومة الجيش يحصلون على نصيب من الأموال التي تحققها· وتستمر شيبر - هيوز قائلة: إنه إذا كان أطفال الشوارع في البرازيل يقتلون بلا رحمة من دون أن توجه التهم إلى أحد، فليس مستبعداً أن يصدق سكان العشوائيات أن أعضاء الفقراء تؤخذ منهم لتباع في الخارج· وبما أنه من الممكن اختطاف الفتيان والفتيات من دون أية عقوبة لتلبية حاجات سوق الجنس الدولية، فلم نصدق أنهم يختطوفون كذلك لتلبية حاجة السوق الدولية للأعضاء·
والحقيقة هي أن الواقع الطبي يجعل عمليات الاختطاف والقتل هذه غير محتملة إلى حد كبير· فالقرى الريفية والشقق الحضرية التي يزعمون أن عمليات نقل الأعضاء تتم فيها بصورة سرية ليست فيها تلك البيئة المعقمة اللازمة لاستئصال العضو أو زرعه· كما أن أعضاء الأطفال أصغر من أن تستخدم في الكبار· ومهما كان جشع مسؤولي الرعاية الصحة، فإن فرق الجراحين عالية التدريب والمتقدمة طبياً، وممرضات غرف العمليات،وأخصائي التخدير لا يحتمل تآمرهم على القتل من أجل الأعضاء أو قبول تلك الأعضاء من الشارع· ولو كانوا فعلوا ذلك، فإن حادثة واحدة على الأقل كانت ستخرج إلى النور خلال السنوات الخمس عشرة الماضية·
(5)
إن الإساءات الموثقة توثيقاً جيداً على قدر كبير من السوء· فهل هناك من سبيل للقضاء عليها؟ لقد قدم فريق عمل بيلاچيو - وهي جماعة دولية تضم جراحي زراعة أعضاء ونشطاء في مجال حقوق الإنسان التي يمكن أن تكون مؤثرة إذا أمكن تنفيذها·
لقد عارضت كل الهيئات الطبية القومية والدولية الكبرى بيع الأعضاء وزراعة أعضاء ممن نُفذ فيهم حكم الإعدام؛ إلا أنه ليست هناك منظمة طبية على استعداد لأن تتخذ إجراء لفرض وجهات نظرها· وفي أعوام 1984 و1987 و1994 أدانت الرابطة الطبية العالمية "بيع الأعضاء البشرية وشراءها بغرض زرعها"· إلا أنها تطلب من "حكومات كل الدول اتخاذ خطوات فعالية" ولم تتخذ هي أي إجراء خاص بها· كما أنها انتقدت ممارسة استغلال أعضاء المساجين الذين نفذت فيهم أحكام الإعدام دون موافقتهم؛ إلا أنها لا تسأل إن كان الانتظار في طابور الموت له معنى أم لا؟
وتترك الرابطة الأمر للجمعيات الطبية المحلية فيما يتعلق بـ "تأديب الأطباء المتورطين في ذلك تأديباً قاسيا"· ولم تفرض هي ولا غيرها من المنظمات الطبية أي عقوبات على من ينتهكون اللوائح·
وطرحت مجموعة علم بيلاچيو تحديات عديدة للجمعيات الطبية الدولية· فماذا يمكن أن يحدث إن هي أخذت مبادئها المعلنة مأخذ الجد، وأنشأت جهاز مراقبة دائماً، وراقبت ممارسات التبرع بالأعضاء عن كثب؟
ماذا لو هددت بمنع زمالات التدريب عن الدول التي تتهاون مع الممارسات الاستغلالية؟ ماذا لو رفضت عقد المؤتمرات الدولية في تلك الدول، ولم تسمح للأطباء من تلك الدول بحضور اجتماعاتها، كما كان يحدث مع جنوب أفريقيا في ظل الفصل العنصري؟ بل لماذا لا تصر شركة نوفارتيس، التي تصنع السيكلوسبورين، على بيع منتجها فقط للأطباء والمستشفيات الذين يتلتزمون بالمعايير الصارمة في حصولهم على الأعضاء؟ مثل هذه الإجراءات قد يكون لها أثر خطير، في الهند بكل تأكيد، بل ويحتمل في الصين كذلك، ولكن فيما يتعلق بالأعضاء نفسها، فإن استعداد الأطباء لاستغلال السلطة الأخلاقية للطب كقوة للتغيير ليس بالقدر الكافي حتى الآن·
* الكتب وجهات نظر العدد السادس يوليو 1999
** أستاذ الطب الاجتماعي بجامعة كامبردج للأطباء والجراحين