رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 28 جمادى الأولى - 5 جمادى الآخرة 1420هـ - 8-14 سبتمبر 1999
العدد 1393

حين يصبح البغض نصاً أدبياً
هاني الراهب يرسم خطا على جبهته!

·         النص الأدبي عندما يأخذ اتجاهاً إعلامياً لترويج واقع مزيف عن مجتمع معين!

 

كتب صلاح دبشة:

لا شك أن العرض القرائي الذي قدمته الزميلة باسمة العنزي حول رواية هاني الراهب "رسمت خطا في الرمال" في الرأي العام (1999/8/18م) كان "مفاجأة سارة" لأنه كشف عن أحد النماذج البالية التي مازالت تؤمن بـ "الصرخات العظمى" عندما تتناول الأمور والأحداث والوقائع، وتنظر إليها - رغم الفوارق والمتغيرات فيما بينها - بصورة شديدة التسطيح، ليتسنى لها الإشارة إليها بعبارة واحدة حسب ما تتطلبه شروط "الصرخة"·

 

(1)

 

- هل اعتبرت دار الكنوز الأدبية "رواية" هاني الراهب "رسمت خطا في الرمال" - إذ نشرتها - كنزا أدبياً؟

- هل وجد واضع الغلاف نفسه ملزماً بالإشارة إلى أن الرواية تقصد "الكويت" عندما اختار بوعيه الخاص صورة تحتوي على كثبان رملية وبحر؟

- هاني الراهب ألم يكن لأصدقائه الكويتيين - خصوصاً - قيمة تذكر رغم أياديهم البيضاء لتجعله يتريث ويزن كل هذه المحبة التي قدمت له طوال إحدى عشرة سنة أمام نزوة خاصة تسيطر على أفكاره وقناعاته؟

- هل سيشاركهم آلامهم وهم يقرأون "روايته"؟

- هل سنفكر نحن أن هناك ألماً ما يجب أن نعيشه؟

- هل ستجد "رواية العبقرية" من يحتفي بها وينام ليلته متمتعاً بأحلام سعيدة؟ وهل سيلقى ثلة من المثقفين يمدحون "تزييفه" ويروجون لفضيلة "البغض" التي يتحلى بها؟

 

(2)

 

تقول إحدى الكاتبات الكويتيات - كانت زميلة له في الجامعة - إنه كان دائم السؤال عن أوضاع الكويتيين أثناء الغزو، وعن تصرفاتهم وسلوكياتهم، وكان لا يستطيع أن يخفي ميله الشديد لمعرفة تفاصيل التفاصيل، حيث يبدي إلحاحه المتواصل للحصول على أكبر قدر من المعلومات والأخبار، ولم يتعبه هذا التربص لإعجابه العميق بما سيفعله في النهاية، ويتم كل ذلك تحت ذريعة أنه سيكتب "رواية" عن الغزو العراقي للكويت· ويؤكد هذه الذريعة الزميل خلدون زينو عندما قال في زاويته في (السياسة 1999/8/21م) بمعرفته المسبقة أن "هاني الراهب كان يعكف على كتابة رواية عن الغزو العراقي للكويت ومنذ زمن طويل"· وهذا يعني أنه أطلق كذبة جميلة كنوع من التمويه، وحتى لا يضبطه زملاؤه متلبساً بحالة بغض·

وبعيداً عن جهده الخاص في تتبعه الأمور الغائبة عن أحوال الكويتيين كان لا يرغم نفسه على أن يتخلى حتى للحظة واحدة عن هوسه الحاد بالنقود، الذي يمثل جوهر دوافعه ومصالحه، ويحدد سلوكياته التي يبرز بعضها أمام زملائه في الجامعة، إذ يحضر "مطارة" شاي من شقته كي لا يدفع "مئة فلس" لكوب الشاي في الكافتيريا، وحيث يقلق أًصدقاءه كثيراً في أوقات غير مناسبة عبر الهاتف ليوصلوه من مكان إلى مكان حتى لا يخرج من حصنه المنيع "نصف دينار" لسائق الأجرة رغم أن له مصدرين للدخل أحدهما ضخم، ومع أنه يحمل شهادة "الدكتوراة" إلا أنه لا يفكر في أن هذا البخل الشديد سيجعل منه صانعاً لبؤسه الذاتي·

(حلمت به يقول لي: لك ولنسلك أعطي هذه المبالغ العظيمة وحساباً في البنوك)·

 

(3)

 

وكبعض البشر يجد هاني الراهب منطلقاته التاريخية في النفور الطبيعي من المجتمعات التي حدثت فيها نقلة سريعة من الجانب الاقتصادي، هذا النفور يوقعه بكامل عقله تحت وعي البؤساء ليسيطر عليه مفهوم مركزي ويستنهض الهم لمخاصمة "الأغنياء" إلى حد مأساوي، ويقع هذا المفهوم في إحراج شديد عندما تعتمده حالة مرضية كحالة هاني الراهب، ترغب في أن تقدم نفسها كمعيار لتقييم مجتمع كامل، تلك التي تحصل على أفضل رحلة تجاه الحلم بالأموال الطائلة وتحمل أسوأ تفكير تجاه الواقع المحيط فيه، التي يتضح فيها حتى لضعيفي التركيز أنها مصابة بالغرق التام في الذات والانشغال الأعمى بقناعاته، وهي بذلك لا ترى الزمن غير فعلها الخاص، ولا تعتقد في أي شعور آخر سوى شعورها، ولهذا توجب حتى على الطبيعة أن تنظر إليها وتصد عن غيرها·

(إن الطبيعة بإعطاء راكبي الجمل هؤلاء تلك الثروة الفاحشة، قد كافأت الكسالى والحمقى والمتخلفين)·

وهذه الحالة لا تستطيع أن تقود تفكيرها بشكل سوي في مواقف وأحوال عديدة، فتسخط - مثلاً - على الحتمية الجغرافية التي أسعفت بعض البشر وأعطتهم بياجر لا ترد وهواتف مشغولة وسيارات لا تقف بشتم هؤلاء البشر ولعنهم بشكل يسقط في العمومية بصورة فجة، وتضن على مجتمعهم بأي قيمة أو مبدأ، إذ يبدو عندها أنها بلا معنى أو هدف، حيث تضرب من خلال انفعالها الفردي بعلم الاجتماع ومنطلقاته عرض الحائط، أنه مزعج ولا يخدمها، وحين يؤكد أحد علماء الاجتماع على استحالة وجود نظرية شاملة تستطيع تشخيص جميع مناحي الحياة الاجتماعية "في كل مجتمع" يأتي هاني الراهب عبر "سيرته الذاتية" وهو (العبقري) كما يصف نفسه ليريح علماء الاجتماع من غبائهم ويقدم لهم درساً فريداً في المعرفة (عشرون قومية هذه البلاد التي بحجم خرم الإبرة، عشرون ولاء، وعشرون جبهة حرب، عشرون غدراً، وعشرون تحالفاً، وعشرون خيانة، وعشرون خنجراً، وعشرون فنجان قهوة مسموماً، عشرون لغة، وعشرون ديناً، وعشرون نظاماً أخلاقياً) وأيضاً لم ينس مصدر الهلع (··· عشرون حقلاً للنفط) لكنه نسي أن يوعز لهم تحت إرشاداته "الأكاديمية" ببحث ودراسة "طينة" هذا المجتمع التي تختلف عن بقية الطين البشري لأن الواحد منهم (خلاياه مصنوعة من الرمال ووبر الجمال)·

 

(4)

 

ولأن هاني الراهب بحاجة إلى تعويض نفسي عن انكسار أحلامه المالية الواسعة فإنه يجد ذلك إذا سلب من هذا المجتمع أحلامه وتطلعاته - حيث يلاقي طمأنينة خاصة - وعكف على خصوصياته وإنسانيته شطباً وألغى في "ليلى غاليري" ماضيه ونفى وهو يتصل بأحد أصدقائه الكويتيين حاضره وصادر وهو يرشف القهوة الفرنسية مستقبلاً، فلا يحق لأفراده أن يحلموا أو أن تكون لهم تطلعات، ولا مجال نهائياً لأن يصلوا إلى مستويات عليا من الفهم والتفكير، وغير قادرين أصلاً على تطوير قدراتهم في التعامل مع الحياة، ولذا فهو يرى أنهم حشد من الغوغاء أي مجموعة مؤقتة من البشر بدون تنظيم داخلي، يوحد بين أفرادها تقارب في مكان أو رغبة خارجية أو انفعال ما، ليصبح اجتياحهم (كلمة عنيفة ولذيذة) ولذا فهو يقيم طقسه الخاص لاستقبال هذه المناسبة العزيزة (أنا فرشت جسدي ليستقبل الحد الأقصى من الزوابع) لأنه يعيش يقينا يجعله شديد الفرحة حيث إن (الحجاج حقيقة وهو قادم على صهوة حصان عربي) وذلك بحرسه الجمهوري وجيشه الشعبي وشاحناته·

ولا يمكن للمواقف المختلفة - الإيجابية تحديداً رغم كثرتها - التي يتعرض لها في المجتمع الكويتي أن تحدث تغييرات ولو طفيفة في نظرته الشمولية القاتمة لأنه يعاني من تعزز بالغ في كراهية هذا المجرم الذي أصبح يمثل أجراس الشر والجهل والتخلف التي يسيل لها "بغض" هاني الراهب، ليذكرنا ذلك بتجربة "بافلوف" مع الكلب·

 

(5)

 

وبما أنه يدعي أن "لسانه السياسي" طويل ُإنه ظل "مكبوتا" قرابة إحدى عشرة سنة، لم ينطق فيها حرفاً واحداً يتعرض فيه لهذا المجتمع نفسه ببغضه ويلعنه إلى أقصى الحدود، مما يدلل على إصابته بهستيريا الامساك HYSTERIA RETENTION التي تتصف سببيتها المرضية في كون الانفعالات قد تعذر تصريفها خصوصاً بفعل الظروف الخارجية غير الملائمة، وهذا مما جعله يتحدث في "روايته" التي كتبها في الكويت كشخص قابل للانفجار في أي لحظة·

 

(6)

 

يتسنى القول إن الملامح الظاهرة التي يتحلى  هاني الراهب عبر تصرفاته في الواقع وخلال خطابه في "روايته" تشير إلى شخصية فصامية، وعلى حد تعبير "دوران" فـ "الفصامي يسخر لحسابه الخاص ولكن بشكل مضخم هذا الموقف التصادمي بينه وبين العالم"· والعالم هنا تحول عند هاني الراهب في "روايته" إلى المجتمع الكويتي على وجه الخصوص·

ومن أهم ارتكازات الشخصية الفصامية ما يسمى بـ "الطباق الفصامي" الذي هو حسب دوران "ما هو إلا ثنائية حادة ينظم فيها الشخص حياته بحسب أفكاره ويصبح عقائدياً متطرفا" فما بين الغنى والفقر كلنا أغنياء، وما بين العلم والجهل كلنا جهلة، وما بين الخير والشر كلنا أشرار·· وهكذا·

ويرى "مينكوفسكي" أن الطبقات الفصامية يتعارض فيها الفكر مع المشاعر والسبب مع الغاية والعقل مع الغريزة وتعقيد الحياة مع المسطح والحدث مع الشيء··· إلخ· ولأن هاني الراهب مدفوع بجنون الرغبة في "المبالغ العظيمة" والحسابات في البنوك، فإن المشاعر والغاية والغريزة والمسطح والشيء هي التي تتغلب وتقود حياته·

ويجد دوران أن إحدى البنى الفصامية التي تظهر من خلال التضخيم المرضي هي تركيز على "البعد" عن المعطيات التي تشكل مواقف ردات الفعل الطبيعية، ويصبح هذا البعد فقداناً للتعاطي مع الواقع وحالة "انطواء"، ويعرف "بلولر" الانطواء علي أنه انفصال عن الواقع لا يأخذ فيه الفكر سوى منحى ذاتي، فعلى سبيل لمثال حدد إحدى المريضات الجهات الأربع على أن الشمال موجود أمامها باستمرار، كما يخلط مريض آخر بين بوله والمطر، فيتوهم أنه "يروي العالم"·

 

(7)

 

"روايته" عبارة عن سيرة ذاتية، هي في جوهرها رغبة في الانتقام مدفوعة إلى حدودها القصوى عبر نص أدبي، وبما أن هذا النص الأدبي تنتجه حالة مرضية لم تحقق مطالبها الخاصة "المضخمة في ذاتها" فإنه يكون ردة فعل على فشل ذاتي تذهب إلى تغطيته بالإعلام الأدبي المضاد عن فشل جماعي منقطع النظير لمن هم حوله مع الاستعانة بتبريرات تاريخية وثقافية، ولذا فهو لا يقوم أساساً إلا على "التزييف" لواقع يتحدث عنه ويقدمه في مضمون الرواية على أنه الواقع ذاته، ليستهدف حضوره التاريخي في يقين المتلقي،اعتماداً على أن النص الأدبي يمكن اعتباره مؤسساً للمعرفة والوجدان·

ولمثل هذه الحالة يقدم بعض العلماء حلولاً متعددة - نسبة النجاح فيها ضعيفة - من ضمنها الحل "السيكودرامي" وهو ضرب من العلاج النفسي، يقوم فيه المريض بتمثيل دور معين في مسرحية، كتبت لتصور أعراضه ومشاكله، ويمثل باقي الأدوار مرضى آخرون، أو أعضاء من الفريق المشرف على العلاج، الذين ــ ربما ــ سيدركون أن الحالة لا تستطيع أن ترحم نفسها في التخلص من الإيمان بأن "سيرتها الذاتية" ستصبح موضوعاً مهماً للتاريخ·

 

(8)

 

في النهاية نشكر دار الكنوز الأدبية على خدماتها الجليلة التي تقدمها للوطن العربي ونتمنى الشفاء لهاني الراهب··!

طباعة  

الهم السابع
 
أخبار ثقافية
 
إصدارات
 
في إطار الاستلاب والتبعية والانسلاخ القومي والحوار الحضاري
التكنولوجيا والأدب والفن: صياغة قيم تحكمها الهستيريا الجماعية

 
ضوء
 
قصائد
 
نافذة
 
أجراس