· حالة استعراضية ولكنها تشير إلى حيوية المرحلة
· "النجم ملتقى ذوات الآخرين والمعبر عن آمالها وآلامها
· حالة اصطفاء طبيعي ولكنها مقتل "النجم"
· القمع يخلق شخصية فصامية لا ينجو منها الأديب
كتب المحرر الثقافي:
هناك شعراء يحققون حضوراً متميزاً وفاعلاً وانتشاراً جماهيرياً ملحوظاً، إنهم "نجوم" الساحة الثقافية في مرحلة من المراحل، وهم يسهمون في إعطائها نكهة خاصة وسمة فنية معينة· وهناك أسباب متعددة لظهور هذه النجوم في سماء الأدب، منها ما هو فني ومنها ما هو فكري أو سياسي أو اجتماعي، وفي كل هذه الأحوال نجد أن النجومية الثقافية اختصار لمرحلة، وتعبير عن تيار في شخص واحد متفرد·
حالة استعراضية
لكل عصر نجومه الثقافية، ولو عدنا إلى كتب الأدب وتاريخه وتراجم الشعراء لوجدنا آلافاً من الشعراء والكتاب والأدباء، ولكن لم يبرز من كل هذه الحشود سوى أفراد، كشعراء المعلقات مثلاً في الجاهلية، وشعراء النقائض وشعراء الغزل العذري أو الماجن في العصر الأموي، وشعراء الخمرة والوصف في العصر العباسي، وفي كل فئة من هؤلاء يتميز شاعر أو أكثر، وهو ما يسمى بـ "النجم" الثقافي، الذي يسطع أكثر من غيره، ليس لأنه الأفضل دائماً، ولكن لأنه الأقرب، وإن كان مصطلح "النجومية" مبتذلاً نوعاً ما لأنه يسود في فعاليات غير ثقافية، غير أننا لا نجد بداً من استعماله في مجال الثقافة لأنه يعبر بدقة عن تمركز الاهتمام بشخص دون سواه، ولأسباب لا تكون دائماً جوهرية وطبيعية·
والنجومية حالة استعراضية ولكنها في الوقت نفسه مؤشر لحيوية المرحلة، ولذلك لا نجدها في مراحل الانحطاط والرتابة والجمود، وهي مظهر من مظاهر قانون الاصطفاء الفني، أو هي في أغلب الأحيان التعبير المختصر عن روح الشعب ومزاجه ومستواه وقضاياه·
ظاهرة قديمة·· حديثة
وكان النقاد القدماء قد انتبهوا إلى هذه الظاهرة، وأطلقوا عليها مسميات مختلفة، ووصفوا الشاعر النجم بالمقدّم والعَلَم والفحل والمفلّق والمشهور··· إلخ، ووضعوا الشعراء في طبقات وقسموهم إلى مذاهب وتيارات، وأجمعوا على أهمية بعض الشعراء، فكان أمرؤ القيس حامل لواء الشعراء، وكان بشار وأبونواس رائدي المجددين، وأبو تمام زعيم شعراء الصنعة، والمتنبي مالىء الدنيا وشاغل الناس، إلى غير ذلك من ألقاب "نجومية"·
وفي العصر الحديث سطع نجم أحمد شوقي الذي منح لقب "أمير الشعراء"، وحافظ إبراهيم، "شاعر النيل"، وهذا فارس السيف والقلم، وذاك شاعر السهل والجبل، وآخر شاعر الحب والجمال، وكثرت ألقاب الشعراء التي هي مظهر من مظاهر النجومية كالأخطل الصغير، والشاعر القروي، وبدوي الجبل··· وكان ذلك دليلاً على مكانة الأدب في حياة الناس في تلك المرحلة، أما في المرحلة اللاحقة فقد برز السياب والبياتي وأدونيس ونزار قباني وأحمد عبدالمعطي حجازي وصلاح عبدالصبور، وفي الأدب القصصي ظهر نجيب محفوظ ويوسف إدريس وضامينه وزكريا تامر وعبدالرحمن منيف والطيب صالح· وكذلك في النقد الأدبي والبحث والفكر ظهر أعلام كبار بدءاً من طه حسين ذائع الصيت واسع الشهرة ومروراً بمحمد مندور وانتهاء بالجابري والعروي وصلاح فضل وآخرين، ويمكننا القول إن لكل حقل معرفي نجمه، ولكل بلد نجمه، فما سر هذه الظاهرة؟ ولماذا تحتاج المجتمعات إليها؟ وما العوامل التي تحركها؟
حالة اصطفائية
كما أسلفنا، فإن ظاهرة "النجومية" حالة موضوعية إلى حد كبير، وإن "النجم" يمثل ملتقى آمال الناس وأحاسيسها وأفكارها، وبمعنى آخر هو تقاطع لذوات الآخرين· أما ما جعله كذلك فهو أنه حمل قضايا تمس هذه الذوات مساً قوياً، سلباً أو إيجاباً، وفي النظام الاشتراكي أعطي هذا النجم لقب "فنان الشعب" تعبيراً عن هذا المضمون في أن الفنان صدى للمجموع ذائب فيه، غير أن دلالته عُكست على المستوى السياسي إذ أصبح هذا النجم- أدبياً كان أو سياسياً - يمثل الأمة بكاملها كما يمثل الحزب الحاكم، أي أنه أصبح يحكم أو يبدع بذاته باسم الشعب، فتحول إلى ديكتاتور، وهذا ما نلاحظه جلياً في مجتمعاتنا العربية المغرمة تاريخياً بتعظيم الفرد وتوحيد المشاعر والأفكار، وما النجومية الثقافية إلا شكل مجمَّل من العصبيات والتكتلات والتحزبات··· ألم ينقسم الناس بين أنصار لجرير وأنصار للفرزدق وبين أنصار لأبي تمام وأنصار للبحتري، وأنصار للشعر العمودي وأنصار للشعر الحديث ألا يختلف الناس في تفضيل هذا الكاتب أو ذاك والتعصب لهذا الشاعر أو ذاك؟!
فهل نقول إن ظاهرة "النجومية" على ضرورتها وحيويتها تمثل نزوعنا إلى الديكتاتورية، وإنها امتداد لتخلفنا الاجتماعي والفكري، وصورة عن فرديتنا وأنانيتنا؟ ولاسيما أن صفات كهذه يشترك فيها معظم نجومنا العرب، بما فيها الابتذال وجنون العظمة والتناقض وشهوة التسلط؟
التمّيز بقضية
ما الذي جعل شاعراً كأبي نواس أو أبي تمام نجماً؟ إنه التميز في مجال معين كشعر الخمرة أو الصنعة الفنية، فقد عُدّ كلاهما إماماً في منهجه· أما أحمد شوقي فهو الشاعر الذي أعاد للشعر العربي رونقه، بالإضافة إلى تنوع موضوعاته وإلمامه بتفاصيل حياة عصره وإدخاله فنوناً جديدة إلى الشعر العربي المعاصر كالشعر المسرحي والشعر الموجه إلى الأطفال·
أما أدونيس فقد اتخذ مساراً فنياً خاصاً، لم يكن مألوفاً في الشعر العربي استفاد فيه من التجارب العالمية·
أما السياب فتميز بحسه الجمالي العاطفي وبحزنه التاريخي وتفاؤله التاريخي أيضاً، إن ثورية السياب الرومانسية جعلت منه "نجماً"· ومحمود درويش كان يحمل قضية وطنية جعلت منه نجماً أيضاً، وقل مثل ذلك في بقية النجوم، فالنجومية إذاً مقترنة بقضية سياسية أو فكرية أو فنية مثيرة، تشغل الرأي العام وتكون جذابة أو طريفة أو تكون مهمة وحساسة في حياة الناس·
الأمر الذي يدخل في بناء "النجومية" هو التميز، إذ إن هناك أعداداً كبيرة تتناول القضية نفسها ولكن لا يتميز منهم إلا القليل، وهنا تكون أهمية العامل الفني في شهرة شاعر أكثر من غيره· ولذلك فمن العبث القول - كما تردد في بعض النقد المعاصر فترة - إن شهرة محمود درويش قامت على شهرة القضية التي حملها، وهي القضية الفلسطينية، ولو كانت القضية هي التي تشهر صاحبها فقط لشاركه في هذه "النجومية" عشرات الشعراء الآخرين·
"النجومية" تفسد صاحبها
"النجومية" تفسد "النجم"، لأنها حين تضعه في الضوء على مرأى الناس جميعاً تبعده عن ذاته، وتجعله مهتماً بما يرضي الآخرين كي لا يخسرهم، أو بما يغضب الآخرين أيضاً كي يظل حديث الساعة، وفي كلا الأمرين يفقد الشاعر، والأديب صدقه وحرارته·
كما أن معظم الأدباء الذين وصلوا إلى هذا الحد من الشهرة، باتوا ينشغلون بالشهرة أكثر من اللازم، فأصيبوا بالغرور والنفاق والكذب والتناقض بين الشخصية والعمل الإبداعي (وهو أمر لا نستثني منه أحداً)، وعبثاً يحاول المرء أن يربط بين صورة الأديب الإنسان وصورة الأديب الفنان في ثقافتنا العربية المعاصرة، لأن الأديب العربي مهما كان مشهوراً يظل تحت الإحساس بالضعف والعجز أمام وطأة السلطة والمجتمع، وهو لا يستطيع إلا نادراً أن يحقق حريته الكاملة، والقمع بجميع أشكاله يخلق شخصية فصامية، لا ينجو منها الأديب، ولكي يحمي الأديب العربي نفسه أو يحسن وضعه أو يلحق بغيره أو يغتنم فرصة مادية أو معنوية تراه يتخبط في علاقات ملتبسة سياسياً واجتماعياً ومادياً··· فالشاعر الثوري الكبير لا يتورع عن تقديم خدمات قيّمة لزعيمه الذي يغدق عليه الأموال ويوفر له أفخر الأجنحة في الفنادق العالمية والخطوط الجوية··· والشاعر المعارض لسلطة بلده لا يخجل أن يكون بوقاً لسلطة أخرى، وأن يتعطر "بغبار حذاء ذلك الزعيم الجديد"!
والشاعر النجم صاحب النظريات والتنظيرات لا يجد غضاضة في أن "يتحول" وفق اتجاه الريح السياسية طمعاً بجائزة نوبل· وذلك الشاعر اليساري يصاب بفقدان الذاكرة فينسى كل يساريته التي أقامت صرح "نجوميته" ليتسول رضا اليمين عبر صوفية مفاجئة تكاد ترينا فيه طيفاً للنفري أو لابن عربي·
وكثير من "النجوم" الثوريين الذين أدمنوا فنادق الـ "خمس نجوم" كانوا "تجار شنطة" جوّالين، وبعض "النجوم" الليبراليين كانت تفوح من جيوبهم رائحة النفط··· قد يكون هذا التوصيف قاسياً ومريراً، ولكنه واقع مدعوم بالوثائق والوقائع والشواهد، إذ إننا نعيش في عصر ملوث تلويثاً حقيقياً وشاملاً، و"النجم" أكثر الناس تعرضاً للتلوث لأنه يقترب من المناطق الخطرة، فإن حافظ على نقائه الإنساني والفكري والغني وجد نفسه فجأة في زاوية معتمة ·
نجوم المستقبل
النجومية ظاهرة طبيعية يصنعها قانون الاصطفاء الطبيعي، فهي ظاهرة حتمية لا سبيل إلى إلغائها، أو التقليل من أهميتها، غير أنه لابد من أخذ الحيطة والحذر أثناء التعامل مع عناصرها، فبريق النجومية قد يبهر الأعين النقدية أو يعميها عن رؤية الحقائق، فتتعامل مع هذا الأديب أو ذاك وهذا النص أو ذاك تحت وطأة القداسة والانبهار والخوف والخضوع والمواقف المسبقة· فعلينا إذاً ألا نماهي بين النص وصاحبه، لأن النص هو حلم المبدع لا واقعه، وشتان بين الحلم والواقع!
بقي أن نقول إننا الآن في مرحلة أفول "نجومنا" واحداً بعد الآخر، وحتى الآن لم تبزغ نجوم جديدة في سماء الثقافة العربية، ولكنها ستظهر يوماً ما، ولكن أي قضية مستقبلية ستصنع نجماً، وإذا كانت تلك القضية مزيفة أو ملوثة أو قذرة، فأي نجم ستصنع؟!