نوستالجيا مواطن خائف!
ركان الصفدي
(1)
حين يندغم المكان بالزمان يصبح جزءاً من الذات··· تحتفي به الذاكرة وتمنحه ويمنحها طاقة مشعة من الحنين، الشوق، الرهبة، الخشوع··· فتضطرم النوستالجيا، وتتواشج الذات والأشياء··· هكذا وقف الشاعر القديم على الأطلال، وهكذا وصف الكتّاب مراتع الأحداث، حتى لتشعر أن المكان لم يكن إلا معادلاً موضوعياً لذواتهم· أما الإنسان فهو بين طرفي المعادلة جمرة تتوقد، وحركة تصنع الحياة، وكينونة تؤجج سطوع الحضور·
(2)
كان عليّ أن أؤدي طقوسي الاحتفالية قبل أن أغادر الكويت، أن أقف كغيري أمام مرآة الأشياء، أن··· أزور الأماكن الأولى التي أطلت منها على هذا المكان الذي صار بعد قليل من الانكماش والاستيحاش حبيباً··· وهكذا زرت الشارع الأول والمركز الأول والمجمع الأول والمجلة الأولى··· فتحت حواسي جميعها على مصراعيها لأعبّ الحضور وأحتفظ بتفاصيله الصغيرة،حتى شممت رائحة الأيام، وسمعت صخب الحركة، وتذوقت طعم اللحظة الأولى، ورأيت احتفالات الأشياء، وتلمست نبض التفاصيل، لتتحد هذه الفعاليات كلها في حريق واحد أمام موعد السفر·
وكم تألمت حين وجدت بعض أمكنتي الأولى قد أصابه التغيير، أو تسرّب إليه غبار اليباب··· واكتشفت أنني في هذه القضية من عتاة المحافظين!
(3)
كأي مواطن صالح وجدتني خائفاً أمام رجل الشرطة في المطار (التمثل الحي للحدود) لا لشيء إلا لأنني أختزن تحت جلدي عشرة آلاف سنة من أنين الرعية، وكم كنت شاكراً له حين أعاد إليّ جواز سفري مما يعني أنني مازلت خالياً من الأمراض الفكرية، والسياسية والأمنية السارية، وكاد الإحساس بالجميل ينطقني بآيات الشكر، كنت كأني مستغرب أنه لم يَرَ في عينيّ شبهة تاريخية أو لوناً لا يليق بمقام الأمن الغذائي العربي أو طيفاً من ضحية جوع تتمدد من المحيط إلى الخليج، أو وميضاً لغضب ساطع أطفأته مياه العلاقات العربية الدافئة··· عجبت كيف سمح لي ذلك الشرطي الطيب الجليل بالسفر، وأنا متهم من رأسي إلى حذائي، وإن كنت لا أعرف هذه التهمة، غير أنني أحس بها كما يحس السنونو بالربيع، وأشمها كما تشم أمريكا رائحة النفط على بعد ألف مؤتمر قمة عربية!
(4)
في مطار دمشق حين هبطت الطائرة متحدية الجغرافيا كنت خائفاً أيضاً، فقد غبت أربع سنوات متواصلة، وهذا لا يليق بمواطن عربي صالح يحرص دائماً على أن يثبت أنه مازال على مرأى الجميع ومسمعهم وملمسهم، كما يثبت المحكوم بالإقامة الجبرية إقامته في المخفر كل مساء··· فعلي إذاً أن أوقع في مطار بلدي أنني مازلت مواطناً··· وكدت أُعْوِلْ فرحاً حين أعاد الشرطي إليّ جواز سفري ببساطة، بل إن رجل الجمارك لم يتذمر لأن الحقيبة الرقمية أطبقت على الجواز ولم تعد تفتح!
وحين خرجت من المطار··· تدفقت دمشق في دمي كجداول الربيع!
(5)
اللقاء الأول مع المكان الذي كنت تعرفه لحظة شديدة الخصوصية، فقد تراه مثلاً أصغر مما كان في ذاكرتك، أو تحسه صامتاً صمتاً ثقيلاً، أو تستشعر عتابه أو ذهوله أو استمراريته الأبدية··· ثم لا تلبث أن تردم الفجوة الزمنية وتعيد ترتيب الأشياء والأفكار، فينساب الوقت كما لو أنه لم ينقطع··· اللقاء الأول يحدث طنيناً وألماً خافتاً·
في اللقاء الأول تحس أن جزءاً منك يحلق عالياً فوق اللحظة وينظر إلى الحضور من عَل·
(6)
مثخناً بالأمكنة، أستقبل الصباحات الواخزة، أتسكّع في مراتع كانت جزءاً من عمري، أكمل الأحاديث والنقاشات مع الأصدقاء كما لو أنني لم أنفصل عنهم··· ولكن الرأس المضطرم بشواظ المكان لا يستطيع أن يتعامل مع الجغرافيا كما يتعامل المسّاح أو الراصد الجوي أو شرطي الحدود، فإن الأمكنة تتجاوز وتتداخل، والقلب يطلّ على دمشق والكويت وحولي والسويداء وشارع الصحافة وأوستراد المزّة وحديقة الروضة وحديقة تشرين··· ولكن حين أريد أن أصّدق أنني لم أنفصل عن أمكنتي الكويتية، وأن الجغرافيا لم تغيّب عني أصدقائي وأحبائي هناك، أخرج لأبحث عن الصحف الكويتية التي كنت أفتتح صباحي بها، فلا أجد "القبس" ولا "الرأي العام" ولا "الطليعة" ولا غيرها من الصحف أو المجلات، إذاً··· فقد هزمتني الجغرافيا!
(7)
أيتها المطارات العربية··· يا شرطة الحدود العرب الطيبين، مهما عاملتموني بالحسنى، وختمتم جوازي دليلاً على أنني لست خارجاً على القانون، فإنكم لن تستطيعوا أن تنزعوا من قلبي··· الخوف الذي أعتز به!