بقلم السفير دونالد ستاينبيرغ ولوري زيمرمان*
لا يمكن لإنسان عاش في بلد ابتلتها الألغام الأرضية أن يكون محصناً ضد رعب هذه الأسلحة· على سبيل المثال، في أنغولا التي مزقتها الحرب، يشاهد المرء هناك يومياً الفاجعة الناجمة عن ملايين الألغام الأرضية التي زرعتها زهاء عشرة جيوش على مدى ثلاثة عقود من الحرب هناك· وفي طول أنغولا وعرضها يوجد حوالي 80 ألف إنسان بترت أطرافهم جراء حوادث الألغام الأرضية، ومئات الآلاف من المشردين الذين أرغموا على مغادرة ديارهم وحقولهم الخصبة وملايين الأشخاص الذين يعانون من آثار اقتصادية ونفسية سلبية مختلفة·
وحول العالم، من أفغانستان إلى زيمبابوي، ومن كبموديا إلى كوسوفو، فإن السبعين مليون لغم أرضي المزروعة في حوالي 70 بلداً تمثل تهديداً ليس فقط للأفراد، الذين يعاني 300 ألف منهم من حوادث الألغام بل وكذلك للاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي في البلدان المبتلاة بتفشي الألغام فيها· والألغام هي بمثابة حاجز في وجه السلام والديمقراطية، وتحول دون عودة اللاجئين إلى ديارهم بعد انتهاء الحرب، كما تعيق الانتقال من مرحلة الغوث إلى الانتعاش والتنمية·
وحكومتنا ملتزمة التزاماً راسخاً بإنهاء الأزمة الإنسانية التي سببتها الألغام الأرضية· وهدف "مبادرة الرئيس لنزع الألغام بحلول عام 2010" هو القضاء على ما تشكله الألغام الأرضية من خطر على المدنيين حول العالم بنهاية العقد المقبل·
ونحن نتخذ خطوات أساسية على طريق تحقيق هذا الهدف· فحكومتنا تمول برامج في 28 بلداً تنتشر فيها الألغام انتشاراً كبيراً بغية استئصال أسوأ حقول الألغام فيها من خلال توفير المعدات والدعم االمالي وتدريب العاملين على انتزاع الألغام· وفي الحقيقة، قامت وزارة الدفاع الأمريكية بتدريب حوالي 3 آلاف عامل في مجال نزع الألغام الإنساني في جميع أنحاء العالم، أي حوالي ثلث العاملين في هذا الميدان· كما نتعاون مع صندوق الطفولة العالمي (يونيسيف) وغيره من منظمات بشأن برامج توعية حول الألغام لمساعدة الأطفال ووالديهم في التعرف على هذه الأسلحة وتفاديها· ونجري أيضاً أبحاثاً واسعة في تكنولوجيات جديدة لنزع الألغام· وبرعاية "صندوق ليهي لضحايا الحرب" التابع للوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، نعكف حالياً على تمويل أعمال جماعات خاصة لمساعدة الناجين من حوادث الألغام بتزويدهم بأطراف صناعية، وإعادة التأهيل وببرامج لإعادة الاندماج في المجتمع·
وخالصة القول إننا أنفقنا 250 مليون دولار على هذه البرامج وبرامج مشابهة لها خلال السنوات الخمس الماضية، كما أننا سنزيد إنفاقنا ليصل إلى أكثر من 100 مليون دولار في 1999·
وعلى الرغم من جسامة هذا التحدي، فإن وضع الألغام ليس ميؤوساً منه بالقدر الذي يتراءى للمرء في كثير من الأحيان· فبالعمل مع الأمم المتحدة وغيرها من جهات مانحة أجنبية، خفضت كمبوديا، مثلاً، معدل حوادث الألغام بنسبة 90 في المئة منذ 1992· وفي أفغانستان، استعادت أرض تقدر مساحتها بعشرات الآلاف من الهكتارات كانت مزورعة بالألغام نشاطها الزراعي، مما أتاح لآلاف النازحين أن يعودوا إلى ديارهم· وهناك أنباء سارة من لاوس وناميبيا ورواندا وغيرها·
ولكي نحقق نجاحات أخرى، فإننا نعمل مع الأمم المتحدة ومن ضمنها برنامج خدمة العمل الخاص بالألغام· وبرنامج التنمية، ويونيسيف ومنظمات غير حكومية، وجهات مانحة أجنبية غير الأمم المتحدة، وأهم من هذه الدول التي تأثرت بفعل الألغام· ويقوم أمريكيون بصفتهم الخاصة بدورهم كذلك،إذ يسهمون بمواهبهم الخلاقة وبمواردهم في إقامة شراكات مبدعة·
إضافة إلى ذلك فإن أفضل المواهب العلمية في جميع أنحاء الولايات والعالم تسعى إلى استنباط أساليب أفضل لاكتشاف الألغام وإزالتها· ويتعاون "مختبر النظر الليلي "التابع لوزارة الدفاع ووكالة مشاريع الأبحاث الدفاعية المتقدمة و15 جامعة في البلاد في القيام بأبحاث حول تكنولوجيات واعدة، وفي كثير من الأحيان يقومون بتطبيق تكنولوجيات عصر الفضاء مثل تلك التي تستخدم لاكتشاف الحياة في المريخ وحماية الحياة على الأرض·
من المؤسف أن هذه الجهود تحجبها أحياناً حقيقة أن الولايات المتحدة لم تتوقع معاهدة أوتاوا· وحكومتنا ترحب بالالتزام العالمي بحل الأزمة الإنسانية التي تسببها الألغام الأرضية المضادة للأفراد، لكننا لم نوقع علي معاهدة أوتاوا بسبب قلق الرئيس على سلامة عسكريينا وبسبب مسؤولياتنا الفريدة حول العالم دعماً لأصدقائنا وحلفائنا، بما في ذلك الدفاع عن كوريا الجنوبية·
وفي المفاوضات حول المعاهدة، سعينا إلى إدخال تعديلين كانا سيجيزان لنا أن نوقع على المعاهدة· أولاً: طلبنا فترة انتقالية كافية تمهلنا أن نحدد ونتدارس البدائل للألغام الأرضية الضرورية لحماية القوات الأمريكية· ثانياً: طلبنا بنداً يجيز مواصلة استخدام أنظمتنا المضادة للدبابات والمدمرة ذاتياً والمعطلة ذاتياً التي تصنفها المعاهدة على أنها ألغام مضادة للأفراد مع أنها لا تسهم بتاتاً في الأزمة الإنسانية· وللأسف أن هذين التعديلين لم يقبلا·
مع كل هذا، ستوقع الولايات المتحدة على المعاهدة بحلول 2006 شرط أن نتمكن من تحديد ودراسة بدائل مناسبة لألغامنا المضادة للأفراد وأنظمتنا المضادة للدبابات بحلول هذا الموعد· وفي حين لا توجد ضمانات بأننا سنفي بهذا الهدف بحلول 2006 فإننا نتابع دراسة هذه البدائل بصورة فعالة·
في غضون ذلك قمنا بإتلاف 3.3 ملايين لغم مضاد للأفراد· وسننهي استخدام هذه الألغام خارج جمهورية كوريا بحلول 2003· وفي 1997 حظر الرئيس حظراً دائماً تصدير أو انتقال الألغام المضادة، للأفراد، ونحن نسعى إلى جعل هذا الحظر عالمي النطاق خلال مؤتمر نزع السلاح المتعدد الأطراف في جنيف· ويسرنا أن مجلس الشيوخ أبرم مؤخراً بروتوكول الألغام المعدل الملحق بمعاهدة الأسلحة التقليدية الذي يفرض قيوداً أساسية على استخدام الألغام الأرضية الذي حظي بموافقة بلدان مهمة منتجة ومصدرة للألغام المضادة للأفراد التي لم توقع بعد على معاهدة أوتاوا·
وإلى جانب جهودنا لنزع الألغام الإنساني فإن هذه الخطوات تمثل نهجاً براغماتيا وجدياً تجاه الألغام الأرضية· وبإمكاننا بالعمل مع الحكومات والوكالات الدولية والمنظمات غير الحكومية والمواطنين بصفتهم الخاصة أن نحقق هدف إزالة تهديد الألغام الأرضية للمدنيين في العالم قاطبة بحلول عام 2010· فإن أطفال الألفية الجديدة يستحقون أقل تقدير السير على الأرض من دون خوف·
*السفير ستاينبيرغ هو الممثل الخاص لرئيس الجمهورية ووزيرة الخارجية لشؤون نزع الألغام الإنساني· وتعمل زيمرمان في مكتب نزع الألغام الإنساني التابع لمكتب الرئيس·