· خارج الهيمنة الأيديولوجية ويفتح نوافذه لكل التيارات
· تدور لقاءاته الأسبوعية في ديوانيات أعضائه
· استضاف عدداً كبيراً من رموز الثقافة السورية والعربية
· يشارك فيه الكبار والشباب من الجنسين وعضويته غير ملزمة
تحقيق أعده:
محمد رضوان، رياض دويعر، "المحرر الثقافي":
على الرغم من ذاتية الأديب وفردانيته إلا أنه يظل بحاجة الى الآخرين، لأن التواصل الثقافي محرّض فكري وفني لا يمكن إغفاله· والفعاليات الثقافية حاجة حقيقية للمجتمع لأنها توظف الثقافة توظيفا صحيحا وتوجهها في الوجهة المعبّرة عن تطلعات الجماعة، في زمن أصبحت فيه الثقافة الحصن الأخير لأمة بدأت تلقي أسلحتها وراياتها ولافتاتها أمام عجلات قطار "العولمة"، وصنم "السلام" الذي بدأ يشاد من حجارة لا نعلم إن كانت تسرق من جدران بيوتنا أم من شاهدات قبورنا·
وفي سورية كانت ظاهرة "التجمعات الأدبية" بأشكالها المختلفة: ملتقيات، صالونات، أسبوعيات، روابط··· مألوفة منذ عقود سابقة في هذا القرن، غير أن أحدا منها لم يكتب له الاستمرار لأسباب ذاتية وموضوعية، ما عدا تجمعا واحدا ما زال مستمرا منذ نحو ستة عشر عاما في مدينة "السويداء"، مما يجعله ظاهرة تستحق الوقوف عندها، وتجربة جديرة بالدراسة والاقتداء· وقد كانت "الطليعة" ضيفا على هذا التجمع في ثلاث سهرات صيفية منعشة·
التأسيس·· والتسمية
في ربيع عام 1983 بادر عدد من المثقفين وأدباء المحافظة بإنشاء ملتقى ثقافي، وذلك لأسباب كثيرة، إلا أن الدافع المباشر لذلك كان صدور عدد خاص من مجلة "الثقافة" السورية عن الحركة الأدبية في محافظة السويداء أثار امتعاض الأوساط الثقافية السويدائية، فقد جاء هذا الملف سطحيا ودعائيا لا يعبّر عن الحركة الثقافية في المحافظة، بل كان عددا تجميعيا، وشمل في معظمه مادة لا علاقة لها بالأدب والفن أو الثقافة بصورة عامة، باستثناء عدد من الأسماء، فتنادى عدد من الأدباء والمثقفين لتأسيس ما يشبه ناديا ثقافيا يلتقون فيه كل أسبوع، ولم يكن هذا النادي يمتلك مكانا محددا له، ولذا تقرر أن تكون لقاءاته دورية في مضافات "ديوانيات" أعضائه·
وفي العام 1985، وفي حفل تأبين الشاعر الراحل حماد الشعراني، أطلق الأديب سعيد أبو الحسن على هذا النادي اسم "التجمع الأدبي" وغدت تسمية رسمية عرف بها منذ ذلك الحين·
حماسة في النشاط
بدأ "التجمع الأدبي" نشاطه الثقافي على درجة عالية من الحماسة في لقاءاته الأسبوعية، وتمثل هذا النشاط في عقد الندوات الأدبية والفكرية المتنوعة، وإقامة الأمسيات الشعرية والقصصية واستضافة عدد من كبار الأدباء السوريين والعرب من شعراء وقصاصين ونقاد، حتى ذاع صيت التجمع الأدبي في كل أنحاء البلاد، وكتبت عنه الصحف السورية وعدّته ظاهرة فريدة من نوعها، وقد وصفه الشاعر شوقي بغدادي بأنه "كالهواء النقي الذي يشرح صدر الأدباء والشعراء، ويكشف لهم وأمامهم ما خفي من أوراقهم··· إنهم يوضعون في مواجهة صعبة أمام الفن الرفيع والكلمة الصادقة الجريئة والرأي الحر العميق"·
ضيوف "التجمع الأدبي"
ومن بين الأسماء الثقافية التي استضافها التجمع الأدبي الشاعر شوقي بغدادي، والناقد يوسف سامي اليوسف، والشاعر المهجري زكي قنصل، والناقد الدكتور عبدالرزاق عيد، والشاعر محمد عمران، والفنان علي فرزات، والشاعر العراقي عبدالكريم قاصد، والشاعر علي كنعان، وبندر عبدالحميد، والأدباء البحرانيون عبدالله خليفة وفوزية رشيد وحمدة خميس، وغيرهم من الأدباء والشعراء والفنانين التشكيليين، كما استضاف "التجمع الأدبي" البرنامج الثقافي "كاتب وموقف" الذي يعده ويقدمه في الإذاعة عبدالرحمن الحلبي·
التجمع··· والأدباء الشباب
ومن النشاطات البارزة التي يقوم بها "التجمع الأدبي" استضافة الأدباء الشباب ومناقشة أعمالهم، مما يسهم في صقل مواهبهم وتنميتها وتطويرها، كما أنه يناقش على الدوام كل عمل أدبي جديد يصدر لأحد أدباء المحافظة في حضوره غالبا، ونادرا في غيابه، وفي الأحوال العادية يمكن أن يناقش نصوصا مختارة لأي مساهم، أو يناقش محاضرة ثقافية تتناول قضية متفقا عليها من قبل· ويمكن أن تكون المادة المقروءة مقتصرة على محاضر واحد أو أكثر بحسب الظروف·
الأعضاء··· وحدة التنوع
لا يمكن حصر عدد أعضاء "التجمع الأدبي" لأنهم دائمو التجدد، ولا سيما أن التجمع يتعامل مع أعضائه بمرونة تامة في مسألة الحضور والانتساب إليه، ومع ذلك فإن هناك ما يشبه اللجنة التنسيقية تتولى مهمة إخطار الأعضاء أو الاتصال بالفعاليات الثقافية في المحافظة أو في القطر· وكثيرا ما يشارك في سهرات التجمع أشخاص من خارج التجمع، كما أن بعض الكتّاب يطلب المشاركة ويتردد على سهرات التجمع بين الحين والآخر·
أما أعضاء "التجمع الأدبي" فإنهم مختلفون في مشاربهم وصفاتهم واهتماماتهم، فمنهم الشاعر والكاتب والقاص والناقد والمثقف والأكاديمي والمهتم بالثقافة، كما أنهم ينتمون الى تيارات فكرية وسياسية وثقافية مختلفة· ولا يشترط في "التجمع" السن، إذ يشارك فيه الشاب الى جانب الكهل الى جانب العجوز، مما يخلق جوا من التفاعل الثقافي بين الأجيال، وتبادل الخبرات والتجارب الفنية والفكرية، بالإضافة الى مشاركة المرأة الفعالة في نشاطاته·
الانتشار·· ريفياً
ولا تقتصر سهرات "التجمع" على مدينة "السويداء" وإنما يمكن أن تقام في أية قرية أيضا، لا سيما أنه حقق انتشارا خارج المدينة، ويشارك فيه مثقفون من قرى وبلدات تابعة للمحافظة، بالإضافة الى مشاركات ثقافية بين الحين والآخر من المحافظات السورية الأخرى·
جدول الأعمال
يعقد "التجمع الأدبي" لقاءه الأسبوعي مساء يوم الأربعاء في منزل أحد أعضائه يتم تحديده في اللقاء السابق، ويراعي الأعضاء التزام الموعد، وعندما يحين الموعد في الساعة المحددة، يُنتخب أحد الحاضرين مديرا للقاء، ويمنح صلاحيات كافية لإدارة الجلسة، بحيث يوزع أوراقا على الحاضرين لتدوين الملاحظات، بعد ذلك يعلن بدء اللقاء رسميا فيلقي المحاضر محاضرته المكتوبة، ثم تبدأ المناقشات المنظمة بإشراف مدير الجلسة· وفي وقت مناسب يعطي المدير استراحة لتناول الشاي والتدخين في الخارج، لأن التدخين ممنوع في المكان المغلق· وبعد دقائق يستمر اللقاء من جديد الى وقت محدد، فلا يتعدى اللقاء ساعتين إلا في الظروف الخاصة، وبعد أن يعلن مدير الجلسة نهاية اللقاء، يمكن أن تنتهي السهرة أو تستمر دونما قيود، وتعد عند ذلك سهرة عادية خارج نشاط "التجمع"·
وفي الجلسات يدوّن المدير في سجل خاص الملاحظات والمناقشات تحت عنوان المحاضرة·
خارج الأطر
التجمع الأدبي خارج الهيمنة الحزبية والأيديولوجية على الإطلاق، يفتح أبوابه ونوافذه لكل التيارات والمذاهب الفكرية والثقافية عبر علاقة رفيعة المستوى الفني والجماعي، ولعل هذا الأمر هو السبب الرئيسي في بقاء "التجمع الأدبي" واستمراره، أضف الى ذلك المناخ الديمقراطي الحر النبيل الذي يسود لقاءاته، وغياب المجاملات والمحاباة لأي كان، والشعور بالمسؤولية الكبيرة نحو الأدب والفن، الى جانب الاحترام المتبادل بين الجميع، وحق الاختلاف في الرأي، وصدق التعامل بين رواده ومريديه·
من ناحية أخرى، لم يقيد "التجمع الأدبي" نفسه بشكل تنظيمي أو قوانين صارمة، وإنما ترك الرغبة والإرادة تحددان مساره وتعملان على استمراره، ولذلك كان الدخول الى "التجمع الأدبي" أو الخروج منه مسألة ذاتية خاضعة للظروف الخاصة· والعضو ليس ملزما بأية فكرة أو ممارسة، مما يجعل الأفكار والمواقف تتبلور بهدوء عبر الحوار والتلاقح والصراع والتفاعل والجدل بصورة طبيعية تلقائية·
استقلالية إيجابية
ويحرص "التجمع الأدبي" على استقلاليته عن "اتحاد الكتاب" دونما تعارض فيما بينهما، فلكل من الجانبين نشاطه وطبيعته، وكثير من أعضاء التجمع أعضاء في "اتحاد الكتّاب"، كما أن التجمع يكون دائما في مقدمة المشجعين لأي نشاط يقوم به "الاتحاد" في المحافظة، ولذلك لا نجد أي مشكلة أو حساسية بين "اتحاد الكتّاب" و"التجمع"، ولا تطرح أبدا قضية "البديل"، وذلك لأن "الاتحاد" تنظيم نقابي شامل، أما "التجمع" فإنه نشاط ميداني خاص ليس له أية صفة تنظيمية·
مرونة··· وتدفق
بهذه المرونة والانفتاح والديمقراطية والتلقائية استمر "التجمع الأدبي" بلقاءاته الأسبوعية التي لم تنقطع تقريبا منذ تأسيسه، وهي لقاءات تضم أعدادا متفاوتة، فمن بضعة عشر مشاركا الى عشرات المشاركين بحسب الظروف الخاصة للأعضاء، وبعضهم رافق رحلة التجمع منذ البدء وحتى الآن، وبعضهم الآخر انقطع عنه لسنوات وعاد إليه، وما زال شلاله يتدفق ويروي عروق الوقت في محافظة صغيرة، ويجعل من الثقافة هما جميلا ودائبا، وحديثا مؤنسا وممتعا وشعبيا·
لقد أثبت "التجمع الأدبي" أهمية دوره حين غدا المعبّر الحقيقي عن نبض الثقافة في المحافظة، والرئة التي تتنفس منها والنافذة التي تستقبل أنسام الآخرين، إضافة الى الفعاليات الثقافية الأخرى الناشطة أيضا، كالمركز الثقافي وفرع اتحاد الكتاب وتجمعات أدبية تظهر بين الحين والحين· ونطمئن الى القول إن تجربة "التجمع الأدبي" جديرة بالاقتداء لتظل الثقافة أجمل فعالية إنسانية وأكثرها فائدة·