· بين 1948 و1956، كان اليهود في مصر قسمين: يهوداً داخل النسيج الاجتماعي بفضل التراث الواحد واللغة والثقافة -ويهوداً على هامش المجتمع ويشكلون في الحقيقة جزءاً من الوجود الأجنبي الكثيف، وأيضاً جزءاً عضوياً من الوجود الرأسمالي في المنطقة العربية وحوض البحر المتوسط
· زيارة السادات لإسرائيل فتحت الباب لمحاولات "استعادة هوية اليهود المصريين" الذين نزحوا إلى إسرائيل والذين رأوا في كامب ديفيد فرصة للقيام بدور الوسيط بين البلاد التي ولدوا بها ووطنهم الجديد في تحرك هدفه فتح الباب اللمطالبة باسترداد "الممتلكات" اليهودية الضائعة في مصر
· فيما بين الثلاثينيات والخمسينيات أسهم اليهود في إعادة بناء وتنظيم الحركة الشيوعية المصرية - وكان أبرز الناشطين الشيوعيين هنري كورييل الذي أسس الحركة المصرية للتحرر الوطني في 1943 (حمتو) ثم اندمج في اتحاد مع تنظيم "الشرارة" الذي شكله يهودي آخر هو هليل شوارتز إلى أن انهار اتحادهما بسبب حرب فلسطين 48
قاسم عبده قاسم **
وإذا كان القراءون قد اعتبروا أنفسهم مصريين بحكم وضعهم التاريخي وثقافتهم العربية، فإن البورجوازية اليهودية العليا كانت تعتقد أن عدم امتلاكها لهذه الروابط لا يقلل من كونهم مصريين أيضاً· إذ كانت عائلات قطاوى وموصيري ذات النشاط الاقتصادي الواسع تقيم بمصر منذ زمن طويل· كما أن عائلات كثيرة من اليهود السافرديم جاءت إلى مصر في القرن التاسع عشر وبعده وعمل أبناؤها في مجال والوساطة التجارية بين أوروبا وأقاليم الدولة العثمانية· وبعد الاحتلال البريطاني أنشأوا شركات مع الأوروبيين والمصريين· وفي فترة ما بين الحربين كان يوسف أصلان قطاوى باشا من أبرز اليهود وتولى إدارة شركة السكر المصرية في كوم أمبو· وتعاون مع عائلة سوارس وبعض الأجانب في تأسيس شركة كوم أمبو لاستصلاح الأراضي الزراعية وزراعة المحاصيل النقدية· وقد تم تأميم هذه الشركة سنة 1961م· ومن خلال نشاط يوسف قطاوى باشا الاقتصادي استطاع أن يحوز لنفسه ولعائلته نفوذاً واسع المدى·
وقد تعاون قطاوى وشيكوريل مع طلعت حرب في مجالي التجارة والصناعة، وكان قطاوى نائباً لرئيس بنك مصر· وقد تمثل تيار الوطنية في شخصية قطاوى باشا الذي كان يعتبر نفسه "مصري الوطن يهودي الديانة" لأنه ينتمي إلى عائلة تمتد جذورها في مصر إلى القرن الثامن الميلادي· وقد عمل يوسف أصلان قطاوى باشا وزيراً في حكومة زيوار باشا الموالية للقصر في سنة 1925 - 1924م، كما أن زوجته السيدة أليس كانت وصيفة لكل من الملكة نازلي والملكة فريدة· واستمرت عائلة قطاوى باشا تحتل مكانتها بين عائلات البورجوازية المصرية بين الحربين العالميتين·
هذا القطاع الذي تمثله عائلة قطاوى باشا في المجتمع المصري كان يضم عائلات الطبقة البورجوازية المصرية (مسلمين ومسيحيين ويهوداً)، وبسبب أوضاعهم المريحة اختار عدد كبير من البورجوازية اليهودية البقاء في مصر بعد حرب 1948م، وبقي منهم عدد كبير حتى العدوان الثلاثي سنة 1956م، بل إن معظم الذين تركوا مصر منهم لم يهاجروا إلى إسرائيل حسبما تذكر تقارير وكالة الهجرة الصهيونية·
بيد أن التيار الغالب في البورجوازية اليهودية في مصر لم يكن التيار الوطني الذي يمثله رجل مثل يوسف قطاوى، وأنها كان يغلب عليه الطابع الأجنبي من حيث الانتماء الثقافي/ السياسي ومن حيث ارتباط مصالحه الاقتصادية بمصالح البورجوازية الأوروبية· فقد حدث منذ أواخر القرن التاسع عشر نوع من "فرنجة" مجتمع رجال الأعمال في مصر أدى إلى سيادة اللغة الفرنسية وغيرها· وقد أدى هذا بطبيعة الحال إلى تبني اليهود للغة الفرنسية·
أما التيار الذي سماه المؤلف "تيار الحنين إلى الماضي"؛ فقد اختار "راحيل مكابي" ممثلة لهم· ومن الأمور العجيبة أنه عرض لكتابها "مصر بلدي" الذي تروي فيه قصة حياتها في مصر العشرينيات والثلاثينيات، وفيه تقول: "إن عالم المصريين كان بالنسبة لها عالماً مخيفاً"· وكانت راحيل مكابي قد هاجرت من مصر إلى إسرائيل، وانضمت إلى أحد الكيبوتزات، ثم صارت ضابطاً في عصابات الهاجاناه ذات التاريخ الإرهابي الأسود، ثم ضابطاً بالجيش الإسرائيلي·
ويحاول المؤلف تبرير هذا الموقف بالقول إنه حتى زيارة السادات للقدس 1977م كان من الصعب على اليهود المصريين أن يذكروا شيئاً إيجابياً عن مصر، ولكن الصورة تحسنت بعد ذلك·
وفي الفصل الثالث لكتابه فإنه يناقش تعامل السلطات المصرية مع اليهود؛ هل كانوا "أهل ذمة" أم مواطنين، أم عناصر هدامة؟
بعد نهاية حرب فلسطين سنة 1948 بدأت الحكومة الإسرائيلية والمنظمات اليهودية في الغرب الأوروبي والأمريكي حملة ضد مصر والبلاد العربية بشأن معاملة اليهود· وبلغت الوقاحة الصهيونية مداها في الاعتراض على منع النشاط الصهيوني في مصر؛ الذي ظل مباحاً حتى سنة 1948· ويميل المؤلف إلى اعتبار هذا الإجراء انتهاكاً لحقوق الإنسان باعتبار أنه كان من المفترض ألا تتأثر حياة اليهود في مصر بالصراع العربي الصهيوني، وباعتبار أن الدولة تمثل كافة مواطنيها الذين يشتركون في الحقوق والواجبات· وفي رأيه أنه كان من الظلم أن يلقى اليهود معاملة تتسم بالتفرقة العنصرية!!
وتكشف الدراسات الحديثة عن مدى وهن ادعاءات المؤلف ومزاعم الصهيونية على حد سواء· فقد عاش اليهود حياتهم الاجتماعية ومارسوا أنشطتهم الاقتصادية بشكل طبيعي في مصر آنذاك: إذ عاش اليهود في القاهرة والإسكندرية ومدن الأقاليم بنسب تصل في القاهرة إلى %65 وفي الإسكندرية %32 وكانت نسبتهم في باقي المحافظات %3 حسب تعداد الإحصاء السكاني لسنة 1960· وهي تقريباً نفس نسب تواجدهم التي رصدها الإحصاء العام للسكان سنة 1948· وقد ظلت بحوزتهم أعداد المدارس والمستشفيات والمراكز الاجتماعية والصحف التي كانت ملكهم منذ فترة ما قبل حرب 1948· كما كانت لهم أنديتهم الخاصة، واستمروا في تنظيم رحلاتهم الخاصة وتكوين فرق الكشافة·· وما إلى ذلك·
ومن ناحية أخرى، كان من حق اليهود الالتحاق بالمدارس الحكومية المصرية والجامعات والمعاهد العليا: فقد بلغ عدد الطلاب اليهود بالجامعات والمعاهد سنة 1957/56 مئة وسبعة وثمانين طالباً وطالبة حسب الإحصاء السنوي للتعليم في هذه السنة· وفي مدارسهم الخاصة كان من حقهم تدريس اللغة العبرية ومواد أخرى خاصة بالحياة الدينية والثقافية· بل إن المدارس اليهودية كانت تتلقى إعانة من الحكومة المصرية في شكل الأموال والإمداد بالمدرسين ووسائل التعليم·
أما صحفهم فقد استمرت في الصدور حتى منتصف الخمسينيات، كما كانت لهم جمعية للدراسات التاريخية باسم جمعية مصر للدراسات التاريخية تأسست سنة 1925 وتوقفت بعد سنة 1948 بسبب عجز مواردها وليس بسبب تدخل السلطات المصرية· وقد شارك المثقفون والفنانون اليهود في الحياة الثقافية والفنية المصرية؛ في الكتابة والمسرح والموسيقى والغناء والسينما·
وفي مجال النشاط الاقتصادي كان اليهود يشاركون في كل مجال؛ مثل تجارة الأقطان وتصديرها، وتجارة الملابس والمواد الغذائية، والمبيدات الحشرية والمواد الكيميائية والمصاعد والأجهزة الكهربائية والأدوية·· وما إلى ذلك من الأنشطة الصناعية وأعمال الخدمات والفنادق فضلاً عن أنشطة استصلاح الأراضي والزراعة· ولم تتعرض هذه النشاطات لأية مضايقات حتى حركة التأميمات سنة 1961م حين تم تأميمها مع غيرها من المؤسسات التي يملكها المسلمون والمسيحيون والأجانب·
وبالمقارنة فإن الفلسطينيين الذين اغتصبت إسرائيل وطنهم واضطروا إلى البقاء داخل الكيان الصهيوني، فقد ظلوا خاضعين للحكم العسكري حتى سنة 1965، كما تعرضت أراضيهم للمصادرات المتعددة لصالح مشروعات استيطانية صهيونية مثل "مشروع تهويد الجليل"، فضلاً عن منعهم من عضوية الاتحادات النقابية وحرمانهم من فرض العمل والوظائف العامة·
صحيح أن حرب 1948 بنتائجها السلبية قد حركت الرأي العام والحكومة المصرية ضد الصهيونية، ولكن غالبية اليهود لم يتأثروا بها، بدليل أن أكثر من خمسين ألف يهودي بقوا في مصر بعد سنة 1948· وظلت المؤسسات والشركات اليهودية تعمل في مصر دونما تدخل؛ فالبنوك التي كان يملكها اليهود ــــ مثلاً ــــ ظلت تعمل حتى ما بعد حرب 1956· إذ استمر نشاط "البنك التجاري المصري" الذي أسسته أسرة قطاوي وأسرة سوارس وغيرهما في الإسكندرية سنة 1920م حتى سنة 1957· كما أن بنك "موصيرى" الذي تأسس سنة 1935 بتمويل من عائلة موصيرى اليهودية الإيطالية، وبمشاركة عائلات هراري وقطاوي وفرحان وشيكوريل بقي يعمل حتى سنة 1957 عندما صدر قانون تمصير البنوك المصرية·· ويصدق هذا الكلام أيضاً على بنك سوارس بالإسكندرية وفرعه بطنطا وبنك زلخة·
كذلك فإنه قبل الثورة الفلسطينية الكبرى 1939 - 36م كان التيار السائد بين المثقفين المصريين يرى اليهود جزءاً من الأمة المصرية، كما كانت التيارات السياسية العلمانية تفرق بين اليهودية والصهيونية· أما جماعة الإخوان المسلمين فقد تعاملت مع قضية فلسطين باعتبارها قضية عربية إسلامية·
إلا أنه بعد الحرب تصاعد الغضب ضد اليهود الأجانب، فقد تم تدمير معبد اليهود الإشكنازيم بالموسكي، بيد أن الملك فاروق استنكر الحادث وكذلك فعل النقراشي باشا رئيس الوزراء· وعبدالرحمن عزام باشا أمين عام جامعة الدول العربية· وكذلك فعلت غالية الصحف المصرية· وهو الأمر الذي يؤكد أنه لم يكن هناك تيار معاد لليهود في مصر·
ومن ناحية أخرى، كان هناك فنانون من اليهود في كل مجال، وقد اعتنق بعضهم الإسلام مثل الموسيقار دواو حسني، والفنانة ليلى مراد التي كانت "سندريللا الشاشة المصرية" والتي أشهرت إسلامها سنة 1946م بعد زواجها من الفنان أنور وجدي·
ويلفت النظر في هذا الموضوع أن المؤلف يجادل أن اعتناق هؤلاء للإسلام لا يمحو هويتهم اليهودية· وهو موقف يوازي الموقف الصهيوني الذي يحاول الترويج لأسطورة العبقرية اليهودية التي تظهر في الأفراد لمجرد أنهم يهود، ويرفض الاعتراف بتحول البارزين من اليهود إلى ديانة أخرى·
لكن كيف كانت صور النشاط الصهيوني في مصر قبل سنة 1948م؟ بدأ هذا النشاط مع مطلع القرن العشرين، بيد أن القاعدة الاجتماعية للحركة الصهيونية في مصر كانت محدودة للغاية حتى سنة 1943· فحتى ذلك التاريخ كانت الصهيونية تركز نشاطها على النواحي الثقافية والعلمية مثل إنشاء الصحف ودور النشر وتأسيس الجامعة العبرية بالقدس· ولم تكن هذه الأعمال تعتبر متعارضة مع الولاء لمصر حتى الثورة الكبرى في فلسطين 1939 - 36م· وكانت أوضاع اليهود المريحة في مصر تجعل غالبيتهم يحجمون عن مساعدة الحركة الصهيونية· ولكن جهود الصهاينة القادمين من فلسطين سنة 1943م، ونشاط الصهاينة بين قوات الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، إلى جانب وجود الفيلق اليهودي الذي كان يعسكر على أرض مصر ــــ كل هذا وفر قاعدة هامة للحركة الصهيونية في مصر للمرة الأولى·
وبدأ النشاط الصهيوني يتوسع في أوساط الشباب· وكذلك منظمة "الحرس الشباب/ هاشومر هاتزاعير" أكبر منظمات الشباب الصهيونية وأكثرها تنظيماً· وكانت مهمتها تأهيل الشباب اليهودي للحياة في مستعمرات الكيبوتز الصهيونية في فلسطين· وكانت أول مجموعة مصرية من خريجي هذه المنظمة هي تلك التي وصلت إلى مستعمرة "عين هاشوفيت" في يناير سنة 1943 لتدريبهم على الزراعة· ثم توالت مجموعات أخرى بعد ذلك، وقد جارب عدد منهم ضد الجيش المصري سنة 1948· ثم عاش أولئك اليهود بعد ذلك داخل إسرائيل واعتبروا أنفسهم إسرائيليين تماماً·
وفي المقابل كان هناك عدد من الشيوعيين اليهود الذين خرجوا من مصر قد اتخذوا من باريس مستقراً· وترجع الإرهاصات الأولى للحركة الشيوعية المصرية إلى نهاية الحرب العالمية الأولى، عندما بدأت بعض العناصر الأجنبية بمدينة الإسكندرية تنظيم الجماعات الماركسية الأولى في مصر· وقد تم تكوين "الحزب الاشتراكي المصري" الذي تحول في سنة 1922 إلى الحزب "الشيوعي المصري"· وفي سنة 1924 ضربت الحكومة هذا الحزب وقامت بتصفيته مما جعل العمل الشيوعي يتجه إلى العمل السري من ناحية، وضعف النشاط الشيوعي في مصر حتى إعلان الحرب العالمية الثانية أواخر الثلاثينيات·
وفيما بين الثلاثينيات والخمسينيات أسهم اليهود بشكل كبير في إعادة بناء وتنظيم الحركة الشيوعية المصرية، وكان عددهم يزيد على ألف فرد من الناشطين الشيوعيين وكان أبرزهم "هنري كورييل" (1978 - 1914م) وهو الابن الأصغر لمليونير يهودي هو دانييل نسيم كورييل الذي كان يمتلك مصرفاً بشارع الشواربي وقصراً في الزمالك بالقرب من نادي الجزيرة· وهو من أسرة أسبانية الأصل هاجرت زمن محاكم التفتيش أواخر العصور الوسطى إلى عدة دول منها إيطاليا التي عاشت بها أسرة كورييل· وقد هاجرت الأسرة من إيطاليا إلى مصر سنة 1850م حسبما يذكر هنري كورييل في سيرته الذاتية لأن ظروف مصر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر كانت تشجع على تدفق المرابين وغيرهم من الباحثين عن فرص الكسب·
وكانت أسرة هنري كورييل تمثيلاً جيداً لنموذج اليهود المتمصرين، إذ كانت ذات ثقافة فرنسية وتحمل الجنسية الإيطالية، تعيش في عزلة عن المجتمع المصري وترتبط بالجاليات الأجنبية· بل إن علاقة الأسرة باليهود المصريين كانت في حدود تقديم المعونات الخيرية فقط· وقد تلقى هنري كورييل تعليمه في مدارس الجزويت (اليسوعيين) بالفجالة وسط القاهرة· وقد ذكر هنري كورييل أنه كان من الصعب عليه أن يشعر بالارتباط في بلد مسلم مثل مصر وأنه كان يرى أن فرنسا هي الوطن الوحيد الذي يشعر بالانتماء إليه· وقد عاش حياة ماجنة في القاهرة في الثلاثينيات· وفي سنة 1935 حصل هنري كورييل على الجنسية المصرية رغم أن لغته العربية كانت ركيكة للغاية·
وقد تقلب هنري كورييل في عدة تنظيمات ضد الفاشية قبل أن يؤسس "الحركة المصرية للتحرر الوطني" سنة 1943· وكان هناك يهودي آخر من ذوى الثقافة الفرنسية هو "هليل شوارتز" الذي ينحدر من أسرة يهودية رومانية استقرت بمصر سنة 1914م· واشتهرت هذه الأسرة باحتقار كل ما هو عربي، وكان هليل شتوارتز يرى في مصر "بلداً بشعاً كريهاً" وكوّن مع زمرة من أبناء البرجوازية المصرية ذوي الاتجاهات الفرنسية تنظيم "إسكرا" (الشرارة) الشيوعي على اسم جريدة لينين البلشفية، وفي منتصف الأربعينيات كانت "إسكرا" أكبر تنظيم شيوعي في مصر· وكان الطلاب اليهود بمدارس الصفوة الفرنسية يجندون زملاءهم المصريين للانضمام إلى هذا التنظيم من خلال مزيج من الأنشطة الثقافية/ السياسية والأنشطة الاجتماعية التي كانت تساعد الشباب من الجنسين على الاختلاط بحرية وبشكل يخرج عن التقاليد الاجتماعية السائدة· وكانت هناك علاقات جنسية كثيرة قبل الزواج وثنائيات مختلطة بين اليهود والمسلمين، أو اليهود والمسيحيين في أوساط إسكرا خاصة، لدرجة أن المعادين للشيوعية والتنظيمات الشيوعية التي تنتقد النفوذ اليهودي في الحركة الشيوعية المصرية اعتبروا هذا دلالة على الطبيعة الأجنبية للماركسية من ناحية، وبرهاناً على سيادة الأجانب على الحركة من ناحية أخرى·
ثم بدأت "الحركة المصرية للتحرر الوطني"، التي أسسها هنري كورييل في تجنيد المصريين، وتم بالفعل تجنيد عشرين فرداً، وكان كل منهم يتقاضي مكافأة شهرية قدرها ستة جنيهات· غير أنه ليس هناك دليل واضح على مصدر الأموال التي كانت تنفق على المجلات والنشرات وإعداد "المناضلين"·
على أية حال حدث في مايو 1947م أن أندمجت "حمتو" (الحركة المصرية للتحرر الوطني) وإسكرا في اتحاد جمع بينهما باسم "حدتو" (الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني) وكان هناك اثنان من اليهود في اللجنة المركزية هما هنري كورييل وهليل شوارتز· وعلى الرغم من الاتحاد فإن المواقف السياسة لحمتو وإسكرا ظلت متباينة؛ فبينما كانت "حمتو" ترى في معارضة الحركة الوطنية المصرية لهجرة اليهود إلى فلسطين نوعاً من معاداة السامية!!! كانت "إسكرا" تحاول مقاومة الصهيونية·
وقد أجبرت حرب فلسطين سنة 1948 الشيوعيين اليهود على مواجهة التداعيات السياسية للحرب وتحديد مواقفهم؛ بالشكل الذي أدى إلى تفجير "حدتو" من الداخل بعد أقل من سنة، كان موقف "حدتو" من القضية الفلسطينية من صياغة هنري كورييل الذي أيد إقامة دولة عربية/ يهودية واحدة أولاً، ثم وصفه لحرب فلسطين سنة 1948م بأنها "الحرب الإمبريالية الظالمة ضد دولة إسرائيل" وعندما صدر قرار التقسيم أيدته "حدتو" ولم يشاركها في هذا التأييد سوى الحزب الشيوعي العراقي·
وإذا كنا قد فصَّلنا إلى حد ما في تاريخ اليهود الشيوعيين في مصر، فإن السبب في ذلك راجع إلى أن المؤلف عرض لهذه القضية بشكل سريع· ويذكر المؤلف مرة أخرى أن مصر قامت بغزو إسرائيل سنة 1948!! مما أدى إلى اعتقال الشيوعيين· وخرج معظم الشيوعيين اليهود من مصر إلى إسرائيل تنفيذاً لشروط هدنة رودس، وبقي ثلاثة منهم هنري كورييل الذي طردته السلطات المصرية في 24 أغسطس 1950م إلى إيطاليا· ثم لم يلبث أن هرب إلى باريس متسللاً· وسرعان ما لحقت به مجموعة الشيوعيين اليهود المصريين وكونوا ما يسمى "مجموعة روما" سنة 1951م·
وقد أيدت مجموعة روما ثورة يوليو وموقف "حدتو" منها، كما أيدت تأميم قناة السويس· وظل هنري كورييل ورفاقه يلعبون دور الوسيط بين العرب والإسرائيليين، وزاد نشاطهم بعد حرب 1967م التي أعادت القضية الفلسطينية إلى بؤرة الاهتمام العالمي بعد طول غياب، ووجدها اليهود فرصة جيدة للوساطة، وتحدث عدد من "مجموعة روما" عن الفلسطينيين باعتبارهم شعباً وليسوا مجموعة من اللاجئين بحاجة إلى مساعدات إنسانية·
ولكن الأمر لم يتعد حدود تبادل الخطابات· (وقام الكاتب أحمد حمروش بزيارة لم تسفر عن شيء)· وفي عام 1969م تلقى هنري كورييل رسالة من عدد من رفاقه القدامى بمصر يطلبون منه تحديد موقفه من الصراع العربي/ الإسرائيلي· وجرت لقاءات واجتماعات لم تسفر عن نتيجة·
وفي مقابل الشيوعيين اليهود الذين استقروا في باريس، وهم عدد قليل من اليهود الذين خرجوا من مصر أو طرودا منها بعد حرب 1948م، يعرض المؤلف لخروج أبناء طائفة اليهود القرائين من مصر باعتبار هذا جزءاً من "الشتات الجديد" لليهود المصريين مثلما يقول عنوان الكتاب·
والكاتب منحاز إلى إسرائيل تماماً بحيث تفلت منه (وربما كان ذلك مقصوداً) عبارات تشي بهذا الانحياز؛ إذ إنه يتحدث عن أنه لم يكن في إسرائيل سنة 1939م سوى تسعة عشر فرداً من اليهود القرائين - وهو بذلك يتحدث عن إسرائيل باعتبارها كياناً موجوداً قبل سنة 1948م· وعندما قامت الحرب سنة 1948بقي في فلسطين يهودي واحد من القرائين لرعاية أملاكهم· ولم يتجاوز عدد القرائين الذين تركوا مصر فيما بين سنة 1948م وسنة 1956م مئة فرد بأي حال·
ويمكن تفسير موقف اليهود القرائين من الهجرة إلى إسرائيل في ضوء حقيقتين غاية في الأهمية؛ أولاهما الوجود التاريخي الطويل لأبناء هذه الطائفة على أرض مصر باعتبارهم "أهل ذمة" من أبناء البلاد، وقد ظل هذا الوضع بجوانبه القانونية والاجتماعية والنفسية يحكم اليهود القرائين المصريين طوال فترة لا تقل عن ألف سنة· وثانيهما: الاندماج الكامل لأبناء هذه الطائفة في البينة الثقافية المصرية عبر تاريخها الطويل؛ فهم يتحدثون العربية وصحفهم تنشر الأعمال الإبداعية الأدبية شعراً وقصصاً ومقالات أدبية مثلما كانت حالة صحيفة "الكليم"التي استمرت في الصدور ما يبين 16 فبراير 1945م حتى 4 مايو 1957م· وقد جسد هذا الموقف رئيس طائفة القرائين "إيلي يوسف مسعودة" في مقابلة مع الدكتور نبيل عبدالحميد في نوفمبر 1989م بقوله: "أنا مصري مئة بالمئة من جدود مصريين يمتد تاريخهم إلى أكثر من ألف سنة، تخرجت من كلية الحقوق جامعة فؤاد الأول سنة 1939م وعملت بوزارة التموين حتى وصلت إلى منصب مستشار الهيئة العامة للسلع التموينية قبل الخروج إلى المعاش سنة 1977··"·
بعد سنة 1956م تصاعدت هجرة اليهود القرائين من مصر إلى إسرائيل ولأن سياسة الوكالة اليهودية للهجرة والحكومة الإسرائيلية كانت تتجه إلى تركيز اليهود القادمين من البلاد العربية في القرى التعاونية الجديدة والمدن النامية في أطراف البلاد، فقد استقر اليهود القراءن في هذه المناطق· ثم انتشروا في عدة أماكن أخرى وتزايدت أعدادهم·
ولكنهم عندما وصلوا إلى إسرائيل فوجئوا أن اليهود الربانين المتزمتين يشككون في يهوديتهم· ولم تعترف الدولة بهم مما أحرج الصهاينة العلمانيين بيد أنهم لم يفعلوا شيئاً· ولذلك كان القراءون يفضلون البقاء في مصر إلا أن التطورات السياسية نزلت بأعدادهم إلى حد كبير· ولم يذهب غالبية اليهود القرائين الذين هاجروا من مصر إلى إسرائيل وإنما استقرت جماعة كبيرة منهم في منطقة خليج سان فرانسسكو حيث تعيش الآن مئة وثلاثون عائلة بالإضافة إلى ثلاثمئة عائلة أخرى تعيش في أماكن مختلفة من الولايات المتحدة الأمريكية، وهم يحتفظون بالعناصر المصرية والقرائية في هويتهم·
وقد قام اليهود القراءون في الولايات المتحدة بتنظيم أنفسهم بحيث صارت لهم معابدهم الخاصة، كما أنهم أصدروا مجلة خاصة بهم· ولكن مساندتهم لإسرائيل ظلت من أهم مظاهر يهوديتهم، وهم يرسلون شبابهم بانتظام لقضاء شهور الصيف في إسرائيل، كما إنهم يقدمون لها الدعم مثلما يفعل غيرهم من يهود الولايات المتحدة الأمريكية·
مع هذا فإن المؤلف يتحدث عن جماعة سان فرانسسكو باعتبارهم من "اليهود المصريين"!!
في الفصل الثامن من الكتاب والذي يحمل عنوان "استعادة هوية اليهود المصريين"، يروي المؤلف كيف أنه بعد نجاح الليكود في انتخابات سنة 1977م، شجعت الحكومة مؤيديها على إعادة كتابة تاريخ الصهيونية بشكل يتفق مع هوى اليهود الشرقيين الذين يعتمد الليكود على أصواتهم الانتخابية· وأدى ذلك إلى إعادة توثيق تاريخ يهود المنطقة العربية· وتمثلت خلاصة هذه المحاولات في ترسيخ الادعاء الصهيوني القائل إن اليهود العرب، ومنهم المصريون بطبيعة الحال، تعرضوا لاضطهادات مماثلة لما جرى على يهود أوروبا، كما أنهم تأكدوا من أن الحل الصهيوني والهجرة إلى إسرائيل كان الحل المثالي·
إن ما حدث ببساطة كان إعادة صياغة وتزويراً لتاريخ اليهود في مصر بالشكل الذي يُسَهَِّل اندماجهم في الكيان الصهيوني، وبحيث يكتسبون "الفضائل" الصهيونية التي تجعلهم يقفون على قدم المساواة مع يهود أوروبا·
بيد أن زيارة السادات ومعاهدة كامب ديفيد خلقت موقفاً جديداً جعل هذه العناصر من "اليهود المصريين" تكشف عن انتهازيتها بشكل واضح· إذ كان أولئك النفر من اليهود النازحين من مصر يتحاشون الحديث عن حياتهم في مصر أكبر أعداء إسرائيل وأشدهم بأساً، ولكن المتغيرات الناجمة عن زيارة السادات ثم معاهدة كامب ديفيد جاءت أمامهم فرصة لبناء دور اجتماعي جديد لهم في إسرائيل· ورأوا في السلام فرصة مواتية لكي يلعبوا دور الوسيط بين البلاد التي ولدوا بها وإسرائيل التي صارت وطنهم الجديد· وغير مؤسسو "منظمة ضحايا الاضطهادات ضد اليهود" موقفهم بشكل فج عندما زار السادات إسرائيل؛ فقد أرسلوا له برقية تأييد باعتبارهم "رؤساء منظمة اليهود المصريين في إسرائيل"·
وعندما تم توقيع الاتفاقية بين السادات وإسرائيل سنة 1979م حانت الفرصة لإطلاق عنان نشاط أمثال أولئك اليهود في مصر والعالم· وبدأت مشروعات عديدة هدفها توثيق "التراث الثقافي" للجماعة اليهودية المصرية· ومثلما استخدم الكتاب والكتابة استخدم الطعام المصري بشكل دعائي لنفس الغرض· وامتدت هذه الحركة إلى الولايات المتحدة· وكان الهدف من ذلك إعادة تجديد بنية "اليهود المصريين" في إسرائيل والخارج من ناحية، والمطالبة "بممتلكات" اليهود المصريين مثل مقابر البساتين وغيرها من ناحية أخرى·
وهنا ينبغي أن نلاحظ أن الكتاب يتحدث عن "شتات جديد لليهود المصريين"، وبغض النظر عن اختلافنا مع المؤلف حول تعريف اليهود المصريين، فإن الحديث عن "شتات" لليهود الذين كانوا يعيشون في مصر قبل حرب 1948 يوحي ضمناً بوجوب العودة· كما إن الحديث عن العودة يتطلب بالضرورة الحديث عن استرداد "الممتلكات" اليهودية الضائعة في مصر· لقد جاء معظم أولئك اليهود إلى مصر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر للفوز بغنائم نهب مصر بعد انهيار مشروع محمد علي الاستقلالي· وأخذ أولئك الأجانب يكونون ثروات طائلة من خلال نشاط رأسمالي قام على أساس من مساندة القوى الأوروبية، ثم الاحتلال الإنجليزي، واحتكار النشاط المالي والمصرفي، والاستحواذ على تجارة القطن·· وما إلى ذلك·
وقد عاش هؤلاء اليهود الأجانب مثل غيرهم من الأجانب على نهب مصر، واحتقار أهلها والتعالي على ثقافتها· ولم يترددوا في الوقوف ضدها أثناء مراحل الصراع العربي ــــ الصهيوني· وكان طبيعياً أن يتم طردهم من البلاد على فترات واكبت الاعتداءات الإسرائيلية فيما بين 1948 و1967م· أما اليهود المصريون فقد بقي منهم من شاء البقاء حتى الآن·
ولكن طبيعة الابتزاز التي تميز الحركة الصهيونية هي التي تطرح ــــ الآن ــــ فكرة المطالبة باسترداد "ممتلكات" اليهود· والكاتب هنا يتحدث عن هذا الموضوع بشكل يوحي بأنه وراء هذا الاتجاه بكل ما يحمله من مغالطات·
على أي حال، كانت معاهدة كامب ديفيد وراء بروز هذا الاتجاه من ناحية، وسبباً في إنعاش الذاكرة اليهودية عن مصر· وكانت "أدا أهاروني" المولودة بالقاهرة رائدة هذا الاتجاه· وكانت أسرتها التي تحمل الجنسية الفرنسية قد هاجرت إلى فرنسا سنة 1949م، ولكن "أدا" هاجرت إلى إسرائيل "·· التي كان لابد أن توجد لكي تضم الناس الذين لا جذور لهم مثلي··" - على حد قولها· وهو نفس الخطاب الصهيوني القائل إن إسرائيل كانت الحل الصهيوني المثالي لليهود الغرباء في الشتات· وكتاب "أدا أهاروني" الذي حمل عنوان الخروج الثاني حافل بالمغالطات والأكاذيب· وقد تصدى له الدكتور علي شلش في كتابه "اليهود والماسون" (الزهراء 1986م)· وبطبيعة الحال غضب المؤلف منه وسارع باتهامه بمعاداة السامية·
وقد انتهزت أهاروني فرصة المعاهدة وكتبت رسالة إلى جيهان السادات تطلب لنفسها دوراً يكسبها مكانة اجتماعية وثقافية داخل إسرائيل من خلال الوساطة بين مصر وإسرائيل باعتبارها "يهودية مصرية"· وهناك شاعرة هي هاريل - دجان، وكاتب قصصي هو موريس شماس كتبا عن ذكرياتهما في مصر· وبقية هذا الفصل عرضت للمؤلفات التي كتبت عن مصر بعد زيارة السادات للقدس ومعاهدة كامب ديفيد ولكنها تصب في اتجاه محاولة إيجاد دور لليهود النازحين من مصر يُعلي من شأنهم في إسرائيل·
لقد كانت ممارسات إسرائيل الاستفزازية، بعد كامب ديفيد، مثار غضب المصريين وشكوكهم فقد تم ضرب المفاعل النووي العراقي في بغداد سنة 1981م، كما قامت بغزو لبنان مرة سنة 1978 ومرة ثانية سنة 1982، كما تعامل الجنود الإسرائيليون بوحشية مع أطفال الحجارة في الانتفاضة التي بدأت سنة 1987· وكان منطقياً أن يلعن المصريون مقاطعتهم لإسرائيل·
ويحاول المؤلف مرة أخرى أن يقول إن مؤلفات المؤرخين المصريين اعتبرت اليهود أجانب ولم تميز بين اليهود والصهيونية· ويخلص من هذا إلى أن موقف المؤرخين الوطنيين في مصر يشبه قول المؤرخين الصهاينة المتشددين!
نحن أمام مؤلف يكتب كتاباً دعائياً ذا هدف سياسي تحت عباءة البحث التاريخي، ويسمح لنفسه بإصدار أحكام القيمة السلبية على كل من يختلف معه دون أن يكلف نفسه مشقة مناقشة حقائق التاريخ الموضوعية· فهو يلوم المصريين ويتهمهم بالعداء للسامية وبأنهم عقبة في سبيل "الحوار" لأنهم في كتاباتهم حاولوا رصد الحقائق الموضوعية للوجود اليهودي في مصر·
ويلفت النظر أن معظم النتائج التي تحدث عنها كتاب "تشتت اليهود المصريين" لا يصدق عليها وصف "اليهود المصريين" كما أن الحديث عن الشتات الجديد لليهود المصريين يستعدي بالضرورة الكلام عن "عودة" لأولئك "اليهود المصريين" من شتاتهم وما تتطلبه هذه العودة من المطالبة بقائمة طويلة من "الممتلكات" و"الحقوق" الضائعة بسبب "الاضطهادات" و"معاداة السامية" التي دفعتهم إلى الهجرة·
بيد أن المؤلف، على الرغم من انحيازاته الواضحة، لم يستطع الإفلات تماماً من حقائق التاريخ· فاليهود الذين يتحدث عنهم الكتاب جاء معظمهم إلى مصر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ضمن أُفواج المغامرين والأفاقين الذين شاركوا في "نهب مصر"· وبعد هجرتهم منها بسبب حرب 1948 وعدوان 1956 أنكروا كل علاقة تربطهم بمصر وأهلها وثقافتها وتاريخها· ثم عادوا بعد زيارة السادات وكامب ديفيد يبحثون عن فرصة جديدة للكسب·
* الكتب وجهات نظر - العدد السادس يوليو 1999
** أستاذ تاريخ العصور الوسطى بجامعة الزقازيق - مصر·