رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 6-12 جمادى الآخرة 1420هـ - 15-21 سبتمبر 1999
العدد 1394

الشعر والحرب عند العرب*

·  التجريد الذي حققته القصيدة العربية الجاهلية أسلوباً في التعبير الشعري ينتمي إلى مرحلة متقدمة في تطور الفكر الإنساني والنماء الحضاري، كما أنه يمثل مرحلة متقدمة في التعبير الفني، كما قال هيجل وأكد هربرتريد، تتخطى المرحلة السردية الشفهية

·  هل العمل الشعري انعكاس مباشر للواقع أم أنه مستقل عنه؟ وإذا كان الشعر انعكاساً مباشراً للواقع، فبماذا يتميز عن لغة الحياة اليومية المتصفة بالسردية والتقريرية والمباشرة؟ وإذا كان مستقلاً عن عالم الواقع ألا ينتهي إلى عالم مثالي غير واقعي؟

 

ريتا عوض**

تثير العلاقة بين الشعر والواقع إشكالية نقدية مزمنة وتطرح عديداً من الأسئلة النقدية والجمالية الدقيقة·

هل العمل الشعري انعكاس مباشر للواقع أم أنه مستقل عنه؟ وإذا كان الشعر انعكاساً مباشراً للواقع في ماذا يتميز عن لغة الحياة اليومية المتصفة بالسردية والتقريرية والمباشرة؟ وإذا كان مستقلاً عن عالم الواقع ألا ينتهي إلى عالم مثالي غير واقعي؟ هل الشعر تمثيل لمظاهر العالم الخارجي ومحاكاة للفعل الإنساني المتكرر في الزمن أم أن له بنية فنية موحدة مغايرة في طبيعتها وإيقاعها لما يتصف به العالم الخارجي؟ كيف تختلف البنية الشعرية في شعر المحاكاة والتمثيل عن بينة تقوم على رؤية فنية للحياة وتقدم تعبيراً تجريدياً رمزياً عنها؟ لماذ يتم التحول بين الاتجاهين؟ ولماذا تتجه ثقافات معينة إلى التعبير عن ذاتها في فترات تاريخية محددة بأسلوبين دون الآخر؟ ولماذا تتم هذه التحولات؟ كيف يمكن للعمل الشعري أن يظل مرتبطاً بالواقع التاريخي محتفظاً بما يتسم به ذلك الواقع من حيوية وصراعية وتناقض وتجاوز من غير أن يكون ذلك العمل انعكاساً للواقع ومحاكاة لأفعاله وتمثيلاً لمظاهره؟

بعض الأسئلة التي طالما تناولها النقاد الأدبيون والفلاسفة الجماليون منذ أفلاطون وأرسطو حتى يومنا هذا· وكانت الإجابات المختلفة عنها كشفاً للتوجهات الحضارية عبر العصور كما تجسدت في مذاهب فنية مختلفة وفي نظريات نقدية ومدارس الفلسفة الجمالية· ولعل أهم ما وصلت إليه الدراسات النقدية والبحوث الجمالية في العصر الحديث إدراك الأبعاد الحضارية للمذاهب الفنية والنقدية رباط التحول في الأشكال الفنية بالتحولات الحضارية والفكرية·

لقد بينت هذه الباحثة في دراسة سابقة ومن خلال تحليل نقدي وجمالي مسهب ومعمّق خصائص التعبير الفني التشكيلي والشعري التي تميزت بها الفنون العربية والشعر العربي وبالأخص القصيدة الجاهلية· واستنتجت أن هذه الخصائص الفنية المتميزة ارتبطت بموقف من الحياة والوجود يتصف بعدم الانسجام ويتوق إلى التخطي أدت بالشاعر إلى الابتعاد عن تمثيل مظاهر العالم الخارجي ومحاكاة الفعل الإنساني المتكرر في الزمن· فلم يكن الشعر العربي انعكاساً مباشراً للواقع بل كان بنية موحدة تقدم رؤية فنية للحياة وتعبيراً رمزياً عنها، ويكشف علاقة الإنسان بمظاهر وجوده الخارجي والموقف المتجاوز والمتخطي للإنسان الفنان المبدع·

هذا التوجه الفني يؤدي إلى إلغاء عنصر الزمن بما هو تسلسل وتتابع، فينتفي السرد القصصي· ولعل هذا ما يفسر حول التراث الشعري العربي من الشعر القصصي الذي يعد خاصية أساسية من خصائص الشعر الكلاسيكي الأوروبي، ولعله يجيب عن السؤال الذي طالما طرحه المهتمون بالشعر العربي في هذا القرن: لماذا لم يكن للعرب في تراثهم ملحمة شعرية؟ ولعل هذا ما يعلل عدم اكتراث العرب القدماء بالشعر اليوناني الملحمي والدرامي، لأنه مناقض تماماً للتوجه الحضاري العربي وغير منسجم مع ما نتج عنه من شكل فني للقصيدة العربية·

وليس غياب هذه الملحمة عن الشعر العربي مما يغض من شأنه كما يوحى العديد ممن تعرضوا لبحث هذه القضية· بل إن طبيعة التوجهات الحضارية التي تميز عصراً من العصور هي ما يحدد الأشكال الفنية السائدة فيه كما ذكرنا· يقول أونغ إن القصص وإن كانت موجودة في كل الثقافات البدائية الشفهية التي لا يمكنها أن تولد مقولات مجردة، فتستخدم قصص الأفعال الإنسانية لتحفظ وتنظم وتوصل معظم ما تعرف·

والتجريد الذي حققته القصيدة العربية الجاهلية أسلوباً في التعبير الشعري، ينتمي إلى مرحلة متقدمة في تطور الفكر الإنساني والنماء الحضاري، كما أنه يمثل مرحلة متقدمة في التعبير الفني، كما قال هيغل وأكد هربرت ريد، تتخطى المرحلة السردية الشفهية·

لقد كان الشعر العربي أكثر ارتباطاً بالتقاليد الشعرية منه بالواقع في مظاهره وأحداثة· غير أن ذلك لا يعني أنه شعر مقلد أو شعر تقليدي، ولا يعني في الوقت نفسه أنه منفصل عن الواقع أو مستقل عنه أو متعالٍ عن التاريخ خارج عن دائرته· إن الشعر هو دائماً خطاب شعري محدد، يعرض إمكانات تاريخية وتعترضه حدود تاريخية· والخطاب حقيقة اجتماعية، فكل تحديد لغوي ينطوي في الوقت نفسه على تحديد أيديولوجي· ولعل من أهم المحاولات في هذا العصر لفلسفة الشعر بما هو خطاب مستقل نسبيا وتاريخي في الوقت نفسه، تلك التي وضعها الكاتب الفرنسي الماركسي لويس ألتوسر، وفيها عد الشعر مثلاً على الممارسة الأيدويولوجية يعرف باستقلاليته النسبية· ويستنتج من ذلك، في رأي ألتوسر، أن الشعر ليس انعكاساً ثانوياً لشيء آخر، بل هو قوة اجتماعية حقيقية قائمة بذاتها، لها أحكامها ونتائجها الذاتية·

لقد كان الشعر العربي القديم منذ الجاهلية قوة اجتماعية حقيقية بكل معنى الكلمة لا بالرغم من استقلاليته النسبية عن الواقع والحدث بل بسبب تلك الاستقلالية النسبية التي نفت كونه انعكاساً ثانوياً لمظاهر العالم الخارجي ونقلاً ساذجاً للفعل الإنساني في زمنيته التاريخية· ولعل أفضل مثال على ما نذهب إليه هو تحديد طبيعة العلاقة بين الشعر والحرب في التراث الشعري العربي· فبالرغم من خلو الشعر العربي من الملاحم فإن جانباً كبيراً من هذا الشعر يتناول الحرب· ومن يتأمل الشعر الجاهلي يلاحظ أن كثيراً من هذا الشعر كان يدور حول الحروب القبلية العديدة التي سادت شبه الجزيرة العربية والمعروفة بأيام العرب· بل إن أربع قصائد من المطولات المعروفة بالمعلقات السبع، تتناول الحرب، وهي قصائد عنترة بن شداد وزهير بن أبي سُلمى وعمرو بن كلثوم والحارث بن حلزة، وقد شاع القول بأن الشعر ديوان العرب أي سجل أحداثهم التاريخية ووقائع أيامه· هذه الملاحظة الصحيحة دعت أحد أوائل النقاد الأدبيين العرب وهو محمد بن سلام الجُمَحي (متوفى 231 هـ) إلى استنتاج نظرية تربط بين الشعر والحرب وتعزو غزارة الشعر إلى تكاثر الحرب، ونضوب معينه إلى ندرتها· في حديثه عن شعراء مدينة الطائف قبل الإسلام، يقول ابن سلام في كتابه طبقات فحول الشعراء: "وبالطائف شعر وليس بالكثير وإنما كان يكثر الشعر بالحروب التي تكون بين الأحياء نحو حرب الأوس والخزرج أو قوم يغيرون ويغار عليهم· والذي قلل شعر قريش أنه لم تكن بينهم عداوة ولم يحاربوا· وذلك الذي قلل شعر عمان وأهل الطائف في طرف"·

والحق أن ملاحظة ابن سلام حول ندرة شعر قريش والمدن العربية صحيحة، غير أن القول بوجود علاقة سببية ويمكن أن نسوق هنا ملاحظتين:

الملاحظة الأولى: هي أن جانباً كبيراً من الشعر الجاهلي لم يلتفت إلى الحرب، وقد تناول الشعراء الجاهليون أغراضاً شعرية أخرى عديدة في قصائدهم ومقطّعاتهم· بل إن بعض الشعراء الفرسان ممن أمضوا زمناً من حياتهم في خوض الحروب لم يفردوا حيّزاً واسعاً من شعرهم للحرب، ولعل امرء القيس يصح مثالاً على ذلك· فقد فصّل الرواة أخبار مساعيه للأخذ بثأر أبيه، ملك بني أسد، وما خاض من حروب واسعة لاسترداد الملك المفقود من اليمن إلى أواسط شبه الجزيرة وشمالها· ولم يتضمن شعره سوى لمحات سريعة عن الحرب ودار جله حول الصيد واللهو والنساء·

والملاحظة الثانية: هي أن الشعر لم يواكب الفتوحات الإسلامية وإن كان قد تناول الغزوات الباكرة مثل بدر وأحد· فلماذا لم يقل الشعراء العرب الشعر في الفتوحات؟ إذا تتبعنا ما بقى ودُوِّن من شعر في تلك الفترة فسنعثر على شعر قليل في تمجيد البطولة يعكس معظمه الروح القبلية السائدة في الجيش الإسلامي· إذن فهذه الحروب الكبيرة والخطيرة الأهمية لم يواكبها الشعر الذي ظل محصوراً في الصراعات القبلية والحروب الداخلية أو ابتعد تماماً إلى الغزل· وإذا صحت الروايات التي تتحدث عن غزوات شارك فيها عمر بن أبي ربيعة، شاعر الغزل بامتياز في تلك الفترة من الزمن، وقيل إنه مات في غزوة له في البحر حين احترقت سفينته، إذا صح ذلك لماذا لم يقل عمر شعراً في الحرب؟

لعل هاتين الملاحظتين تشكلان رداً على نظرية ابن سلام فيما قرره من علاقة بين الشعر والحرب، ويُستنتج منهما في رأي هذه الباحثة مبدآن أساسيان في النقد الأدبي يشكّلان دعامة من دعائم النظرية الشعرية:

المبدأ الأول هو التجربة الشعرية لا تواكب بالضرورة الحدث الخارجي، فللإبداع الشعري إيقاعه الزمني الذاتي وله نظامه البنيوي الخاص وتقاليده الفنية المتميزة· لذلك لم يقلل الشعراء العرب شعراً في الفتوحات، لأنها في مفهومها وفي حدوثها التاريخي مغايرة لما هو معتاد من نظام قبلي وما هو مألوف من صراعات قبلية· فمفهوم الأمة لم يكن قد تبلور بعد في النفوس· ولا كانت قد تشكلت بعد التقاليد الفنية التاريخية المستجدة·

لذلك ظل الشعر دائراً في إطار ما استقر من تقاليد شعرية ترسخت عبر فترات طويلة من التجربة الحياتية والأدبية وسادت فيهما النزعات الداخلية القبلية أو شبه القبلية· وأكبر شعراء هذه الفترة وهم الأخطل والفرزدق وجرير أبدعوا قصائدهم في أجواء الروح القبلية والأخلاقية الجاهلية كما تمثلت في شعر ما قبل الإسلام·

والمبدأ الثاني: هو أنه في إطار التقاليد الشعرية والنظام الشعري اللذين يبدع الشعراء بالضرورة ضمنها لا يمكن إنكار ذاتية الشاعر ومزاجه الخاص مهما نمت تلك التقاليد وترسخ ذلك النظام· والتجربة الشعرية ليست بالضرورة هي التجربة الحياتية للشاعر، فالشاعر انتقائي في ابداعه، فأمرؤ القيس كما ذكرنا، ولو أمضى السنوات العديدة من حياته محارباً، فقد نحا في تجربته الشعرية وفي إبداعه الشعري إلى الغزل والصيد والرحلة، واقتصر شعر عمر بن أبي ربيعة على الغزل واللهو رغم مشاركته في الفتوحات واستشهاده في إحدى الغزوات· هذان الشاعران اختارا مسارهما الفني المتميز عن مسيرتهما المعيشية، غير أن شعراء آخرين ساروا في حياتهم اليومية مسيرة تنسجم مع مزاجهم الفني والإبداعي· ولعل ما عرف عن شاعر الغزل العذري جميل بن معمر، صاحب بثينة، من رفضه خوض الحرب لتعارضها مع مزاجه، يصح مثالاً على ما ذهبنا إليه· وقد اشتهر قول جميل في ذلك الموقف:

يقولونَ جاهدْ يا جميلُ بغزوة

            وأي جهادٍ غيرَهنَّ أريدُ

لكلَّ حديثٍ بينهنَّ بشاشةّ

            وكلُّ قتيلٍ بينهنَّ شهيدُ

وهناك شعراء آخرون وجدوا في الحرب مصدراً للإلهام وحافزاً على قول الشعر· وقد قال عمر بن معدي كرب مبرراً صمته عن قول الشعر وتمجيد البطولة:

فلو أنّ قومي انطقتني رماحُهمّ

            نطقتُ ولكنَّ الرماحَ أجَرَّتِ

بمعنى أن تخاذل قومه عن الجهاد ألزمه الصمت عن قول الشعر وكأن انعدام الحدث أعدم القول ونفى الفن، بل إنه قطع اللسان على حد تعبيره·

كان على الشعر العربي أن ينتظر زمناً حتى يثمر التحول الحضاري والثقافي والفني الذي جاء به الإسلام والفتوحات والانفتاح على أمم أخرى وثقافات متنوعة، وحتى تتحول الحساسية الشعرية وتتولد تقاليد شعرية جديدة· وقد أثمرت تلك التحولات في حركة التجديد الشعري في مطلع العصر العباسي فيما اصطلح على تسميته بشعر البديع، وهو الشعر الحديث في العصر العباسي الذي أثار جدلاً كبيراً بين الشعراء والنقاد والعلماء في ذلك الزمن لما تضمنه من خروج على بنى وقواعد وصيغ ترسخت عبر قرون من الإبداع الشعري العربي المتميز· وقد أجمع العلماء على أن بشار بن برد (متوفى 168 هـ) أول المحدثين وأستاذهم الذي عنه أخذوا· أي أن نضوج التحول في الحساسية الفنية والشعرية المرتبط بالتحولات الحضارية والثقافية والسياسية والاجتماعية احتاج إلى ما يزيد عن القرن من الزمن، ليتبلور في ابداع شعري جديد ومحدث مرتبط بالتراث الشعري القديم ومغاير له في الوقت نفسه·

أما التحول الأساسي في قصيدة الحرب فكان في رأي هذه الباحثة مع الشاعر الكبير أبي تمام الحبيب بن أوس الطائي (متوفى 231 هـ)· لقد عاصر أبوتمام حروباً كبيرة ومهمة خاضها الخليفتان العباسيان المأمون والمعتصم، بان الخليفة هارون الرشيد، ضد الروم البيزنطيين وانتصرا فيها· غير أن الحدث الكبير وحده لا ينتج شعراً كبيراً كما بيّنا، ففتوح المسلمين الأوائل وانتصاراتهم لم تكن أقل شأناً مما عاصر أبو تمام من حروب، ولم تخل العصور الأولى تلك من شعراء عظام· ومع ذلك يمكننا أن نقول إن بائية أبي تمام في فتح المعتصم عمورية هي أول قصيدة في الفتوحات العربية الإسلامية· هذه القصيدة الرائعة في انتصار العرب الساحق والحاسم على البيزنطيين، هي في رأي هذه الباحثة، حدث شعري عربي تحول بالشعر العربي عامة وبشعر الحرب على وجه الخصوص إلى آفاق جديدة لم يبلغها من قبل على المستويين الدالالي والبنيوي الفني:

فتحُ الفتوح تعالى أنْ يُحيطَ به

            نَظْمُ من الشعرٍ أو نثرُ من الخُطّبِ

فتحُ تفتَّح أبواب السماء لَهُ

            وتبرزُ الأَرضُ في أثوابِها القُشُبِ

وكان العُدة النفسية والفكرية والفنية للشاعر العربي قد اكتملت وأصبحت القصيدة مؤهلة لإبداع تقاليد فنية جديدة تستوعب صورة حرب ذات أبعاد قومية ودينية، بالمعنى الحضاري للقومية والدين، في بنية شعرية جديدة وصور شعرية جديدة ولغة استعارية فنية لم تعرفها القصيدة القديمة ولم يألفها جمهور العلماء والرواة والنقاد الذين ظلوا متشبثين بالأنماط القديمة ووقفوا موقفاً متحفظاً وأحياناً مناوئاً للتحديث والمحدثين:

خليفة الله جازى الله سعيَكَ

            عن جرثومة الدَّين والإسلام و الحَسَبِ

بَصُرت بالراحة الكبرى فلم ترَها

            تنال إلا على جسرٍ من التعبِ

إن كان بين صروف الدهر من رحمٍ

            موصلة أو ذمامٍ غير منقضبِ

فبين أيامك اللاتي نُصرت بها

            وبين أيام بدر أقربُ النسبِ

بني الأصفر المصفرِّ كاسمْهمٍ

            صُفر الوجوه وجلّت أوجه العربِ

إن ما أرساه أبو تمام من تقاليد فنية جديدة لقصيدة الحرب بلغ احتماله في شعر أبي الطيب المتنبي، شاعر الحرب الأكبر والأعظم في تاريخ الشعر العربي وقمة التجربة الشعرية العربية وخلاصتها· مع المتنبي التقت العبقرية الشعرية الفذة بالفعل التاريخي فحولته عن طبيعته النثرية السردية مخترقة الحدث إلى أبعاده الحضارية ومبدعة صوراً أسطورية لنماذج أصلية متجذرة في اللاوعي الجماعي الإنساني· عاش المتنبي في زمن انحلّت الدولة العربية العظمى فيه إلى دويلات سيطرت عليها الصراعات الداخلية، فاستطاع بعبقريته الشعرية المتميزة تحويل ذلك الواقع السياسي المرير رؤيا شعرية مبدعة تغوص إلى الجوهر تكتشفه وتكشفه: تذيب المرارة في أتون التجربة الشعرية وتصهرها في لفتة عبقرية تحولها فنا رفيعا· وكأن التنبي هنا سبق ابن خلدون إلى نظريته العضوية في أعمار الأمم والحاضرات موازياً بينها وبين العمر الإنساني في طفولته وشبابه وهرمه:

وقتُ يضيعُ وعمر ليت مدَّتهُ

            في غير أمته من سالف الأمم

أتى الزمان بنوهُ في شبيبته

            فسرَّهم وأتيناهُ على الهرَمِ

لكن المتنبي يتجاوز هذه الحتمية التاريخية المريرة إلى صورة البطولة العربية الخارقة· لقد وجد هذا الشاعر في سيف الدولة الحمداني، أمير حلب، الذي تصدى للروم وحاربهم وانتصر أحياناً في بعض معاركه ضدهم، وجد فيه رمز التخطي لواقع التردي والاضمحلال الذي تعيشه الأمة العربية في زمنه، فلم تكن صورة سيف الدولة في شعر المتنبي مجرد نقل للصورة التاريخية لأمير من أمراء حلب عاش في منتصف القرن الرابع الهجري، بل تحول سيف الدولة رمزاً للبطولة العربية المتجاوزة والمتخطية لمظاهر واقع التفكك السياسي والانحلال الحضاري وعلامات الهرم، وتحول صورة أسطورية خارقة تجسد الحلم باستعادة العافية المفقودة وتبلغ بالبطل درجة الألوهية، وهذا ما لم تصل إليه قصيدة الحرب العربية قبل المتنبي· ولنأخذ مثالاً رائعته في انتصار سيف الدولة على الروم في ثغر الحدث عام ثلاثمئة وثلاث وأربعون:

وقفت وما في الموت شكُّ لواقف

            كأنكَ في جِفن الردى وهو نائم

تمرُّ بك الأبطال كلْمى هزيمةّ

            ووجهُكَ وضَّاح وثغركُ باسمُ

تجاوزت مقدار الشجاعة والنهى

            إلى قول قومٍ أنتَ بالغيب عالمُ

لم يكن سيف الدولة التاريخي في حجم الخلفاء العظام الذين أسسوا الدولة العربية الإسلامية الكبرى، ولم تكن إمارة حلب دمشقَ الأمويين ولا بغدادَ العباسيين، لكن شعر المتنبي في هذا الأمير سما به إلى مرتبة لم ينلها خليفة أو قائد من قواد الفتوحات الكبرى· ومازال المتنبي في منتصف القرن الرابع يبدع شعر البطولة ضمن تقاليد شعر الفتوحات التي ترسخت ما بعد زمن الفتح بأكثر من قرن كما ذكرنا، واستمرت  حتى زمن التراجع السياسي والاجتماعي وبدايات الانهيار:

ومن طلب الفتحَ الجليلَ فإنّما

            مفاتيحُهُ البيضُ الخفافُ الصوارِمُ

كما يقول في القصيدة ذاتها· بل إن قصيدة الفتح لديه تتخذ أبعاداً جديدة لم تنلها حتى مع أبي تمام:

ولستَ مليكاً هازماً لنظيره

            ولكنكَ التَوحيدُ للشركِ هازمُ

تشرَّف عدنانُ به لا ربيعهُ

            وَتفتخرُ الدنيا به لا العواصمُ

فالملك الفاتح ليس مجرد بطل باسل وخارق القدرة، ولكنه تجسيد للدين، هو التوحيد نفسه، وما عدوه سوى الشرك، وكأن المعركة تجاوزت الأفراد التاريخيين والأحداث التاريخية إلى صدام العقيدة بضدها، وكأن انتصارها هو الانتصار الفاصل والحاسم والأخير· وهو انتصار كوني للحق وهزيمة للباطل· وكذلك هو انتصار الأمة العربية بأسرها وقد رمز إليها الشاعر بعدنان، أبي العرب جميعاً، لا انتصار قبيلة الأمير، ربيعة، رغم التفكك التاريخي للدولة العربية في زمن المتنبي وسيف الدولة، وهو فخر الدين،وكأن العقيدة المنتصرة والأمة المنتصرة سادا العالم أجمع·

إن هذا التخطي المبدع وهذا الحس التاريخي والحضاري والقومي والقدرة المتميزة على إعادة صياغة التاريخ والحدث في بنية فنية مرتبطة بالتاريخ والحدث ومستقلة عنهما في الوقت نفسه، وذلك الاستيعاد لتجربة الماضي بما هو تاريخ وفكر وتقاليد فنية، ذلك كله ما جعل المتنبي حالة شعرية خاصة في تراثنا الشعري وذروة من ذرى الخلق الفني جسدت خلاصة التجربة الشعرية العربية عبر ما يزيد على أربعة قرون من الإبداع·

ما يسهم في إبداع قصيدة الحرب هو وجود تقاليد شعرية توجه العمل الشعري تؤطره في الوقت نفسه، وحدوث اللقاء بين الحدث، الفعل الحربي، وبين عبقرية شاعر مشبع بالوعي التاريخي والحضاري، قادر على اختراق الحدث وتخطيه وإعادة صياغة الواقع والتاريخ في عمل فني ليس هو الواقع وليس هو بالمنقطع عنه في آن معاً·

غير أن هناك شرطاً ثالثاً للإبداع هو ما يمكن أن نسميه بالحيوية الشعرية التي تتصف بها عصور وتفتقدها عصور، وليست الحيوية الشعرية صدفة تاريخية، وليست بهبة ربانية، وليست في الواقع ذاته انعكاساً للواقع الخارجي بصورة آلية ومباشرة، فشبه الجزيرة العربية في الفترة السابقة من تاريخها على الدعوة الإسلامية، كانت تعيش ما أسماه المستشرق ديللافيدا "عصورها الوسطى" بعد انهيار تجارتها الخارجية وضياع قوتها السياسية وغلبة البداوة والفوضى على التمدن· ووسط هذا المحيط المتسم بالتفكك الاجتماعي والسياسي والانهيار الاقتصادي، وبالرغم من مرحلة الانحدار الحضاري، كانت اللغة العربية تتكون وتحقق ذاتها بنية مكتملة مترسخة، وكانت أشكال التعبير الفني باللغة تتخذ صيغاً متطورة وناضجة· ولعل الأمر يبدو متناقضاً للوهلة الأولى: فهل يمكن أن يتواصل تطور التعبير الثقافي في قفزات نوعية تحقق التحول في فترات الانحسار والانحدار الحضاري؟ هذا الموضوع يطرحه  حسين مروة في كتابه النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية ويعالجه في تحليل ينتهي إلى القول بالاستقلالية النسبية للشعر والتعبير الثقافي عن الظروف والشروط الموضوعية التي ينشأ فيها إن المعرفة والثقافة وإن كانتا انعكاساً للعالم على وعي الإنسان، فإن ذلك الانعكاس ليس انعكاساً مباشراً كانعكاس الأشياء والأشخاص في المرآة، وإنما عملية معقدة لها قانونها الداخلي الذاتي وبالتالي حركيتها المستقلة نسبياً عن حركية الوجود المادي الذي هو مصدر الانعكاس· وينشأ عن ذلك ما تتميز به من إيقاع خاص يتصف بالبطء، أي زمنية ذاتية لا تتناسب مع إيقاع زمن الواقع الخارجي· ومن هنا يتأخر تشكل البنى الثقافية عن تشكل البنى الاجتماعية·

من هذه المعطيات يُستنتج لماذا كان الثبات والاستقرار النسبيان من الصفات المميزة للأشكال الثقافية بحيث لا تتحول تلك الأشكال بتقلب الأوضاع الاجتماعية وتغيرها فتظل محتفظة بزمنية تطورها الذاتي· وهذه الخصائص المشتركة التي تتصف بها الأعمال الثقافية والفنية تجعل منها نظاماً متماسكاً متكاملاً له كينونته وهويته، تحمل أجزاؤها ما تحمل من الصلات والروابط الوثيقة فيما بينها وتنتمي إلى ذلك النظام الذي يضمها فتسهم في تحقيقه وتستمد منه ذاتها ومعناها· وهي وإن كانت لا تعكس الواقع بصورة آلية مباشرة لاستقلاليتها النسبية عنه، فإنها لا توجد في فراغ مكاني وزماني، بل إن المكان والزمان الخارجيين يسهمان في تعريف مكانيتها وزمانيتها الخاصتين·

كان المتنبي آخر الشعراء الكبار في التراث الشعري العربي، وكأن ما قاله في الزمان يصح في النظام الثقافي والفني، ينمو ويشب ويهرم، فتذوى الحيوية وتخبو إلى أن تضمحل· وكأن لذلك النظام الثقافي والفني زمنيته الخاصة وإيقاع عصوره وتراجعه الذاتي الموازي لمسيرة الواقع الخارجي، لكنه لا يعكس تلك المسيرة بصورة مباشرة وآلية ولا يتقاطع معها وإن كان لا ينقطع عنها· فكما أن نماء اللغة العربية وصعود ثقافتها وارتقاء فنونها لم يتطابق مع ما كانت تعيشه شبه الجزيرة العربية من ظروف سياسية واقتصادية واجتماعية في تلك الحقبة التاريخية، فإن تراجع الحيوية الثقافية والإبداعية لم يتزامن مع بدء مرحلة التفكك السياسي للدولة العربية الإسلامية وما شهدته من صراعات داخلية نجد الكثير من صداها في شعر المتنبي وكأنه أقصى ما كان يمكن أن تحققه العبقرية الشعرية العربية من إمكانات، وتواصل التفكك الذي ابتليت به الدولة العربية الإسلامية حتى انتهت إلى الانهيار ثم إلى احتلال أراضيها من قبل الجيوش الغازية، ولعل أخطرها ما عرف بالحروب الصليبية الطويلة والمريرة·

ونبقى في إطار موضوع الشعر والحرب، فنجد أن العرب خاضوا حروباً كثيرة وعنيفة في فترة التراجع الثقافي ونضوب الحيوية الشعرية ولم يواكبها الشعر ولم يحفظ لنا تاريخ الأدب عملاً شعرياً ذا قيمة فنية قيل فيها· ولنأخذ مثالاً على ما نذهب إليه من زمن الملك والقائد صلاح الدين الذي خاض حروباً طويلة ضد الصليبيين وحقق انتصارات سجل أحداثها التاريخ· وكان العماد الأصفهاني (597 - 519 هـ) كاتباً لدى صلاح الدين وكان مقرباً منه ولازمه حتى وفاته عام 589 هـ· وقد جمع الأصفهاني الشعر الذي قيل في الديار الإسلامية بأسرها من العراق وبلاد العجم إلى الشام والحجاز والجزيرة واليمن وإلى مصر والمغرب والأندلس في أواخر القرن الخامس ومنقلب القرن السادس حتى العقد السابع منه في كتابه خريدة القصر وجريدة العصر، وهو في عشرة مجلدات ضخمة· غير أن هذا الشعر، على غزارته، غث وخال من القيمة الفنية والأدبية· وقد كان العماد نفسه واعياً أن الشعر في عصره بضاعة كاسدة فقال في مقدمة كتابه: "أما بعد، فإنني لّما رأيت الفضل في عصرنا هذا، وإن ضاع عَرْفُه، قد ضاع عَرْفُه، كما أنه وإن زان ضعُفه فقد زاد ضُعْفه، لفساد أمره، وكساد سعره، وهبوط نجمه، وسقوط رسمه، وحطّ حظه، وقلّة عناية أهله بحفظه"· هنا أيضاً لم يواكب الشعر الحدث ولو كان حدثاً عظيماً، فظلت حروب البطولة والانتصار في ذلك العصر مقتصر تسجيلها على كتب التاريخ ولم تحفظها الذاكرة الثقافية في بنية فنية شامخة وخالدة·

إذا كان الزمان العربي الذي عاش فيه المتنبي، في ضمير هذا الشاعر وفي وعيه المتوهج، يعاني صقيع الهرم، وهو الضعف وأقصى الكبر، فيستنتج أن ذلك الزمن في تلك الرؤيا الشعرية الكاشفة، يسير سيراً حثيثاً وسريعاً نحو ظلمة الموت· وقد صدقت هذه النبوءة الشعرية الفذة، ومرت قرون طويلة والأمة العربية متجمدة في سبات حجري قارس وقاس· وفي نهاية القرن التاسع عشر الميلادي، بدأت حركة نهضة لغوية وثقافية عربية ليس هنا مجال تعليل دوافعها وتحليل ظواهرها وتقويم ما حققته من إنجازات، لكننا يمكن أن نقول إن اللغة العربية نهضت بعد كبوة طويلة وخطيرة، وإن الإبداع الثقافي العربي، في أشكاله المختلفة بُعثت بعد موات·

إن ما حققته الثقافة العربية في هذا القرن ليس بالأمر اليسير إذا عقدنا المقارنة مع الصورة التي كانت عليها اللغة العربية فيما سُمِّيَ، حقاً، بعصر الانحطاط، وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن للإبداع زمنية الخاصة وإيقاع نموه الذاتي، ومراحل عمره المتميزة· ولعلنا هنا نجازف بعقد مقارنة بين هذه النهضة اللغوية والثقافية الحديثة والنهضة الأولى للغة العربية وللثقافة العربية في نهاية العصر الجاهلي· ولعل بدايات ما سُمِّىَ بعصر النهضة، المتسمة بالانحلال السياسي والانهيار الاقتصادي والتخلف الاجتماعي، تلتقي مع ما بيّنا من الظروف الموضوعية التي قفزت فيها اللغة العربية فقزتها النوعية الكبرى وحققت تجلياتها الثقافية والفنية الراقية في القرن والنيف السابق على انطلاق الدعوة الإسلامية في شبه الجزيرة العربية· فمن أعماق ظلام الكابوس العثماني الرابض عبر قرون على الأرض العربية بدأت براعم الوعي القومي العربي بالتشكل في بعض الضمائر الحية، وعاد القوم إلى لغتهم يحيون علومها، ويجلون تراثها الثقافي والفني ويبِّون فيها روح الحياة· ونمت حركة الإحياء، وانطلقت نهضة ثقافية مبدعة ومجددة وسمت العصر بأسره بسمة النهضة، وإن لم تتجاوز النهضة فيه الوجه الثقافي· فكما كانت الثقافة العربية القديمة سباقة إلى النهضة وتشكلت في ظل ظروف موضوعية قاسية وترعرعت في أجواء غير مواتية، كانت النهضة العربية الحديثة، أساساً، نهضة لغوية وثقافية في محيط سياسي واقتصادي واجتماعي عربي متخلف· ولا يكفي ما شهده الواقع التاريخي العربي القديم، في وجوهه جميعاً، من نهضة شاملة تحققت في إطار دولة عربية إسلامية كبرى، لا يكفي دليلاً على أن النهضة الشاملة نتيجة حتمية للنهضة الثقافية في كل العصور وفي كل الظروف·

لكن موضوع النهضة العربية الشاملة كان هاجساً أساسياً من هواجس النهضة العربية الثقافية وروادها· ولعل ذلك الهاجس كان من أكبر دوافع إبداع ما يعد متميزاً من النتاج الثقافي في أوجهه المختلفة· وفي مجال الشعر، موضوع بحثنا، شهدت القصيدة العربية في هذا العصر تحولات فنية وبنيوية كبيرة فيما عُرف بحركة الحداثة الشعرية· وقد استعاد الشعر العربي حيويته وحققت القصيدة انطلاقة فنية خطيرة الأهمية بعد قرون انحسار العافية الشعرية· ولا شك أن نقد الشعر المعاصر وإصدار أحكام قيمية فيه، ينطوي على جانب من المجازفة لانتقاء عنصر الزمن الفاصل بين الإبداع والنقد، وهو الذي ينتقى ويصطفي ما يستحق البقاء تراثاً راسخاً للأجيال الآتية كما فعل في كل العصور· غير أن أحد أبرز معايير الانتقاء سيكون ما تنوطوي عليه القصيدة من وعي حاد للواقع وللتاريخ وللتراث، فالشاعر المتميز بامتلاك حس حضاري يقوم على إدراك نافذ للواقع بكل مستوياته، وعلى وعي خاص بالتاريخ في تواصله وتحولاته، وعلى استعياب معمق للتراث الثقافي القومي والإنساني بتجلياته الفنية والفكرية هو الأقدر على الاستمرار والبقاء·

وباستعادة شعريا المعاصر ما افتقده الشعر العربي زمناً من حيوية في عصر الانحطاط، عادت القصيدة العربية إلى مواكبة الحدث التاريخي وإعادة تشكيله في صيغتها الفنية الخاصة· وقد شهدت الساحة العربية في القرن العشرين أحداثاً عظيمة الأثر في حياة الأمة العربية من حروب التحرر الوطني ضد الاستعمار في معظم الأقطار العربية بما فيها الاستيطان الإسرائيلي في فلسطين، إلى الحروب الكبرى التي خاضتها الأمة العربية ضد دولة إسرائيل، إلى حرب المقاومة الفلسطينية، إلى الحروب العربية - العربية والحروب الأهلية في عدد من الدول العربية· وكُتبت قصائد عديدة في تلك الحروب منذ أحمد شوقي إلى ما عُرف بشعر المقاومة في فلسطين المحتلة إلى ما أبدعه الشعراء العرب من قصائد في قضية الانهيارات العربية الداخلية·

ولعل خليل حاوي، أحد أكبر رواد القصيدة الحديثة يقف شامخاً في التجربة الشعرية المعاصرة، ويبرز نتاجه الشعري علامة مضيئة في خريطة الشعر العربي· وقد كانت قضية الإنسان العربي في هذا العصر وأزمة انحطاط الحضارة العربية والتوق إلى تحقق نهضتها محور الرؤيا والتجربة الشعريتين لدى هذا الشاعر الفذ، وقد امتدتا عبر ما يزيد على ثلاثين سنة من الإبداع وضع فيها حاوي أسس بناء شعري عربي راسخ سيظل نتاجه حجر الزاوية فيه· ذلك أنه تميز، بما تحلى به من حدس نافذ وتجربة عميقة وثقافة واسعة بإدراك حتمية ارتباط الفن الشعري بالبناء الحضاري، وفي بعده القومي بالأخص· فتعمق هوية حضارته العربية، ووعي مأساة انحسار حيويتها والتزم موقفاً صريحا وراسخاً حيال ما تواجهه هذه الحضارة من تحديات منذ أكثر من قرن من الزمان، وحيال واقع استجابتها لتلك التحديات، وما يُتشوف إليه لتحقق الصحوة المنشودة، وكان يطمح إلى الإسهام في رسم معالم الانبعاث الحضاري وتحديد ملامح النهضة العربية في عصرنا هذا، حتى يمكن اعتباره بحق ومن غير منازع، الشاعر الحضاري في تاريخنا الثقافي والإبداعي الحديث فلعب في شعرنا الحديث وثقافتنا العربية المعاصرة دوراً موازياً للدور الذي رسخه كل من أبي تمام والمتنبي في تراثنا الشعري القديم - المحدث·

هذا الوعي الحضاري حول الفعل التاريخي عن طبيعته الحديثة السردية، وتحول به إلى آفاق رمزية ودلالات أسطورية تكشف الأبعاد الإنسانية والحضارية للفعل والحدث· فالحرب التي اتخذناها هنا مثالاً لم تعد في شعر حاوي حدثاً، لم تعد نصراً أو هزيمة، لكنها رمزاً للاستجابة القومية للتحديات الحضارية التي تواجه الأمة العربية في هذا العصر، وهي استجابة بها يتقرر مصير الأمة العربية ومستقبل الإنسان العربي في التاريخ، فقصيدته: "الأم الحزينة" التي كتبها بعد حرب حزيران - يونيو 1967، تسود فيها رموز اليباب والموت لتغمر الأرض العربية والكون بأسره، بل إن وجه الله وضميره، علّة الخلق ومسيِّر الوجود ورمز العناية، يتحول نفسه رمزا للجدب والموت في صورة صحراء قاحلة وصامتة كالأرض العربية اليباب·

وتكون المأساة الأساسية هي موت مبدأ الوجود والعلة الأولى من جمود كلي في الكون بأسره· إن الله لن يلقى كلمة الخلق ولن يبعث بالرسالة، ولن يُبعث الإنسان ولن تنهض الحضارة:

ما لوجْهِ الله صحراءٌ

            وصَمتُ يترامَى عَبْرَ صحراءِ الرمالْ

غير أن الشاعر نفسه حي، يتألم للعار الخانق ويتساءل إن كان أحد غيره مازال حياً يتألم، وكأن الشاعر في الأمة هو الرائد يتخطى وعيه وعي الجماعة الراضية بالذل· وتسود صور الموت في القصيدة: فالأيام والليالي المؤرقة سلسلة من الجنازات الصاخبة، والظلام الكلي مسيطر، والعزة العربية التي طالما التمعت في الجباه خمد ألقها، وسقط السيف، رمز الرجولة والبطولة والانتصار، سقط عاجزاً ومحطماً، وغلف الأرض العربية، من المحيط إلى الخليج، دخان فاحم ومتحجر:

ما لثقْل العار!

هلَْ حُمِّلته وحدي

وهل وحدي تُرى كفَّنتُ وجهي بالرمادْ

الجنازاتُ التي يحملها الصبحُ

تدوى في جنازات السهاد·

الجياد انطفأت وانطفأ السيف

وأضواء البروج،

ليس في الأفق سوى دُخنة فحم

من محيط لخليجُ

وتعيد القصيدة صياغة أسطورة الأرض واليباب: يسيطر التنين على الأرض ويعتلى عرشها بعد أن يقتل الملك الصالح، ويحمل الميزان مدعياً إقامة العدل، لكنه يرجح كفة الشر استجابة لطبيعته الشريرة· ويتحول الكون كهفاً ضلت الشمس سبيلها إليه، فيتجمد فيه الزمن كما تجمد في كهف الفتية المؤمنين في "سورة الكهف" في القرآن· لكن صورة الكهف القرآنية كانت رمزاً للموت والانبعاث، بينما يبدو كهف حاوي قبراً متجمداً لن يطاله دفء ونور· لقد أنشب الانين أنيابه في وجه الأم وأدماه، وطعنها الخضر بحربته بدلاً من أن يصوبها إلى التنين فيقتله، فينجو التنين، وتكون الضحية ضحيتين: ضحية العدو الشرير وضحية الابن الذي كان يفترض أن يكون بطلاً مخلصاً· ويغيب مبدأ الوجود والعلة الأولى، ويهرب إلى سماء مجدبة تعاني برود الصحراء وموتها، ويتحجر الدم في عروق الأم، رمز الأرض والأمة والحضارة، صمتاً ولا مبالاة وموتاً:

وما وحوشٌ تدعي الميزان والعرش

وتزهو وتغالي

تدفع الأرض إلى كهف

تضلَّ الشمس عنه، ومصابيحُ الليالي،

ما التماعُ الناب والحربِة

في وجهي المُدمَّى

حسرتي، لحمي، دمي

أرضي التي يمتصُّها كابوس حُمَّى

ما جدارُ الصَّمْت في وجه إلهٍ

يتناءى عَبْرَ الصحراء الأعالي

- في عروق الأم صمتٌ حجريُّ لا يبالى

سعت هذه الدراسة أن تبين من خلال استعراض سريع لمسيرة الشعر العربي المرتبط بالحرب أساساً وتوقف موجز عند بعض الأمثلة الدالة عبر العصور التي مر فيها هذا التراث الشعري إن البنية الشعرية العربية بنية رمزية متميزة عن الواقع ومستقلة عنه استقلالاً نسبيا بمعنى أنها ليست تمثيلاً للواقع ولا محاكاة لإيقاعه، بل هي تجاوز للواقع من قلب ذلك الواقع تبدع زمانها اللغوي الخاص وتعيش إيقاعها الفني الذاتي· فالشعر ليس انفصالاً عن الواقع وهروباً إلى عالم وهمي أو احتماء ببرج عاجي وإلا أصبح هلوسة وسقط في العدمية والصمت، وهي التجربة التي خاضتها الحركة السريالية وانتهت بأصحابها إلى السقوط في العدم الذي ظنوا أن الفن يُخلق منه·

ليس الشعر تسجيلاً للحدث وليس خلقاً من عدم، إنه إعادة تشكيل للعالم في صيغة فنية يحقق فيها الشاعر حلم الإنسانية بالارتقاء إلى مرتبة الخالق المبدع والتحرر من قيود الزمن المادي الخانق ومعانقة الخلود·

 

* الكتب وجهات نظر - العدد السادس يوليو 1999

** ناقدة أدبية من فلسطين

طباعة