رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 21-27 جمادى الأولى 1420هـ - 1 - 7 سبتمبر 1999
العدد 1392

من الربانين إلى المغامرين(1-2)
اليهود في مصر صفحات التاريخ الحقيقي*

·    بعد الفتح الإسلامي لمصر ظل اليهود المصريون يشكلون لبنة هامة في البنية الاجتماعية المصرية رغم عددهم الضئيل - واعتنق عدد كبير منهم الإسلام في عصر المماليك - كما أن "اليهود المصريين" ظلوا رغم هجرات اليهود إلى مصر طائفة متماسكة دينياً ومتعاونة اجتماعياً وثقافياً

·     انقسم اليهود في مصر إلى طائفتين رئيسيتين - الربانين الذين يؤمنون بما ورد في التلمود وكانوا أكثر يهود مصر عدداً عبر العصور، والقرائين الذين كانوا يتمسكون بالتوراة - والذين أصبحوا بتاريخهم الطويل في مصر أبناء حقيقيين للبلاد من القرن الثامن حتى القرن العشرين، واندمجوا تماماً في ثقافة مصر ومجتمعها

·    مع هجرة يهود غرب أوروبا (السفارديم) إلى مصر بحثاً عن فرص الثراء، ويهود شرق أوروبا (الأشكنازيم) فراراً من الاضطهاد·· أصبحت للجماعة اليهودية في مصر منذ القرن التاسع عشر تركيبة جديدة نزعت عنها صفة المصرية - لخصها أحدهم بقوله: كنا نتحدث الإنجليزية والفرنسية في المدرسة، والإيطالية في المنزل، والعربية في الشوارع، ونسمع الشتائم التي تصب علينا بالتركية

 

قاسم عبده قاسم**

كانت الكتابة التاريخية، ولا تزال من أهم الأسس التي قامت عليها الحركة الدعائية الصهيونية: فقد أوصى "تيودور هرتزل" بإحداث أكبر قدر من الضجة حول "القضية اليهودية" من خلال الفن والتاريخ· وقد حدث بالفعل أن أنتجت الحركة الدعائية الصهيونية كماً هائلاً من الأعمال الفنية التي ركزت على تحسين صورة اليهودي في عيون العالم· وتكريس نمط "اليهودي الضحية" الذي يلاحقه الاضطهاد في كل مكان وزمان، وهو ينتظر الخلاص النهائي الذي حققته الحركة الصهيونية ومشروعها الاستيطاني في فلسطين· وفي غمار ذلك تم السطو على التراث الفني العربي، والتراث الشعبي العربي خاصة، ونسبته إلى "الشعب اليهودي" الذي خلقته الدعاية الصهيونية من غياهب الأوهام والأساطير·

وقد أخرجت المطابع سيولاً من الكتب والدراسات التاريخية تروج لفكرة "الشعب اليهودي" و"الحضارة اليهودية" و"العبقرية اليهودية"، وتصطنع لليهود تاريخاً وحضارة مستقلين عن تواريخ وحضارات الشعوب التي عاشوا بينها· ويمكننا، على سبيل المثال أن نلاحظ ذلك فيما كتب عن تاريخ مصر الفرعونية، والشعوب العربية القديمة، وتاريخ حوض البحر المتوسط الشرقي القديم، فقد زعموا أنهم بناة الأهرام، وصانعو حضارة العرب القدماء مثلما ذكر إسرائيل ولفنسون في كتابه عن "العرب واليهود في الجاهلية وصدر الإسلام" عندما زعم أن اللغة والشعر العربي القديم من أفضال اليهود على العرب (كذا)· ومن خلال ما كتبه "يعقوب مان" و"جويتين" وآشتور، ومارك كوهين، وسيفان ويوشع براور، وبنفنستي·· وغيرهم ترددت نغمة قوية تقول إن اليهود شعب صاحب حضارة وتاريخ تليد تمكن بفضله الحفاظ على الهوية اليهودية طوال ألفي سنة· بل إن جويتين ذكر في مقدمة كتابه إن خروج اليهود من المنطقة العربية سبب تخلفها بسبب سيطرة الغرباء عليها طوال ألفي سنة، وأن عودة إسرائيل إيذان ببدء الرقي والتقدم في هذه المنطقة·

وقد ظل هذا المنحى في اتجاهات الكتابة التاريخية الصهيونية محل رعاية زعماء الحركة وقادتها بعد قيام الدولة وحظي يهود المنطقة العربية بدراسات كثيرة في هذا الاتجاه الذي أخذ يركز على تصوير الطوائف اليهودية في البلاد العربية باعتبارها جزءاً من الشعب المنفى على أرض غريبة كانت تنتظر الخلاص الذي حققته الصهيونية بإقامة دولة إسرائيل كلي تهاجر إليها· ومنذ سنة 1948 وحتى قيام أنور السادات بزيارة اسرائيل وعقد معاهدة كامب ديفيد 1979، لم يكن هناك من يجرؤ في إسرائيل على الإشارة إلى تاريخ يهود البلاد العربية قبل سنة 1948· ولم يكن يهود مصر استثناء من ذلك بطبيعة الحال·

والكتاب الذي نناقشه في هذه الدراسة يتعرض لهذا الموضوع· وعلى الرغم من أن مؤلفه جويل بنين يتحدث في كتابه عن "اليهود المصريين"، فإن هناك خلافاً بيننا وبينه حول هوية أولئك "اليهود المصريين" الذين يتحدث عنهم؛ فقد تغيرت بنية الطائفة اليهودية المصرية منذ القرن التاسع عشر بفعل الهجرات الكثيرة لليهود الذين جاءوا إلى مصر من شتى أرجاء الدولة العثمانية لاسيما بعد أن تم افتتاح قناة السويس سنة 1869م بحثاً عن فرص الكسب من تجارة القطن المزدهرة· ومنذ ذلك الحين كانت غالبية "اليهود المصريين" من الأجانب الذين يحملون جنسيات أوروبية وبحر متوسطية عديدة، ويتحدثون بلسان أوروبي، وينتمون إلى ثقافات أوروبية· أما يهود مصر الأصلاء، فكان عددهم قليلاً، ومستواهم الاجتماعي والاقتصادي متواضعاً، كما كانوا يتحدثون العربية ويعتبرون أنفسهم من نتاج الثقافة العربية·

وتاريخ اليهود في مصر قديم موغل في القدم· وقد أثبتت دراسات عديدة عن اليهود في مصر عبر عصورها التاريخية الطويلة أنهم كانوا جماعة مصرية تعتنق ديناً يختلف عن دين الأغلبية ولكنهم شاركوا بقية المصريين حياتهم الاجتماعية، ونشاطهم الاقتصادي، وثقافتهم· وربما يكون مفيداً أن نذكر أنفسنا بأن اليهودية ديانة وليست قومية وأن أتباعها أتباع دين، شأن أتباع أي دين آخر وليسوا شعباً أو قومية· ومن ثم فإن اليهود في مصر كانوا جزءاً من النسيج الاجتماعي المصري، كما كانت ثقافتهم الفرعية أحد روافد الثقافة المصرية العامة·

وبعد الفتح الإسلامي لمصر ظل اليهود المصريون يشكلون لبنة هامة في البنية الاجتماعية المصرية على الرغم من أن عددهم كان ضئيلاً باستمرار· ويمكن تفسير هذا الأمر في ضوء الطبيعة غير التبشيرية للدين اليهودي من ناحية، والظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي حكمت التطور التاريخي لأعداد اليهود المصريين من ناحية أخرى· وربما كانت الغالية العظمى من يهود مصر تتركز في الإسكندرية التي كانت عاصمة مصر قبل الفتح، وقد تراوحت أعدادهم هناك بين أربعين ألفاً وسبعين ألفاً، وربما عاشت أعداد ضئيلة منهم في بقية أنحاء مصر آنذاك·

وهناك أسباب تاريخية كثيرة تدعونا إلى استنتاج أن أعدادهم قد زادت في مصر بعد الفتح الإسلامي، ومع ذلك فإن عدد اليهود المصريين بالنسبة إلى عدد المسلمين لم يكن يتجاوز نسبة واحد إلى مئة حسبما تظهر الدراسات التي اعتمدت على أوراق الجنيزا التي تغطي الفترة ما بين القرن التاسع والقرن الثاني عشر الميلاديين، والدراسات التي قامت على أساس أماكن وجود المعابد اليهودية في مصر·

وربما تكون ظروف اليهود المصريين التاريخية قد تحسنت بعد قيام الدولة الفاطمية (1171 - 969م)؛ إذ جاءت هجرات يهودية كثيرة إلى مصر آنذاك· ومع ذلك ظلت أعداد اليهود في مصر ضئيلة بشكل لافت للنظر، وربما كان عدد يهود مصر عند نهاية القرن الثالث عشر يتراوح بين عشرة آلاف وعشرين ألفاً· وقد اعتنق عدد كبير منهم الإسلام في عصر سلاطين المماليك بحيث كان عددهم يتراوح بين أربعة آلاف وخمسة آلاف في نهاية ذلك العصر·

ومنذ أواخر القرن الخامس عشر بدأت الهجرات اليهودية تفد إلى مصر· وقد ذكر الرحالة اليهودي عوبديا أنه وجد بالقاهرة آنذاك حوالي خمسين عائلة يهودية أسبانية ممن أجبرتهم السلطات الكاثوليكية على نبذ دينهم· وقد فروا إلى القاهرة لكي يعودوا إلى الديانة اليهودية·

وطوال تلك الفترة، وعلى الرغم من هجرات اليهود إلى مصر، ظل "اليهود المصريون" طائفة متماسكة دينياً ومتعاونة اجتماعياً وثقافيا· وكانت العربية لسانهم، كما كانت عاداتهم وتقاليدهم وسائر ممارساتهم داخل الإطار العام للثقافة العربية في مصر·

ولكن ما حدث بعد القرن التاسع عشر، غيّر من بنية "اليهود المصريين" بحيث لم يعودوا "مصريين" وإنما طائفة من المهاجرين المتمصرين بالإقامة دون أي ارتباط بالمجتمع المصري وثقافته·

هذه نقطة الخلاف الأولى مع المؤلف، ويحسن بنا أن نعود مرة أخرى إلى الكتاب· بعد زيارة السادات لإسرائيل، وتوقيع معاهدة كامب ديفيد، بدأ نوع من الاهتمام بدراسة تاريخ "اليهود المصريين" على الجانب الإسرائيلي· فقد كان هناك نوع من "الخجل" في أوساط يهود المنطقة العربية الذين هاجروا إلى إسرائيل يمنعهم من الحديث عن تاريخهم في البلاد العربية، ولكن توقيع المعاهدة جعل اليهود الذين هاجروا من مصر محط الاهتمام من جانب الباحثين اليهود "المصريين" أنفسهم، لأنهم ظنوا أن هذا يمكنهم من لعب دور الوسيط بين مصر وإسرائيل· وعلى الجانب المصري كان الاهتمام بتاريخ اليهود المصريين سابقاً على الزيارة والمعاهدة لأسباب أكاديمية ووطنية أيضاً؛ فقد كتب باحثون عن اليهود في مصر عبر تاريخها الطويل· بيد أن ما يلفت النظر في موقف الكتاب الإسرائيليين من البحث في هذا الموضوع هو النغمة البراجماتية العالية من ناحية، وعدم الدقة التي تصل إلى التزييف من ناحية ثانية، وأنهم جميعاً لم يكونوا من المصريين حقاً من  ناحية ثالثة·

يعطينا المؤلف نموذجاً جيداً عن هذا النمط من الكتابات التاريخية، وهو كتاب "جودرون كرايمر" المعنون "اليهود في مصر الحديثة 1952 - 1914م" الذي تتحدى فيه مؤلفته اتجاه التدوين التاريخي الصهيوني الذي يميل إلى اعتبار أن قيام دولة إسرائيل كان هو التحقيق النهائي لتاريخ اليهود المصريين من جهة، كما تتحدى اتجاه التدوين التاريخي المصري الوطني الذي يرى أن كل شيء في تاريخ يهود مصر كان على ما يرام وكان يمكن أن يستمر هكذا لو لم يعمل اليهود لصالح الحركة الصهيونية من جهة أخرى· ويبدو أن المؤلف يتبنى هذا الاتجاه في كتابه الذين يناقش تشتت اليهود المصريين فيما بين سنة 1948م وسنة 1956م·

ويتحدث الكاتب عن قدم الوجود اليهودي في مصر· حيث عاش اليهود فترة طويلة قبل الفتح الإسلامي· وبعد الفتح كانوا جزءاً من النسيج الاجتماعي والثقافي في إطار الحضارة العربية الإسلامية· وقد انقسم اليهود في مصر إلى طائفتين رئيسيتين هما الربانون، والقراءون· ثم طائفة ثالثة، وهم السامرة الذين كان عددهم ضئيلاً في مصر آنذاك·

ويدور الخلاف بين هذه الطوائف حول مدى الاعتراف، أو عدم الاعتراف، بأسفار التوراة والتلمود· وقد ظلت الجماعة اليهودية المصرية بعد الفتح الإسلامي، وحتى نهاية عصر السلاطين المماليك على الأقل، موزعة بين هذه الطوائف الثلاث·

والربانون (أو الربيون، أو الربانيون) أشهر هذه الطوائف وأكثرها عدداً· واسمهم مشتق من كلمة "ربانيم" العبرية (ومعناها: الإمام أو الحبر، أو الفقيه)· ويؤمن من جمهور هذه الطائفة بما ورد في التلمود من تفسير وآراء حول العقيدة والقانون والتاريخ الديني لليهود·

ويضم التلمود ثلاثة وستين سفراً ثم تأليفها في القرنين الأول والثاني بعد الميلاد، ويتألف من قسمين "المشناه" (أي المثنى) أو الكتاب الثاني بعد التوراة، وهو متن كتابات أحبار اليهود، و"الجمارا" أي شروح ما ورد في المتن، ويعني مصطلح "التلمود" التعاليم·

وكان الربانون أكثر يهود مصر عدداً عبر العصور، أما القراءون فكانوا أقل عدداً، ولكنهم كانوا يتمسكون بالتوراة· وقد اشتق اسمهم من كلمة عبرية هي "قَرُأ" (بفتح فضم ممدوداً ثم ألف ساكنة) لأنهم لم يعترفوا بغير المُقرأ (أي التوراة) ولم يتقيدوا بالتلمود، كما أنهم عرفوا باسم "أهل الدعوة" أو "أصحاب الدعوة" وهناك احتمال كبير بأن نشأتهم ترجع إلى القرنين الثامن والتاسع الميلاديين حيث تأثروا بآراء المعتزلة·

ولم يترك الربانون فرصة لمهاجمة القرائين، فاتهموهم بالكفر وحرموا الزواج منهم والاتصال بهم· أما السامرة، الذين كانوا أقلية ضئيلة العدد بين يهود مصر، فقد نشأوا في فلسطين بعد تدمير مملكة إسرائيل التي انشقت على مملكة سليمان الحكيم بعد وفاته· ويعتبرهم اليهود حثالة من الأجانب الذين تعاونوا مع أعداء اليهود· ولا يؤمن السامرة سوى بالأسفار الخمسة التي تمثل القسم الأول من التوراة إلى جانب سفر يوشع وسفر القضاة؛ بيد أن صوص هذه الأسفار تختلف عن نصوص الأسفار لدى غيرهم من اليهود· وينكرون نبوة كل من أتى بعد موسى باستثناء هارون ويوشع وإبراهيم، وتختلف قبلتهم عن قبلة بقية اليهود، إذ إن قبلتهم جبل عزون والجزريم بنابلس في فلسطين وليست بيت المقدم ويزعمون أن الله كلَّم النبي موسى على هذا الجبل· وكان لهم بالقاهرة حي خاص بهم ومعبد خاص ذكره المؤرخ تقي الدين المقريزي· وقد اندمجوا في المجتمع المصري أكثر من غيرهم·

وقد ظل هذا هو الإطار العام للوجود التاريخي للجماعة اليهودية المصرية، بلاد تغيير يذكر سوى في القرن التاسع عشر بعد فتح قناة السويس وازدهار تجارة القطن من ناحية، وتدهور أحوال الدولة العثمانية من ناحية أخرى·

وكانت الجماعة اليهودية المصرية، بعد النصف الثاني من القرن التاسع عشر، تتحدث العربية وتعيش في القاهرة في لحي اليهودي وفي الإسكندرية وفي حي الميناء· بيد أننا يجب أن نلاحظ أنه لم يكن هناك جيتو سكني، أو جيتو حرفي، لليهود المصريين في هاتين المدينتين، أو في مدن الأقاليم التي عاش بها اليهود أيضاً·

وفي سنة 1947م ذكر الإحصاء الرسمي أن عدد اليهود في مصر بلغ 65.639 نسمة، ولكن تقديرات الباحثين ترتفع بهذا الرقم سنة 1948 إلى ما بين 75 وثمانين ألفا· بينما كان عدد اليهود المصريين المتحدثين بالعربية والذين عاشوا في مصر قروناً طويلة، لا يزيد على عشرين ألفا· وهنا تكمن نقطة الضعف الأساسية في كتاب "جويل بينين" الذين نناقشه في هذه الدراسة· ذلك أن ثلاثة أرباع اليهود الذين عاشوا في مصر من سنة 1948 إلى 1956 لم يكونوا مصريين·

لقد تسببت هجرة اليهود من أوروبا وعالم البحر المتوسط وأقاليم الدولة العثمانية إلى مصر في تغير بنية الطائفة اليهودية في مصر من النواحي العرقية والثقافية والاقتصادية والسياسية بسبب تعدد جنسيات المهاجرين، وتعدد لغاتهم ومشاربهم الثقافية: فضلاً عن تنوع انتماءاتهم السياسية· وكان اليهود القراءون في مصر سنة 1948 حوالي خمسة آلاف· وتاريخهم الطويل في مصر جعل منهم أبناء حقيقيين للبلاد طوال الفترة من القرن الثامن حتى القرن العشرين على أقل تقدير، إذ كانت العربية لغتهم كما كانت ثقافتهم هي ذات ثقافة المجتمع المصري· وعلى الرغم من أن ألمانيا وروسيا وبلاد شرق أوروبا لم تكن تعاملهم باعتبارهم يهوداً· فإن المجتمع والدولة في مصر تعاملاً معهم تاريخياً باعتبارهم من أهل الذمة· وكان لهم رئيس يمثلهم أمام السلطات الحاكمة طوال عصور تاريخ مصر الإسلامية، وفي العصر العثماني أيضاً·

ويقول المؤلف إن يهود غرب أوروبا (السفارديم) عرفوا الهجرة إلى مصر منذ زمن موسى بن ميمون الذي قدم إى مصر ليعمل في بلاط صلاح الدين الأيوبي سنة 1165م فراراً من حكم الموحدين· وهنا يلفت النظر أن هذه ممارسة شائعة في التدوين التاريخي الصهيوني ــــ على الرغم من أن المؤلف يزعم أنه ضد هذا الاتجاه ــــ وأعني بهذه الممارسة الشائعة محاولة افتعال سياق تاريخي متصل لأي فعل مستقل يقوم به فرد أو جماعة يهودية في أي زمان وأي مكان· فلم يكن قدوم موسى بن ميمون إلى مصر آنذاك جزءاً من هجرة "السفارديم" كما يزعم المؤلف، ولكنها كانت هجرة فرد يبحث عن الأمان والاستقرار بعيداً عن عواصف السياسة العاتية في الغرب الإسلامي· وفي ذلك الحين كانت مصر، تحت زعامة صلاح الدين الأيوبي أكثر مناطق العالم الإسلامي استقراراً وأمناً (وقد اعتنق موسى بن ميمون الإسلام، ثم سمح له صلاح الدين بالارتداد إلى اليهودية حينما أخبره أنه اضطر لاعتناق الإسلام· وتولى رئاسة اليهود في مصر وقد وصفته وثائق الجينيزه بصفات مهيبة)· وعلى أية حال، فإن ذلك الرجل جاء إلى مصر في ظروف تشبه الظروف التي جعلت ابن خلدون يجىء إلى مصر بعد ثلاثة قرون تقريباً·

في النصف الثاني من القرن التاسع عشر زادت هجرة يهود غرب أوروبا (السفارديم) إلى مصر بحثا عن فرص الثراء السيع؛ ومنهم تشكلت أبرز عناصر النخبة اليهودية في مصر· وكان معظم اليهود الغربيين في مصر من أبناء الطبقة الوسطى الذين نعموا في البلاد بعيشة راضية·

وفي القرن التاسع عشر أيضاً جاء يهود شرق أوروبا (الإشكنازيم) فراراً من الاضطهادات التي وقعت عليهم آنذاك· بيد أنهم كونوا جماعة منعزلة عاشت في منطقة درب البرابرة بالقرب من وسط القاهرة· وكانت لغتهم التي يتخاطبون بها في شوارع القاهرة وفي داخل بيوتهم هي لغة غليديش (وهي مزيج من اللغة الألمانية القديمة وبعض التعبيرات العبرية)· وقد ظلوا على هذه الحال حتى خمسينيات القرن العشرين· بل إنهم شيدوا لأنفسهم مسرحاً خاصاً، كما كان لهم برنامج خاصة في الإذاعة المصرية يبث بهذه اللغة·

هذه التركيبة الجديدة للجماعة اليهودية في مصر نزعت عنها صفة المصرية، وبينما ظل اليهود المصريون الأصلاء الناطقون بالعربية يتقهقرون إلى خلفية المشهد؛ يعانون الفقر واللامبالاة، كانت الصفة العالمية (الكوزموبوليتانية) تميز الطبقة الوسطى والطبقة العليا من الجماعة اليهودية، إذ كان أبناء هاتين الطبقتين متعددي الثقافات واللغات والانتماءات السياسية، كما كانت غالبيتهم يحملون جنسيات دول أوروبية وبحر متوسطية· وقد عبّر أحد أبناء اليهود القادمين من غرب أوروبا عن هذا الموقف تعبيراً بلاغياً موحياً؛ إذ قال:

"كنا نتحدث الإنجليزية والفرنسية في المدرسة، ونتكلم الإيطالية في المنزل، نتخاطب باللغة العربية في الشوارع، ونسمع الشتائم التي تصب علينا بالتركية"·

هكذا كانت الجماعة اليهودية جماعة من اليهود المهاجرين إلى مصر في  في غالبيتها؛ إذا كان ثلاثة أرباع يهود مصر حسب إحصاء سنة 1947م من الأجانب المتمصرين على حين كان الربع الباقي فقط من المصريين الأصلاء·

هذه إذا كانت بنية الجماعة اليهودية في مصر فيما بين سنة 1948 وسنة 1956م· وربما كان السؤال الذي طرحه المؤلف عن كيفية كون اليهود عنصراً من عناصر المجتمع المصري يبدو مشروعاً من الناحية العلمية· وفي تقديرنا أن ما يزيد من مشروعية هذا السؤال أن اليهود في مصر آنذاك كانوا قسمين: قسم يدخل في النسيج الاجتماعي المصري بفضل التراث التاريخي الواحد، واللغة والإطار الثقافي، وقسم آخر يعيش على هامش المجتمع ويشكل في حقيقته جزءاً من الوجود الأجنبي الذي ازدادت كثافته بمصر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين· وهذا الشطر، الذي يمثل العدد الأكبر من  اليهود آنذاك، كان في حقيقته جزءاً عضوياً من الوجود الرأسمالي في المنطقة العربية وحوض المتوسط· وربما كان هذا الأمر تفسيراً لسؤال آخر طرحه المؤلف عن كيفية تفكك الروابط التي كانت تجمع الجماعة اليهودية المصرية عندما خرجوا؛ من مصر إلى عدة أماكن مختلفة· ذلك أن هذه الروابط التي يزعم المؤلف أنها تفككت لم تكن قائمة أبداً؛ فاليهود المصريون (من الربانين والقرائين) ظلوا على مصريتهم حتى بدأ نشاط العناصر الصهيونية تجتذب بعض أبنائهم· أما اليهود الوافدون من أوروبا فقد غادروا مصر التي لم تكن وطناً لهم، وإنما كانت مكاناً للعمل والاستثمار·

ننتقل بعد ذلك إلى التيارات الثقافية/السياسية التي توزعت بين يهود مصر في النصف الأول من القرن العشرين· فقد عاش اليهود في القاهرة والإسكندرية وعواصم الأقاليم، وكانت نسبتهم في القاهرة سنة 1947 حوالي %64 وفي الإسكندرية %32 على حين توزعت نسبة %4 الباقية على باقي المحافظات، حسبما ورد في تعداد سكان القطر المصري سنة 1948· وكان طبيعياً أن تتنوع التيارات الثقافية/السياسية بين اليهود في أماكن وجودهم، وكان طبيعياً أيضاً أن تتوزع انتماءاتهم السياسية نظراً لتنوع جنسياتهم وأصولهم العرقية وبنيتهم الثقافية· ولم يكن أمر ولائهم السياسي مطروحاً حتى سنة 1954م عندما وقعت "فضيحة لافون" أو العمليات الإرهابية التي أشرفت عليها ونفذتها المخابرات العسكرية الإسرائيلية ضد أهداف أمريكية وإنجليزية في القاهرة والإسكندرية لإحراج حكومة ثورة 23 يوليو والوقيعة بينها وبين الولايات المتحدة وإنجلترا· وقد شارك عدد كبير من اليهود المقيمين في مصر في هذه العملية التي عرفت باسم "عملية سوزانا"·

وقد اتخذ المؤلف هذه العملية مدخلاً لمناقشة مسألة هوية "اليهود المصريين" وانتمائهم وولائهم· ويقدم المؤلف إجابة تقوض الأساس الذي بنى عليه دراسته· إذ يقول إنه على الرغم من أن المتهمين في عملية سوزانا وصلوا إلى إسرائيل بعد أربعة عشر عاماً· قضوها في السجون المصرية ليعلنوا أنهم لم يعتبروا أنفسهم مصريين أبداً، فإن الحكومة المصرية أعلنت وقتها أنهم مصريون يحاكمون لأنهم ارتكبوا جريمة ضد وطنهم· وفي رأي المؤلف أن التناقض بين الموقفين لا ينفي حقيقة أن يهود مصر آنذاك كانوا متعددي الهوية والانتماءات بحيث لا يصدق عليهم أي من القولين·

ويبدو ارتباك موقف المؤلف من هذه المسألة واضحاً بسبب انحيازة وغايته من الدراسة التي شابها انعدام الموضوعية والسمة الانتقائية في تناول الأحداث التاريخية، فهو يعرض لارتباط اليهود بمصر منذ القدم حسب رواية العهد القديم (وهي رواية تفيض بالعداء ضد مصر والمصريين على أية حال)؛ بل إن كثيراً من الكتاب يقولون إن بعض طقوس اليهود وشعائرهم ومفاهيمهم الدينية أخذوها عن مصر القديمة· ويخلص الكاتب من هذا إلى تأكيد شرعية الوجود اليهودي بمصر· ونحن نتفق مع المؤلف في هذه الحقيقة التاريخية ولكننا نختلف معه في دلالاتها ومغزاها· فاليهود الذين يحق لهم الإقامة بمصر هم اليهود المصريون الذين عاشوا فيها عبر عصورها التاريخية الطويلة؛ وهم الذين يتحدثون العربية ويشاركون بقية المصريين هويتهم الاجتماعية والثقافية· أما اليهود الوافدون، الذين لم يعتبروا أنفسهم مصريين أبداً، مثل أولئك الذين شاركوا في عملية سوزانا الإرهابية فليس لهم أي حق في هذا·

ويذهب الكاتب إلى حد القول بأنه في فترة ما بين الحربين العالميتين كان كثيرون من اليهود لا يرون تعارضاً بين كونهم صهاينة، وكونهم مصريين ملتزمين!! وهو قول مردود عليه بالحقائق التاريخية· فقد كانت صحيفة "الشمس" التي تأسست عام 1934م وصاحبها سعد يعقوب مالكي المتمتع بالحماية الإيطالية، من أهم أبواق الصهيونية· وقد تقدمت الجامعة العربية بعد نشأتها إلى إدارة المطبوعات بشكاوى عديدة ضد هذه الصحيفة المعادية، للعروبة فأصدرت الرقابة العامة قرارها بتعطيل صحيفة الشمس اعتباراً من 1948/6/11م·

أما صحيفة "التسعيرة" التي أصدرها يعقوب مزراحي سنة 1944 بمساعدة فؤاد سراج الدين باشا، فقد وقفت ضد الصهيونية واتخذت موقفاً وطنياً· وقد أصدر مزراحي جريدة "الصراحة" التي اتخذت موقفاً مماثلاً لموقف "التسعيرة"·

وكانت صحيفة "الكليم" التي تصدرها طائفة القرائين تتخذ موقف التجاهل من الحركة الصهيونية واقتصرت على نشر ما يتعلق باليهود المصريين إلى جانب ألوان الأدب· وبعد الثورة ساندت "الكليم" رجال يوليو وتتبعت أخبارهم·

ومن المقارنة بين الصحف التي كان يملكها يهود مصريون والصحف التي كان يملكها يهود الذين يحلمون جنسيات أجنبية، يتضح أن المصريين تجنبوا التعامل مع الحركة الصهيونية في غالب الأحوال وأن الأجانب هم الذين ساندوا الحركة الصهيونية ونشاطها في مصر·

يرى المؤلف أن اليهود في مصر توزعوا بين ثلاثة تيارات  هي "الطائفية ــــ الوطنية ــــ ثم تيار الحنين للماضي" ويعني بالطائفية أنه تيار ذو جذور تاريخية يرى اليهود أنفسهم فيه باعتبارهم إحدى طوائف "أهل الذمة"· وقد تحدد الوضع القانوني لليهود باعتبارهم من أهل الذمة منذ الفتح الإسلامي لمصر· وكان على "أهل الذمة" عدة شروط للبقاء في دار الإسلام تحت حماية المسلمين أهمها دفع الجزية، التي كانت بمثابة ضريبة دفاع على حد تعبيرنا المعاصر· وباستثناء الجزية لم يكن على أهل الذمة قيود من الناحية النظرية، كما تركت لهم حرية العقيدة، وترتيب الشؤون الداخلية للطائفة، وقد استمر الوضع التاريخي لليهود في مصر في إطاره القانوني باعتبارهم من أهل الذمة حتى سنة 1914م عندما أعلنت بريطانيا الحماية على مصر وسلختها عن الدولة العثمانية· وقد ظل أبناء اليهود المصريين الأصلاء يرون أنفسهم من هذا المنظور ويحظون بقدر كبير من التسامح والتعايش بينهم وبين المصريين المسلمين والمسيحيين·

هؤلاء المصريون الأصلاء كان تعداداهم سنة 1948م حوالي عشرة آلاف فرد كان معظمهم يعيشون في القاهرة بأحياء الظاهر وعابدين ومصر الجديدة وقصر النيل والجمالية والأزبكية والموسكي وباب الشعرية والوايلي· وتمركزت غالبيتهم في حارة اليهود التي كانت حيَّاً ينقسم إلى شياختين هما شياخة اليهود الربانين وشياخة اليهود القرائين ويتبع حي الجمالية· ويرجع تاريخ حارة اليهود إلى زمن إنشاء حي الموسكي منذ حوالي مئة وستين عاماً، وقد عاش اليهود المصريون الناطقون بالعربية في هذا الحي منذ إنشائه سواء كانوا من الربانين أو القرائين·

ولأن الأجانب من اليهود كانوا من طائفة الربانين فإن الطابع الغالب على أبناء هذه الطائفة كان هو الطابع الأجنبي، فقد كان هناك أربعون ألف يهودي بلا جنسية محددة، بالإضافة إلى ثلاثين ألفاً يحملون جنسيات الدول الأجنبية· وكان سلفاتور شيكوريل هو رئيس اليهود الربانين في مصر طوال فترة ما بين حرب 1948 وحرب 1956م· وكانت هناك تسعة مجالس للطائفة اليهودية موزعة بين القاهرة والإسكندرية وعواصم المديريات·

أما القراءون فوجودهم قديم بمصر· ويعود أصلهم إلى القرن الثامن الميلادي حين دعا زعيمهم ومؤسس مذهبهم "عنان بن داود" (توفي فيما بين 800 - 790م) إلى مذهب جديد نتيجة خلاف نشب حول منصب رئيس اليهود في الدولة العباسية زمن الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور· وكان بعض اليهود وأحبارهم قد تأثروا بالمعتزلة وأصحاب علم لكلام من المسلمين فأخذوا ينقدون تعاليم الربانين ويتحفزون للخروج على تعاليم التلمود، وتزعم هذه الحركة الفكرية ثلاثة من أحبار اليهود هم: إفرايم وأليشع المعلم وحنوكة· ووجدوا في ثورة عنان بن داود فرصتهم فجعلوه رئيساً لحركتهم· ومنذ ذلك الحين عرفوا باسم "القرائين" أو "بني المُقرا" إشارة إلى تمسكهم الحرفي بالتوراة ورفضهم ما عداها من كتب التشريع اليهودي·

وقد عاش القراءون في مصر أكثر من ألف سنة· وكان معظمهم يعملون في تجارة الذهب والمجوهرات في النصف الأول من القرن العشرين· وفي عشرينيات هذا القرن تحول الأغنياء منه إلى السكنى في أحياء مثل العباسية ومصر الجديدة وأخذوا ينهجون نهج الأرستقراطية المصرية في اتخاذ اللغة الفرنسية وتبني الثقافة الأوروبية· ولأن الأجانب منهم كانوا قلة ضئيلة فإنهم لم يختلفوا عن جيرانهم المسلمين والمسيحيين سوى في الممارسات الدينية· بل إن رئيس الطائفة بعد سنة 1952 كان اسمه عبدالعزيز خضر، وهو اسم لا يكشف عن دين صاحبه، كما أن أسماءهم كانت مصرية في غالبها· وكان القراءون يرون أنفسهم مصريين في ضوء وضعهم التاريخي واندمجوا تماماً في الثقافة المصرية والمجتمع المصري·

* الكتب وجهات نظر - العدد السادس يوليو 1999

** أستاذ تاريخ العصور الوسطى بجامعة الزقازيق - مصر·

طباعة