رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 14-20 جمادى الأولى 1420هـ - 25-31 أغسطس 1999
العدد 1391

ضوء

الاصطفاء.. والأوراق الممزقة

 

ركان الصفدي

"1"

 

الحياة قائمة على الاصطفاء والاختزال، وفي الثقافة يعمل الاصطفاء على تخليد نماذج محدّدة من العطاء الثقافي دون غيرها ضمن قوانين الخلود المعقدة، والعقل البشري لا يحتفظ إلا بماله ميزة خاصة، أما الشيء العادي المألوف فإنه يعبر عبورا سريعا دون أن يترك أثرا مهما·

وفي نظرة إلى الوراء نستطيع أن ندرك أن منخل الزمن قد قام بفعل الاصطفاء بجدارة، إذ إن عشرات الشعراء الجاهليين هم خلاصة مئات الشعراء، وإن الشعراء الأفراد المشهورين كشعراء المعلقات هم خلاصة أولئك الشعراء العشرات·· وقل مثل ذلك في بقية العصور·

الإنسان بحاجة إلى الاصطفاء لأنه يطمح إلى الأفضل والأجمل، ومن هنا كانت كتب الاختيارات الشعرية، مثل المفضليات والأصمعيات وحماسة أبي تمام وطبقات الشعراء·

 

"2"

 

لكل قانون حالات شاذة، تلك هي الحياة بتنوعها وتعقدها، وهكذا نجد أن قانون الاصطفاء قد لا يكون عادلا دائما لأنه محكوم بالنظرة العامة للمجتمع والمرحلة، ولذلك تجد بعض الرموز الثقافية قد ظلم في زمنه فغُيّب أو هُمش أو أُلقي في  الظلال، في حين أشهر من هو أقل منه شأنا، ولكن لابد لقانون الزمن من أن يعود فينصفه من جديد، فالزمن ليس حلقات متتالية فقط، وإنما هو نهر يتدفق إلى ما لا نهاية، وقطرة الماء التي أخرتها الضفاف لابد لها من أن تستعيد مسارها في التيار··

إن أعظم دور نقوم به في حياتنا الثقافية هو أن نكشف غبار الظلم  والإهمال عمّن ظلمه عصره، وأن نعيد إليه مكانته التي يستحق، وهذا هو "التحقيق" الفذّ النبيل، لا ما نراه في كثير من الساحات الثقافية والعلمية من الاجترار ومخض الماء·· إن الكثير مما يحقق من الكتب التراثية هو مما لا يرهق الذهن ولا يُعمل العقل ولا ينمي الفكر، بل غدا "تحقيق الكتب" عملية آلية لا أكثر·

 

"3"

 

ماذا بقي من مئات الشعراء الذين سجّلت أسماءهم كتب التراجم، بل ماذا يبقى من ديوان كل شاعر حفظه الزمان لنا؟ إننا أيضا نمارس نوعا من الاصطفاء، فما كان مشهورا ومناسبا في عصر ماض قد لا يكون مناسبا لعصرنا الحاضر، كما أن نظرتنا إلى الثقافة السابقة أصبحت محكومة بموقفنا الإيديولوجي والفني والعلمي·· وهذا اصطفاء حادّ وصارم، وهكذا يمكن أن تجد المتنبي مثلا متنبّين في كتب النقد وتاريخ الأدب·

 

"4"

 

الشاعر نفسه "أو الكاتب" يمارس الاصطفاء، ليقدم أجمل ما عنده من الإبداع الذي سيحفظ صورته واسمه بين الناس، وهكذا كان زهير بن أبي سلمى يفعل حين يبقي قصيدته حولا كاملا ينقحها ويعيد لها حتى تستقيم على صورة يرضاها، وفي المرحلة الكتابية أصبح التنقيح أشد وأكثر ولا سيما عند شعراء الصنعة الفنية، كأبي تمام الذي كان يجهد نفسه في اختيار الفكرة أو العبارة أو الكلمة ولا يقبل ما يجود به الخاطر عفوا·· كلما زاد الاصطفاء جاد العطاء·

 

"5"

 

في العصر الحديث أصبحت الكتابة بالمفهوم التقني، وهي تجعل الكاتب أقدر على المغامرة والتجريب، وأصبح "النشر" طريقا إلى الشهرة والمجد، وأخذ الجمهور يمارس الاصطفاء غير أن الدور الأساسي يعود إلى النقاد الذين يغربلون الإبداع ويقدمونه إلى القراء، ولكن تطّور وسائل الانتشار جعل عملية الاصطفاء أكثر تعقيدا والتباسا، وهي ليست دائما عملية نزيهة·

 

"6"

 

بعض الشعراء ينظر إلى نفسه نظرته إلى نبي فهو يقدّس كل ما يصدر عنه نتاج، فيحرص على تسجيله، بل على نشره، وهذا فيما أرى ـ مرض نفسي اذ لا يمكن ان يكون الإنسان المبدع على مستوى  فني واحد دائما·

والشاعر الحقيقي يكتب كثيرا وينشر قليلا، لأنه يصطفي ما يكتب ، أما الشاعر المزيف فتراه يدور كالمطحنة ويعمل كالآلة، ويقفز أمام عينيك كالجندب على صفحات الجرائد·· الشاعر الحقيقي يكتب  مئة قصيدة ويمزقها ولا يبقي إلا على واحدة منها، أما الشاعر المزيف مدّعي النبوة فهو يمزق قصيدة واحدة وينشر مئة قصيدة·· يمزّقها القراء·

طباعة  

الهم السابع
 
أخبار ثقافية
 
يعالج مشكلة العزوف عن القراءة المتفشية في الكويت
برنامج كيف نقرأ؟ 99 من أجل علاقة إيجابية بين الطفل والكلمة المكتوبة

 
في الوقت الذي يأفل فيه النجوم واحداً بعد الآخر
"النجومية الثقافية" نزوع إلى الديكتاتورية وشكل مجّمل من التخلف

 
المصبّ
 
نافذة
 
أجراس