رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 28 جمادى الأولى - 5 جمادى الآخرة 1420هـ - 8-14 سبتمبر 1999
العدد 1393

ضوء

حكايات الجانب المظلم

 

ركان الصفدي

 

(1)

 

قال لي وهو يائس: أسوأ شريحة في المجتمع شريحة المثقفين· ولم يترك لي فرصة لأسأله: كيف ولماذا؟ فقد تابع: الشاعر (أ) الذي يعد من أهم الشعراء وأجملهم شعراً طلب من مرافقته طرد صحفي يمني أراد أن يجري معه حواراً لأنه ألحّ عليه وكان يسترخي في الفندق الفخم، وهو يصرّ على أنه شاعر الشعب والوطن· والكاتب (ب) الذي ذرع البلاد الأجنبية والعربية في مهمات رسمية وكان أول من امتلك سيارة خاصة بين أدباء بلده، يشكو دوماً من الاضطهاد والقهر ويتاجر بمعارضته لنظام بلده حتى لتظن أنه ملاحق دائماً من رجال الأمن عند كل منعطف، مع أنه معزز مكرم ومخدوم إعلامياً· والأديب (ج) المعروف بجرأته على النظام في بلده يسهر دائماً مع ضباط الأمن وهو صديق خاص لوزير الإعلام، كما أنه المرشح الأول لحضور أي مهرجان أو مؤتمر أو احتفال ولو كان حفل توزيع جوائز اليانصيب· والشاعر (د) ذو الماضي المجيد والرؤية الفنية المتكاملة لا يتوّرع عن مدح عروسين دَعَواه إلى حفلتهما الزاخرة بما لذ وطاب من طعام وشراب بقصيدة عمودية تنسف كل مسيرته الفنية· وفنان الكاريكاتير (و) صاحب الصولة والجولة في الصحف المحلية والعربية يدعي أمام الناس أنه ممنوع من دخول عدة دول عربية بسبب رسوماته مع أنه معروف بأنه تابع لكبار المسؤولين ولكل من يدفع له دولارات أكثر· والدكتور الباحث الأكاديمي الجاد كان لا يسمع بعشرات الشعراء المشهورين منذ عشرين سنة، في حين كتب دراسة (جادة) عن شاعر لا يسمع به أحد إلا أنه مسؤول علمي في بلده··· وعدّد لي عشرات من المثقفين والأدباء العرب الذين يعرفهم شخصياً ويعيشون تناقضاً صارخاً بين ما يكتبونه وما يمارسونه في حياتهم!

 

(2)

 

شاعر كان ينشر قصائده في صحيفة وأصبح معروفاً فيها، ثم نال جائزة أدبية عربية، وحين أرسل قصائده إلى تلك الصحيفة لينشرها كما اعتاد فوجئ برفضها، وحين كرر المحاولة ظناً أنها لم تصل قيل له إن المسؤول الثقافي يرفض نشرها بحجة أنه لم يسمع بهذا الشاعر··· ثم عرف بعد ذلك أن المسؤول الثقافي كان أحد المشاركين في المسابقة الأدبية ولكنه لم يفز مع أنه اسم صحفي بارز!

أديب شاب دخل على أديب كبير فقابله بتجهم وخاطبه بتعالٍ من وراء مكتبه، قائلاً له بين كل عبارتين: "يا بني"، وحين عرف الأديب الكبير أن هذا الشاب مسؤول ثقافي في جهة مرموقة انفرجت أساريره وقام إليه باحترام وفتح له الباب مودعاً· وفي الزيارة الثانية أجلسه بجانبه وأشعل له سيجارة وهو معجب بحماسة الشباب وطاقاتهم الخلاّقة!

 

(3)

 

شاعر عربي ومسؤول ثقافي معروف يتفاخر دائماً أنه من سلالة مناضلة ضد الظلم والطغيان والاستعمار والإمبريالية، وقد كتب عنه أحد المرتزقة دراسة أكدت ادعاءاته هذه، غير أن وثائق ظهرت فيما بعد أثبتت أن والده سجن بتهمة السرقة وأنه طرد أمه العجوز من بيته··· الشاعر ذاك صمت خزياً غير أن ذلك المرتزق مازال يكيل له المدائح ويلمع صورته وصورة سلالته المناضلة، وسيستمر في ذلك إلى حين انتهاء عقده للعمل في تلك الهيئة الثقافية التي يرأسها ذلك المسؤول·

 

(4)

 

الظاهرة قديمة، وكنت أستغرب كيف تبدع شخصيات مريضة ومشوهة اجتماعياً وفكرياً، فمن وضاعة الحطيئة إلى دناءة البحتري إلى شذوذ أبي نواس إلى بخل المتنبي إلى لؤم الفرزدق إلى نفاق مئات الشعراء وتفاهتهم··· فوجدت نفسي أمام أسئلة كثيرة:

- أليس الإبداع حالة نقية يعيشها صاحبها لحظة ينفصل عن واقعه المادي؟

- أليس المثقف عموماً إنساناً عادياً يخطئ ويصيب مثل غيره من البشر؟

- أليس النص الأدبي عالماً قائماً بذاته، هو أشبه بمصفاة تنقّي أكدار الحياة والبشر؟

- ألم يحن بعد أن نتخلى عن خرافة "الأديب الملتزم"؟

وحين عرفت أن هذه الظاهرة تستشري في أمتنا العربية أكثر من غيرها، علمت أن أمتنا في مقدمة الأمم لا في الحضارة فحسب وإنما في القمع أيضاً، لأننا لو رفعنا سوط الخوف عن المجتمع ومطرقة الجوع عن رؤوس الفقراء وسيف الإرهاب الفكري عن أعناق المفكرين لما احتاج المثقف إلى ارتداء أقنعة تنجيه من الخطر الوبيل الذي هو خطر حقيقي وواقعي وليس خيالياً أو متوهماً·

 

(5)

 

إن حال المثقفين العرب مزرية ومؤلمة··· إنهم ضحايا ضعفاء، وكل ضعيف يستقوي على من هو دونه، ولعل د· مصطفى حجازي خير من حلّل سيكولوجيا الإنسان المقهور المقموع في كتابه "التخلف الاجتماعي"·

ومع ذلك كله، فإن هناك جانباً منيراً من كل جرم سماوي، ومن كل ذات إنسانية، ومن كل فكرة··· حرة!

طباعة  

الهم السابع
 
حين يصبح البغض نصاً أدبياً
هاني الراهب يرسم خطا على جبهته!

 
أخبار ثقافية
 
إصدارات
 
في إطار الاستلاب والتبعية والانسلاخ القومي والحوار الحضاري
التكنولوجيا والأدب والفن: صياغة قيم تحكمها الهستيريا الجماعية

 
قصائد
 
نافذة
 
أجراس