قبل نحو أسبوعين، مساء يوم جمعة، وقفت امرأة فلسطينية شابة قرب مدخل الحرم الإبراهيمي في مدينة الخليل· كانت عيناها حمراوين منتفختين ووجهما يحمل علائم الإحباط والمرارة ثم ترددت بين تقدم وتراجع نحو الحرم· وبعد نحو ساعة، راود الشك الجنود الإسرائيليين الحراس فسألوها عما جاءت تفعل· ولم يعرف كيف أجابت· لكن استنادا الى إحدى الروايات، قالت إنها جاءت لتقتل الجنود، في حين تفيد رواية أخرى أنها جاءت تطالب بحقوقها·
في أي حال، أظهر التفتيش أنها كانت تحمل سكينا من نوع ما يحمله رجال الكوماندوس· وعندما حققت معها الشرطة الإسرائيلية، أفادت أنها اشترت السكين خصيصا للقيام بهذا التصرف الغريب· ثم أوقفت زهور الأطرش· وبعد ما قضت أسبوعا في سجن كيشون نقلت الى محكمة ادؤاريم العسكرية لمحاكمتها بتهمة التخطيط للقتل وحمل سكين·
كانت شدة التهمتين توحي بأن هذه المرأة ستقضي مدة طويلة في السجن· وعشية جنوح غير متوقع نحو الإنسانية من القاضي نيتانيل بينيشو والمدعي العسكري دانييل كوهين، أطلقت المحكمة هذه المرأة ولم تحكم عليها بغير عقوبة معلقة لحملها سكينا· فقد نجحت محاميتها ليا تسيميل في إقناع المحكمة بأن القضية كانت استثنائية وغير عادية· وفي نهاية الأسبوع احتفلت العائلة بإطلاقها في المنزل·
لكن أي منزل؟ إنه مجرد خيمة· فعائلة الأطرش المؤلفة من أب وأم وعشرة أطفال تقيم منذ سنتين في خيمة، ذلك أن الإدارة المدنية الإسرائيلية للأراضي المحتلة هدمت منزلها ثلاث مرات (بحجة بنائه من دون ترخيص) وكانت "هآرتس" كتبت عن هذه العائلة، التي بنت رغم معاناتها الاقتصادية وغياب أي بديل آخر، منزلها على أراض تملكها، لكن الجيش الإسرائيلي كان يأتي في كل مرة ليدمره، حتى أصيبت بيأس·
قبل ثمانية عشر شهرا رأيت الجنود الإسرائيليين يضربون أفراد العائلة بقساوة لاسيما النساء منها، عندما حاولت منع أفراد الإدارة المدنية من توقيف خلاطة اسمنت صغيرة· وقد رأى الأطفال والديهم يتعرضان للضرب، ورأى الوالدان منزلهما ينهار مرة بعد مرة· والآن، أخذت إمارات الانهيار النفسي تظهر على أفراد هذه العائلة·
في الأشهر القليلة الماضية، عندما استطاعت العائلة أن تتحمل صيفا حارا آخر، أخذت علائم الانهيار تظهر على الوالد يوسف· فهذا الأخير الذي رأيته يحاول تهدئة روع زوجته بعدما جرها الجنود الإسرائيليون على الأرض وضربوها ورجلاها تنزفان دما، صار الآن أكثر استثارة بل لا يتورع عن ضرب زوجته· وقبل فترة غير طويلة أخبرها أنه يريد زوجة ثانية وأنه يريد أن يحرمها (زوجته الحالية) من ملكية مشتركة لهما·
وبفعل الخلافات العائلية، تأجل زواج ابنتهما منال من بدوي إسرائيلي· ففي مثل هذه الظروف الداخلية المتوترة أثناء العيش سنتين تحت خيمة صيفا وشتاء، يمكن أن تكون عواقب المجابهات مع الجنود وأفراد الإدارة المدنية والتدمير المتكرر للمنزل مدمرة· وبعد تقويضه ثلاث مرات، صارت هذه العائلة مهددة بأفظع كارثة، إنها التفكك·
ربما ينظر البعض الى هذه القضية باعتبارها مسألة خاصة لا تهم الناس· وحتى إن كانت إسرائيل مسؤولة عن هذا الوضع فإن كثيرا من الإسرائيليين لا يبالون به باعتبار أن بيتا مبنيا (على أرض فلسطينية) من دون رخصة (إسرائيلية) يجب تدميره· بل إن اللامبالاة تمتد الى ما يفوق ذلك· ففي الأراضي المحتلة تزدهر المستوطنات غير الشرعية في حين أن كثيرا من الفلسطينيين لا يستطيعون بناء منازلهم على أراضيهم نفسها· ولا أحد يبالي·
ثم ظهرت سكين زهور الأطرش· فربما كانت المرأة لا تنوي استعمالها، وربما كانت تريد· لكن هناك شيئا واضحا في أي حال، فقد زرعت إسرائيل في نفوس هذه المرأة وجميع أفراد عائلتها بذور الحقد والقنوط· والمأزق الأخير هو فقدان أي أمل· وهكذا لم تجد زهور أي شيء تخسره عندما اشترت السكين· ومثل هذه المشاعر تولد في نفوس الفلسطينيين الأحقاد نفسها كل يوم·
ولو أن إسرائيل لم تعذب بوحشية هذه العائلة، التي يبدو أنها لن تكون أفضل في أحوال مغايرة، لبقيت عائلة هادئة متحابة، ولبقي يوسف يعمل في معمل أحذية في الخليل، ولكرست زهور نفسها لتربية أطفالها ولاستطاعت ابنتها منال (الكبرى) أن تساعدها·
لكن إسرائيل دفعت هذه العائلة الى زاوية اليأس، عندما لم تجد الأم أية وسيلة أخرى للفت الانتباه الى محنتها أو لطلب المساعدة أو ربما للثأر ممن دمروا لها بيتها والعائلة، بغير حمل هذه السكين·
جدعون ليفي
"هآرتس"