رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 28 جمادى الأولى - 5 جمادى الآخرة 1420هـ - 8-14 سبتمبر 1999
العدد 1393

في إطار الاستلاب والتبعية والانسلاخ القومي والحوار الحضاري
التكنولوجيا والأدب والفن: صياغة قيم تحكمها الهستيريا الجماعية

·         التكنولوجيا يؤتى بها لتكون المخلّص فإذا بها عبء كبير يحدث الفوضى

·         ساعدت التكنولوجيا على تطوير الفن وأعطته آفاقاً استعمالية واسعة

·         مقولة "الأدب والعالمية" أنتجتها السيطرة التكنولوجية للنظام العالمي

 

كتب سليمان حسين:

"التكنولوجيا" علامة مميزة للحضارة الإنسانية المعاصرة، بل هي العلامة المميزة التي تمنح الحضارة (الإنسانية) المعاصرة، وصفها أولاً بالحضارة وثانياً بالمعاصرة، فقد ارتبطت التكنولوجيا مصطلحاً وإنجازاً بالمعاصَرَة مفهوماً وحكماً، ونحن هنا لسنا معنيين ببحث نوع التميز سواء أكان سلبياً أم إيجابياً، وقد نشبت صراعات شديدة حول سلبية التكنولوجيا وإيجابيتها في حياة الإنسان المعاصر وفي سلوكاته وتفكيره وآرائه وأحلامه وتصوراته للعالم وحسه الجمالي·

 

قدر التكنولوجيا الحتمي

 

غير أن التكنولوجيا أصبحت قوة تكوينية في العالم وقدراً حتماً يسيّر توجهات البشرية، إذ لا يمكنها الانفصال عنها ولا يمكنها الاستمرار دونها، والتكنولوجيا بهذا المفهوم محصلة حتمية لتنامي قدرات العقل البشري وتفجرها المطّردين، وعلى هذا فلا مجال مطلقا للحديث عن التكنولوجيا كقدرة وافدة من خارج العالم لا علاقة لها به، حتى في البلدان التي تستورد التكنولوجيا وتستهلكها دون أن يكون لها يد في عملية الإنتاج، فهذه البلدان تحاول جاهدة في البداية نقل الترسانة التكنولوجية التي أنتجتها الدول الصناعية، ولكن المفارقة التي تحدث أن هذه التكنولوجيا التي جيء بها لتكون المخلّص، تصبح عبئاً كبيراً، لأن العقل المستورد لم يستطع تمثل هذه الترسانة وهذا الكم من المنجزات، فتحدث الفوضى الاقتصادية والنفسية في المجتمع المستورد، وهذا يؤدي إلى فوضى وخلخلة في النظام السياسي أيضاً، ويتباعد المجتمع عن السياسة والاقتصاد، وتلجأ السياسة إلى القمع والإزاحة لتملأ الهوة النفسية الفاغرة على المستوى الحضاري·

 

التكنولوجيا··· الحروب

 

يضاف إلى ذلك ما يقوم به منتجو التكنولوجيا من حرب اقتصادية واجتماعية وثقافية وعسكرية مستمرة لتقييد قدرة هذه المناطق التي تحاول الاندراج في مسيرة العالم، فالحرب الاقتصادية تبقيها تابعة مصيرياً والحرب الاجتماعية تحاول شل القدرات الاجتماعية وخلخلة البنية القيمية للمجتمع، أما الحرب الثقافية فهي التي تنهي في النهاية إمكانية قيام مجتمع ثقافي منافس، وتترك المجتمعات التابعة في دوامة السعي للتماثل مع الآخر النموذج، ولكن هذا السعي يبوء بالخيبة لسببين مهمين، أولهما أن المجتمع الساعي إلى التماثل مع الآخر لا يملك القوة الذاتية للوصول إلى هدفه، وثانيهما أن المجتمع المباين الآخر المسيطر والمنتج لا يسمح له بأن يصل إلى هدفه حتى لو كان اندغاماً وذوباناً فيه، لأن ذلك ينفي الحرب القائمة التي تغذي تفوق الآخر وسيطرته، إضافة إلى ذلك أن الاندغام يؤدي إلى قيام منافس داخلي على الأقل على المستوى التكنولوجي، وهذا ما يهدد مصالح الآخر بالضرورة·

 

الفكر، التكنولوجيا··· الأسبقية

 

يتصور الباحث في أن الإنجازات الفكرية والفنية للإنسان أشد ارتباطاً بالحضارة من المنجزات التكنولوجية، وذلك وفق مبدأ تغليب المنجزات الروحية - أو التي تتعلق بذات الإنسان وحاجاته الروحية والنفسية - على المنجزات المادية المتمثلة هنا بالتكنولوجيا·

وهذا التصور التقليدي للقضية تشترك فيه جميع الفلسفات على الرغم من تباينها أو تناقضها، لكن التكنولوجيا أثبتت في كثير من الأحيان أنه حتى المجرّدات الإنسانية لابد لها من أن تكون ذات وظيفة واقعية قد تسخر لمصلحة تطوير الإنجازات التكنولوجيا· وانطلاقاً من مفهوم التوظيف هذا أصبح العلم الحديث يطوّعها لخدمة التفجر التكنولوجي·

 

التكنولوجيا والإبداع الفني

 

والسؤال المهم هنا: هل سيطرت الترسانة التكنولوجية على العالم حتى أصبحت الموجّه الذي يحكم كلّ إمكانية فردية أو جماعية للخلق والإبداع الفني أو الفكري فلا إبداع مستقلاً عن سلطتها؟ وهذا السؤال يُفضي تلقائياً إلى تساؤل أكثر دقة فحواه: ما العلاقة بين التكنولوجيا والأدب، والتكنولوجيا والفن؟ وهل يمكن التفلّت من سيطرة هذه الترسانة أو عدم الوقوع في شراكها؟ وهذا ما يدعونا إلى القول إننا لا نستطيع إطلاقاً إنكار الأثر التكنولوجي في التغيّر البشري في كافة المجالات، الأفكار، الأيديولوجيات، الفنون الجميلة، الفنون التطبيقية، حيث ساعدت التكنولوجيا على تطوير مادة الفن وأدواته وأعطته آفاقاً استعمالية واسعة جداً، إضافة إلى أنها أثرت في التغير الفكري والقيم الاجتماعية والأدبية، التغير الذي أدى بدوره إلى تغير في توجهات الذوق الإنساني وفي قدراته، وإلى تعميق وعي الإنسان لذاته وللعالم، ويضاف إلى ذلك ما أبدعته التكنولوجيا من الفنون كالتصوير الضوئي والسينمائي والتلفزة وبعض الفنون التطبيقية· وعلى الرغم من كل ذلك فإن الفن والفكر والأدب سوابق زمنية للتكنولوجيا بأي مفهوم من المفاهيم، وهذا الفهم يحتم علينا أن نسقط من حسابنا التعبيرات الفنية البدائية التي كان الإنسان الأول يستخدمها لتؤدي وظيفة إجرائية يومية لا تدخل ضمن التعبير الفني القصدي·

 

التكنولوجيا والقيمة الأدبية والفنية

 

إن القيم التي كانت سائدة وفق المنظومة الأدبية التقليدية جاءت إليها التكنولوجيا وخلخلت نظامها الصارم الذي كان يعتمد على تصورات خاصة للعالم وفق قدرات إنسان تلك الحقبة العقلية··· بل ربما قامت التكنولوجيا بتقويض النظام القيمي التقليدي بما ارتادته من عوالم إنسانية وعلمية، وبما فتحته من آفاق حول مكونات العالم ومحتوياته، وبذلك ألغت الأسطورة وألغت كثافة الحدود وكثافة التخيل، فالخيال والوهم اللذان كانا من مكونات العقل الإنساني القديم تحولا بفعل التكنولوجيا إلى حقيقة، وأصبحت المسلمات التي كان الإنسان القديم يعدّها رؤى أدبية وابتكارات وإبداعات ترّهات في أغلب الأحيان، والمعجزات التي كان يجترحها العقل الأدبي والفني أصبحت حقائق واقعية لا يكترث لها الإنسان بفضل ما قدمته التكنولوجيا التي أحلّت الطائرة والسيارة والمركبة الفضائية محل بساط الريح وخيالاته، وأحلت الإنسان الآلي محل المارد الذي يحقق كل الرغبات، وأحلّت منجزات هائلة محل خيالات هائلة حققت للإنسان تصوراً اخر مختلفاً عن العالم، وفرضت عليه نمطاً جديداً من التناول والرؤية، لذلك حاول أن يخلق رؤيا جديدة وحلماً جديداً في نظام قيمي جديد للفن والأدب والحياة· وعلى سبيل المثال، كانت مقولة الحب والحرمان تؤجج مشاعر الشاعر وروحه بسبب القيم الاجتماعية والثقافية للمجتمع وبسبب من ضعف التواصل الإنساني وهشاشته، وقد تحولت إلى منظور مغاير فقد سهلت التكنولوجيا إمكانية التواصل وألغت المسافات والحواجز· كما لم تعد تدهشنا صورة فنية مثل "يسقط ثلج في تموز" بعد أن وعينا جغرافية الأرض المناخية·

 

التكنولوجيا والسيادة على العالم

 

توصل العالم المعاصر إلى صيغة رديئة في تصوّر العالم وفي العلاقات الإنسانية والثقافية، أقل ما يمكن أن يقال فيها إنها غير حضارية ولا تتفق مع الإنجاز التكنولوجي الهائل، وهذه الصيغة البغيضة تتحدد وفق عالم من طرفين: أحدهما عالم الشمال (بمصطلح الفكر السياسي المعاصر) والآخر عالم الجنوب المتخلف الذي يرزح تحت نير التبعية لعالم الشمال، وصيغت هذه المقولة وفق صيرورة نهائية حالية هي نظام عالمي ربّ الترسانة التكنولوجية تدور في فلكه قدرات العالم وإمكانياته، وعليه أن يشكل مورداً لدفع عجلة تكنولوجيا هذا النظام، وفي الوقت نفسه يشكل سوقاً تعاني الخُصاء التسويقي والاستهلاكي لهذه التكنولوجيا· ووفق هذا التصور تصاغ القيم الاجتماعية والثقافية والأدبية في فوضى تخريبية وقيم تحكمها الهستيريا الجماعية·

 

الأدب والعالمية: نظرية الخُصاء الحضاري

 

تتعلق مقولة "الأدب والعالمية" بالعلاقة بين الأدب العربي والأدب العالمي، وهي مسألة أنتجتها السيطرة التكنولوجية للنظام العالمي، وهي في أساس تكوينها تردّ إلى بُعد سيكولوجي في الإحساس بالخُصاء أمام الآخر، أو ما يدعى الإحساس بالنقص، فرؤية الذات محملة بالأوزار والمعضلات والمشكلات من استلاب وإلحاق وعدم تجانس وعدم تحقق الذات في الوجود أمام "آخر" متكامل تكنولوجياً وثقافياً وتسلطاً وسيطرة على مجريات التاريخ البشري، ووفق هذه الرؤية لابد من النظر إلى العلاقة بين الأديان القومية والحكم على قدراتها، وهي طبعاً نظرية قد تكون في الظاهر مقبولة إذا ما نظر إليها نظرة شمولية، ولكنها في عمقها لا تستند إلى دلائل أو محددات واقعية·

 

استيراد التكنولوجيا··· استيراد المعرفة

 

قام ما نسميه "عصر النهضة العربية" في التاريخ العربي الحديث على مجموعة أسس حضارية جديدة، كان من أهمها استيراد التكنولوجيا وفق حاجات المجتمع العربي، ووفق إمكاناته الذهنية والاقتصادية، ووفق ما يسمح به منتجو التكنولوجيا، وقد دخل هذا المفهوم في إطار الاستلاب والتبعية تارة وفي إطار الانسلاخ القومي تارة أخرى وفي إطار ما سمي الحوار الحضاري ثالثة، ولكن مهما يكن من أمر هذه المظاهر أو التجليات، فإن النتيجة النهائية هي رزوح الثقافة العربية تحت وطأة عدم الاندماج في مسيرة التنافس الحضاري، وكذلك عجز الطموح التقني عن أن يصل إلى إنتاج التكنولوجيا أو نقلها وتمثلها، إذ لا يعني نقل التكنولوجيا مكانياً أو عبر الحدود القومية أن يتم الاندراج والتنافس، فما فائدة الترسانات التكنولوجية المتراكمة في مناطق لا تجيد استخدامها، وهو ما يوقع في معضلة التبعية والخروج من التاريخ·

وما يقال في قضية التكنولوجيا يمكن أن يقال في الثقافة والإعلام والفن، وتكفينا نظرة بسيطة إلى الصراعات الأيديولوجية والفكرية التي دارت حول الأدب والفن منذ ما سميناه عصرالنهضة إلى وقتنا الحاضر لنرى مدى الاستلاب الأدبي والفني والفكري للثقافة المستوردة، ولنرى كذلك صوراً متعددة للانسلاخ الفكري والقومي، خاصة في الوقت الراهن في عصر ما يسمى بـ "القرية الكونية" أو "العولمة"، وذلك النظام الجديد الذي ليس فيه من الجدّة إلا وسائل التكنولوجيا التي يخدم بها الأهداف والوسائل القديمة· غير أن الأهم من ذلك هو السؤال الذي رافق جميع مراحل "عصر النهضة العربية" وتردد على ألسنة جميع المفكرين، وفحواه: هل سيكون لهذه القارة العربية إمكانية الاندراج في مسيرة التنافس الحضاري والتخلص من هذا الواقع الراهن، أم أننا نؤمن برأي ابن خلدون في العقل العربي وسلوكه (وهو أخطر ما يمكن أن يحدث)، أم ننتظر ما بشرنا به فرانز فانون الأفريقي أو شبنجلر الألماني من "سقوط الغرب" وانهياره ليكون لنا وجود في هذا العالم؟!

طباعة  

الهم السابع
 
حين يصبح البغض نصاً أدبياً
هاني الراهب يرسم خطا على جبهته!

 
أخبار ثقافية
 
إصدارات
 
ضوء
 
قصائد
 
نافذة
 
أجراس