رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 28 جمادى الأولى - 5 جمادى الآخرة 1420هـ - 8-14 سبتمبر 1999
العدد 1393

يستعجل إقرار السلام لكنه لا يقبل بالانقياد إليه مرغماً
الأسد يُحضّر بشار للخلافة ورفعت لم يقنط من اقتناصها

"الخلافة، نحن لا نتحدث عنها"· هذه الإجابة جاءت من مسؤول سوري قريب من الحكم· وكانت واضحة لا لبس فيها·

لكن بعد وفاة العاهل الأردني الراحل الملك حسين، وأمير البحرين الشيخ عيسى بن حمد آل خليفة والعاهل المغربي الراحل الملك الحسن الثاني، أخذت قضية خلافة الرئيس حافظ الأسد تضغط على سوريا التي أخذ فيها شبح العقيد بشار الابن الثاني للرئيس يطغى على الأجواء، على نحو ما تضغط (أي الخلافة) على قضية محادثات السلام التي ستستأنف مع الحكومة الإسرائيلية الجديدة·

ليس هناك أي شيء بسيط في العاصمة السورية المعتمة (القاتمة) ويكشف أحد المصادر الدبلوماسية في دمشق أنه إذا لم "تستطع سوريا المجسدة بالرئيس الأسد السبعيني أن تحل قضية الخلافة بطريقة لائقة، فإن إسرائيل وضعت العامل الصحي في منطقها"· لكن نحو أي استنتاج؟ هذه هي القضية·

إذا أخذنا الوقائع  في الاعتبار،يمكن القول فقط إن الرئيس السوري مشغول الآن بنشاط بوضع ابنه بشار وهو طبيب عيون اضطر إلى إنهاء دراساته في بريطانيا عقب وفاة شقيقه باسل، في مدار الحياة السياسية·

فباسل كان شاباً وسيماً ورياضياً محترفاً وشخصية مقدامة، وقد جمع كثيراً من الجوائز في مباريات الفروسية الدولية· أما بشار الذي هو أشد ميلاً إلى الانطوائية، فقد ترقى في الجيش بسرعة حتى بلغ رتبة عقيد مروراً بتراتبيات المدارس والأكاديميات العسكرية· لكن الناس يعرفونه بكونه رئيس "الجمعية السورية للمعلوماتية"· والبعض يعتبرونه "الدكتور ب" كما يطلقون عليه أحياناً "الفارس الأبيض" لمكافحة الفساد· فهذا الشاب الأعزب الذي يتقن الفرنسية والإنجليزية يعتبر أنه من سيدخل سوريا العصر التكنولوجي في الألفية الثالثة·

ولم تمنع سمة "المثقف" بشار الأسد من فرض نفسه في "الوسط العنيد" للقوات المسلحة السورية· فبفضل السلطة المطلقة للأب، ومهارة لا يمكن تجاهلها، استبعد بشار من الجيش شخصيات كانت لتجعله في الظل· فعندما حدّد السن القانونية للضباط الكبار بـ 65 عاماً، استطاع أن يحيل إلى التقاعد رئيس الأركان السابق العماد حكمت الشهابي ورؤساء بعض الوحدات الكبيرة والقوات الخاصة والاستخبارات·

ويؤكد أحد الدبلوماسيين في دمشق أن بشار "قام بأصعب شيء، ولم يعد هناك أي أقطاب تعارضه في السلطة، ومن دون أن يريق نقطة دم واحدة" قد استطاع التقرب من زوج شقيقته وهو المسؤول القوي عن الاستخبارات، وكان باسل قاطع هذا الأخير لأنه كان طلق زوجته الأولى، لكن بشار أقنع والده بضم هذا الصهر (النسيب) إلى العائلة·

واستكمل بشار تعلم السياسة والقيادة بأن زار لبنان أولاً حيث استعاد "حقيبة" شقيقه المتوفى، ثم بلدان الخليج· وقد لاقته المملكة العربية السعودية (قبل فترة) باحترام عندما استقبله خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز وولي العهد الأمير عبدالله بن عبدالعزيز ووزير الدفاع والطيران الأمير سلطان بن عبدالعزيز على التوالي· وهناك رحلة منتظرة إلى اليمن، في حين أن بشار يقيم علاقة جيدة مع العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني·

حتى الآن، لم يتولّ بشار الأسد أي منصب رسمي، لا في الحكومة ولا في حزب البعث· وحسب الدستور، مازال وهو في السادسة والثلاثين من عمره أصغر بأربع سنوات من السن التي تسمح له بترشيح نفسه لرئاسة الجمهورية· غير أن أحد السياسيين يؤكد أن "التطور يسير باتجاه بشار" من دون أن يجرؤ على تأكيد نجاحه في خلافة والده ذات يوم·

منذ الأزمة القلبية التي ألمت به عام 1983، مازالت صحة الرئيس السوري تشغل الحكومات الأجنبية ومثلها دسائس شقيقه رفعت الذي ظن في ذلك الوقت أن ساعته حانت· وعندما تصدى له الأقوياء في النظام وخيّب أمله الرئيس، توجه رفعت إلى المنفى، وبعدما سامحه الرئيس ووعده بمنصب وصار نائباً للرئيس، عزل مرة ثانية وحرم من دخول سوريا في فبراير من عام 1997·

لكن الطموح لم يفارقه قط· فقد عمل على تأسيس جماعة محسوبة عليه داخل سوريا، وزار الجزائر والمغرب (لحضور دفن الملك الحسن الثاني) والمملكة العربية السعودية، فقال سياسي سوري ساخر أن رفعت ذهب إليها حتى يؤدي فريضة الحج وحتى يشتري شهادة إيمان· وفي موازاة ذلك، ينشط ابنه سومر الذي أسس قناة فضائية عربية في لندن· وقد زار مصر وغزة حيث التقى رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات· وفي دمشق لم يهدأ الغضب قط·

والمسعى واضح حسب رأي المراقبين المحليين· فلما كانت جماعة رفعت تعرف أن الرئيس صار أضعف وأن بشار مازال طريّ العود، أخذت هذه الجماعة تحرك بيادقها وفق منظور حدوث خلافة وشيكة· والهدف المباشر لهذه الجماعة هو توحيد الطائفة العلوية التي جاءت إلى السلطة مع الأسد·

وسمعة شقيق الرئيس هي نقيض سمعة ابنه بشار· فحسب أحد الدبلوماسيين، يعتبر رفعت شخصية قبيحة لما كانت ميليشياته تطارد النساء المحجبات· أما بشار فلا يبدو منه أي تصرف استفزازي أو عدواني، على نحو ما يتصرف أبناء كثيرين من قادة الحكم· فذات مرة شاهده شخص أجنبي وهو يدخل إلى أحد مطاعم دمشق مثل أي مواطن عادي مصحوباً بصديقين لكن من دون أي حراسة شخصية· ثم واصلت بقية الزبائن تناول وجباتهم·

في سوريا الآن، شاع "أسلوب بشار" الذي يغري كثيراً من الناس لاسيما الشبيبة ويتوقع أحد المثقفين ممن أخافتهم ممارسات "السيد الأخ" (رفعت) أن "اللحظة جاءت· فإما تكون له (بشار) أو تكون لرفعت"·

لكن في الشرق كما في بلدان كثيرة، لا ينفع الذكاء والسلوك الحسن كثيراً في السياسة· وأنصار بشار الأسد غير مقتنعين بأنه "متعطش إلى السلطة بالقدر الكافي للسيطرة على بلد مثل سوريا" ويقول أحد المؤيدين أن "لعبة السلطة قذرة"·

والرئيس متعب في معظم الأحيان· و"صحته الحديدية" لم تعد كما كانت من قبل· ففي فبراير الماضي، تراجع في اللحظات الأخيرة عن القاء خطبة في البرلمان· ويقول أحد السياسيين إن الرئيس خاطب بواسطة كلمة نشرتها مجلة "القوات المسلحة" ضباطاً استقبلهم إلى مأدبة غداء· ويقول بعض الزوار الأجانب أنهم لم يعودوا يرون فيه ذلك المتحدث المهيب إنما الحازم الذي عرفوه· وما يبقى هو التخمين·

ويعود إلى الرئيس نفسه إعلان استهلال مرحلة ما بعد الأسد· والأرجح أن يقوم بذلك عبر دعوة حزب البعث إلى عقد مؤتمر· فالمؤتمر الأخير انعقد عام 1985، والأعضاء سيكون أمامهم جدول عمل كبير· فهؤلاء يعود إليهم، إذا كانت رغبة الرئيس كذلك، أن يفسحوا مكاناً للدكتور بشار وأبناء جيله وأنصاره، وبانتظار ذلك يبقى سيد دمشق يحكم بإيقاعه الشخصي·

كانت الإشارات الموجهة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود باراك في يونيو الماضي تؤكد رغبة الأسد في تسوية النزاع العربي - الإسرائيلي · لكنه امتنع عن الذهاب إلى الرباط لحضور جنازة الحسن الثاني· ويومها كان الرئيس الأمريكي بيل كلينتون يأمل في رعاية قمة إسرائيلية - سورية· لكن الرئيس السوري لم يرغب في ذلك· ويوضح خبير سياسي سوري الأمر بقوله إن "ذلك لا يعني أن الرئيس غير مستعجل لتحقيق السلام، السلام الحقيقي الذي لا يترك أي آثار ولا يحيي أي نزاع من أي نوع· إنه مستعجل· لكنه لا يريد أن ينقاد رغم إرادته"· فحافظ الأسد مازال يمسك عصا القيادة جيداً!

"لوفيغارو"

طباعة  

كيف تتخلص صربيا من سلوبودان ميلوسيفيتش؟
الانقلاب بالطريقة الرومانية غير مستبعد