رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 6-12 جمادى الآخرة 1420هـ - 15-21 سبتمبر 1999
العدد 1394

بحث في التباس المفهوم والأدوات الفنية
الدراما والملحمة... الأفعال والكلمات

·       أسس الدراما إنجاز كبير للفكر  الجمالي في المئة سنة الماضية

·         الدراما محرومة من الخاصة الشمولية للملحمة·· وتعوضها بالقيمة الجمالية

·         الكاتب المسرحي يتوصل إلى التأثير الفني الذي لا يتاح للكاتب الروائي

 

تأليف: أ· خلا زييف

ترجمة غسان الجباعي*

إن الأعمال التي أضاءت مسائل الدراما وقوانينها كثيرة جداً: أعمال قديمة وحديثة· وطنية واجنبية· ولا يوجد - حسب اعتقادي - شكل فني آخر كتب عنه هكذا كما كتب عن الدراما· وبالإضافة إلى ذلك - وعلى امتداد سلسلة العصور - من اليونان وحتى القرن التاسع عشر - فقد طرحت علوم الدراما على أساس أنها نوع من قواعد اللغة الجمالية وقواعد مختلف الفنون بشكل عام· ونظر إلى الدراما والمسرح - في أغلب الأحيان - كتجسيد كامل للقدرات الإبداعية·

 

أسس الدراما

 

نعلم أن الجمال الأرسطي - كما هو معروف - يعتبر بشكل رئيس مذهباً للتراجيديا الإغريقية - وهي أصلاً نوع من أنواع الدراما· وفي العصر الكلاسيكي أيضاً دُفعت مسائل التأليف الدرامي إلى المقام الأول - ولم تكن شعبية قانون الوحدات الثلاث بلا مبرر - وفي عصر التنوير كانت قوانين الفن إلى حد كبير هي قوانين علم جمال المسرح·· وأخيراً فإن منهج هيجل الجمالي كان محاطاً بأفكار الفن الدرامي· ففي مجلده الأول "محاضرات في علم الجمال" أفرد اهتماماً كبيراً" لمسألة الصراع والفعل وختم مجلده الثالث بالدراما التي يعتبرها تتويجاً للشعر - وهو الكمال في الفن - على رأي الفيلسوف·

أما أسس الدراما في المئة سنة الماضية فهي إنجاز كبير للفكر الجمالي· إنها مهمة وثمينة للمختصين المعاصرين في مجالات الأدب والمسرح - مهما كانت المشكلة التي يعملون على حلها·

وإلى جانب ذلك فإننا نجد أن عدداً كبيراً من القواعد الكلاسيكية قد أصبح عتيقاً - وهذا أمر طبيعي - فقواعد المئة سنة الماضية بنيت أساساً على الخبرة المحلية (بشكل رئيسي قوانين التراجيديا اليونانية ودراما عصر النهضة) وأحكامها كثيراً ما تخالف التطور اللاحق للفنون، حيث نجد أن كثيراً من المعارف الكلامية الجمالية والمسرحية - التي صاغها العلم الحديث - لم تمتلك منهجاً بعد· وبذلك أصبحت هذه القواعد الكلاسيكية هي معيارها (نهج للقيادة والتوجيه) الذي كبّل إلى حد كبير الإبداع لدى الكتاب·

 

الفن المعاصر

 

أما الفن في أيامنا - بما في ذلك فن الدراما المسرحي - فهو يأمل - ليس في سن قوانين جديدة، وإنما بالعكس: الانعتاق من كل العقائد الجامدة قدر الإمكان، لأن بعضها تحول مع الزمن إلى سلطة صارمة: (المطالبة بالانعكاس الخارجي المحتمل، حتمية وحدة الفعل المبنية على الصراع بين الشخصيات والمنتهية بانتهاء الصراع، أولوية الكلمات في النص المسرحي· وضع سلم للترقيات بين العاملين على خشبة المسرح والكاتب المسرحي، عدم السماح بالتعليق الروائي - الشعري على الحوارات الحديثة بين الشخصيات··· وما شابه ذلك) ولهذا لابد من النظر في قواعد دراما المئة سنة الماضية على أساس نقد· والتوضيح أن بعض هذه القوانين قد أصبح قديماً وبعضها طبعاً لا ريب فيه، ولا يقبل الجدل· هذا أولاً·

 

آثار سلبية

 

والآن لنتحدث في شيء آخر· إن الحالة المتميزة والمكانة التي احتلتها الدراما في علم الجمال جعلت لتعاليمها بعض الآثار السلبية· ففي الأعمال النظرية تصدرت في المقام الأول الملامح والأسس الخاصة - ليس بالدراما فقط - وإنما بالأعمال الملحمية والبانتوميم (التمثيل الصامت) تصوير الطباع، النموذج، الصراع، الموضوع، التكوين الزماني··· وتحديداً تلك الملامح الخاصة أيضاً بالدراما، التي نظر إليها بدقة أقل· فمنذ أفلاطون وأرسطو وحتى الآن دخلت في مجال الفن الدرامي، وبشكل رئيسي، مسائل فنية عامة (مفاهيم) مثل: التطهير، التراجيدي والكوميدي، الذاتي والموضوعي - النموذجي، الصراعات وغيرها··· ولذلك بقيت الخواص النادرة - التي لا تتكرر - للعمل الدرامي - غير واضحة حتى تاريخنا هذا·

وبالنظر إلى خواص النشاط الدراسي لابد من أن نحدد أولاً وقبل كل شيء - المعاني الأساسية لهذا المصطلح: الدراما· فبهذه الكلمة - كما نعلم جميعاً - يمكن أن نحدد معاني مختلفة:

فالدائرة المحددة من مظاهر الواقع يطلق عليها "دراما حياتية"·

ويطلق أيضاً على أحد فنون الأدب الدرامية "الدراما ضيقة الأفق" في القرن الثامن عشر أو "دراما البورجوازية الصغيرة"·

ويطلق أيضاً على أحد الأجناس القائدة للفن المسرحي "المسرح الدرامي" الذي يوحد بين الكلمة والإشارة في فن الممثل·

وهذا المعنى الثالث لكلمة دراما أصبح مهماً بالنسبة إلى "فاغنر"· ففي عمله المشهور "الدراما والأوبرا" يعرفها بأنها شكل فني مركب يتواجد في كل أنواع الفنون·

وأهم التسميات (بعد الأطروحات الفاغنرية الألمانية) هي "الدراما مقابل الشعري" أي النظر إلى الدراما كشكل مركب خارج دائرة الفن الكلامي·

 

الدراما والأدب

 

ومن الصفات المميزة لعدد كبير من النقاد والكتاب والمنظرين السوفييت أنهم في حديثهم عن الدراما إنما يتصدون - ليس بالنص الفني اللغوي - الذي يمكن أن يخرجه مخرج ويجسده ممثلون على الخشبة - وإنما يتصدون العرض المسرحي بحد ذاته· وعلى هذا الأساس فالدراما تُحدد كتركيب (فن كلامي مع فن إيمائي - بانتوميم) تماماً كالعمل الفني الروائي حيث  تصاغ الشخصية ليس بواسطة الكلمات فقط وإنما بمساعدة الوسائل الفنية الأخرى التي تنتمي إلى نوع آخر من الفنون·

إن مثل هذه الأحكام التي تخرج الدراما من دائرة الأدب· إنما تقوم أو تعمل على تذويبها في الفن المسرحي· إن كلمة دراما تعني نوعاً من أنواع الأدب (جنباً إلى جنب مع الرواية والشعر الغنائي) نوعاً من أنواع الفن الكلامي (قرض الشعر) المخصص للمسرح - التمثيل هكذا نظر إلى الدراما منذ أفلاطون وأرسطو·

 

الدراما والقص

 

والآن سنتوقف بتفصيل أكبر عند ما نعتبره أكثر أهمية لنا، وله قيمة مبدئية كمصطلح من الناحيتين العلمية والتاريخية:

إن المؤلفات الدرامية (المؤلفات الملحمية وكذلك العروض المسرحية وأغلب الأفلام السينمائية···) هي ذات محاور·· يعاد فيها إنتاج الأحداث الجارية في الزمان والمكان وتُرسم فيها التطورات المرتبطة بالأفعال المتبادلة بين الذات والظواهر المحيطة بها· ويوجد سببان لتجسيد الموضوع الدرامي بواسطة الكلمات: أولاً رواية الماضي المنصرم الذي يستعاد من الخارج "من الجانب" وثانياً: لغة الشخصيات الدرامية التي تعتبر أفعالاً بذاتها لهذه الشخصيات تصور الحالة التي هم فيها "من الداخل"·

إن العلاقة بين هذين الفنين الكلاميين الداخلي والخارجي - هي التي تحدد خصائص النوع الأدبي (ملحمي - درامي) أي باختصار "الملحمة" أو "الدراما"·

ففي الملحمة يتفاعل القص ولغة الشخصيات بدون تكلف وبحرية··· القص هنا يصبح إما مكتفياً بذاته من ناحية الزمن، المونولوجات، والديالوجات - المزاحة بواسطة الشخصيات أو أن تتشرب بأرواح الشخصيات، وبلغة غير خاصة - أي مباشرة·

إما أن يحجب بوح الأبطال، وإما أن ينقاد إلى الحد الأدنى أو يختفي بعض الوقت كي "يفسح المجال" للمنولوج والديالوج· ولكنه - أي القص - بهذه الطريقة أو تلك يسود في العمل الملحمي موطداً وحدته ومنظماً ذاته كشيء كامل، مثبتاً كل ما هو مصور فيه··· القص إذاً حر في التوجه من أي مكان معروض أو زمان· لا يمكن أن يكون محدداً بمقاسات النص· والشيء الأهم هو أن القص حر في استخدام مخزن الوسائل الأدبية بحجمه الكامل "تعميم توصيفات المؤلف، المونولوج الديالوج بما في ذلك الداخلي، بصور الشخصية، المناظر الطبيعية، المظهر الخارجي والداخلي للأمكنة··· الخ، وبالإضافة إلى ذلك يمكن للعمل الملحمي أن يتضمن تلك الكمية الهائلة من الطبائع والظروف والأحداث والمصائر والتفاصيل التي لا يستطيع أي نوع من أنواع الأدب أن يتوصل إليها أو يحتويها، ولا أي نوع من أنواع الفن أيضاً· وهذا ما أعطى الشكل القصصي/ الروائي القدرة على الغوص العميق في عالم الإنسان الداخلي· الغوص في ما يكفي من الطبائع المتنوعة، الصعبة، التي تظهر غير قليل من الملامح والخصائص غير المكتملة، المتناقضة، الواقعة في حالة حركة وتوقف وتطور·· ولا توجد (لا في مجال الفن الكلامي ولا خارجه) تلك المجموعة من المؤلفات الفنية التي استطاعت أن تتسرب في الوقت ذاته إلى رحابة حياة الناس وأعماق وعيهم - كما فعلت الرواية/ الملحمة (إمكانيات إدراكية لا حدود لها) هذا هو ما يميز الملحمة كنوع من أنواع الأدب·

 

الدراما... الملحمة

 

أما تلك التوصيفات "المحدودة" لمضمون العمل الملحمي - على أساس أن الملحمة تعتبر انعكاساً "لسيادة الفعل على الإنسان - في علم جمال القرن التاسع عشر" أو محاكمتها بتهمة "السخاء" من خلال علاقتها بالإنسان "في النقد الأدبي المعاصر" فكل ذلك كان بلا أساس·

الدراما شيء آخر· ذلك النص المصنوع من أجل إلقائه بواسطة الممثلين على خشبة المسرح·· الدراما محرومة من الخاصة الشمولية للملحمة· ولذلك فقيمتها الجمالية لا تقدر بثمن وذلك نتيجة احتشادها في حلقة محكمة من المهام الفنية الإدراكية··· الأعمال الدرامية محاطة - قبل كل شيء - بمجالها الذي تتطلبه شروط الفن المسرحي·

إنها تسقط من حسابها إمكانية توصيفات المؤلف (توضيحات تدخلات) وكذلك الصور الشخصية لأبطالها، المناظر الطبيعية "وليس الديكور"، تحديد عالم الأشياء العينية·

إن إعادة إنتاج اللغة الداخلية تتم فقط ضمن المعيار الذي يعتبر: أن كل شيء مخزون داخل الكلمة المنطوقة بواسطة الشخصية ومن خلال الفعل· ولذلك "التناسب" يميل بشكل حاد لصالح الملحمة إذا ما قارنا بين الأفعال القصّية واللغوية لأبطال الدراما مع الملحمة· اللغة الروائية في الملحمة تقدم ذاتها كما لو أنها شكل هابط·

أما في الدراما فاللغة الروائية غير مدعوة لتحقيق مهمة منظمة ومحددة· السائد طبعاً ومبدئياً أن لغة القص - في نص العمل المسرحي - تعتبر مستمرة في "خط متصل" لفعل الشخصيات الكلامي (حسب تعبير ستانسلافسكي الشهير) ولذلك تتجسد في الدراما شبكة اتصال النشاط الكلامي متشعبة إلى حدها الأقصى· فالبوح هو قبل كل شيء فعل كلامي مرتبط بمعرفة الإنسان لوضعه في الحالة المعطاة· الملاحظات الموضوعية بين قوسين - والمتعلقة بالشخصيات - في المؤلفات الدرامية تستجيب لتطورات الحدث، وتؤثر في مساره اللاحق·

في الدراما "حوامل اللغة" تكون دائماً خارج الشيء المصور· لغة النص المحدد في العمل الدرامي - تعبر عن ذاتها - بنفس الوقت - كشكل لإعادة خلق الحدث·· الحامل المادي للاستفادة المجازية أي "اللغة الفنية" في الدراما - يتطابق "بشكل تام" مع المادة المعكوسة، وأفعال الناس الكلامية· هنا تتغلب الكلمة على شرطيتها الإشارية "العرفية" ويصبح الطبع "الكاراكتر" إشارة أيقونية لحاملها - بطل الكلمة· لقد كتب عن ذلك أيضاً "ليسنج" متحدثاً عن استخدام العلامات "التعسفية" أي الشرطية و"الحقيقية" أي التي تظهر الأصالة غير المصطنعة· فقد أشار إلى أن الدراما هي: تحويل كامل للإشارات الإرادية "التعسفية" إلى "حقيقية" ولهذا يتوصل الكاتب المسرحي "الدراما تورغ" إلى التأثير الفني الذي لا يمكن أبداً أن يتوصل إليه الكاتب الروائي· إنه يعطي لوحة معبرة بشكل كامل ومشبعة إلى حد ما بالسلوك اللغوي للإنسان في حالته المصورة·

 

نقطة الذروة

 

إن الشكل الدرامي يرمز إلى "نقطة الذروة" للتعبير في مجال الفعل الكلامي· لقد كان ليخاتشييف محقاً عندما قال: إن التشكيل الدرامي يدل على المشهدية التي تكونت في بداية الأدب، والتي بفضلها فقط يصبح من الممكن المحاصرة التامة للقارئ من خلال الفعل المرئي·

إن هذه الميزات الصريحة الخارجية للدراما - التي يدور حولها الحديث، لم تلفت - بما فيه الكفاية - انتباه علماء النقد· فمنذ أيام الرومانسية الألمانية هيمنت تقاليد التفحص النظري للدراما بمساعدة المقولات الفلسفية، بدون أن يكون للفن الكلامي - بشكل خاص - أي علاقة: "الدراما كانطباع للصراع بين الحرية والضرورة" عند شي ينج· "الدراما كنسيج للذاتي والموضوعي" عند هيجل· بينما تتحدد خاصية الأعمال الدرامية - وقبل كل شيء - في تنظيم للكلام·

إن الملامح الدرامية المرسومة لنا كنوع من أنواع الأدب تعتبر أساساً "منطلقا"، فبواسطة هذه الملامح - من وجهة نظرنا - تترسخ الشروط المعرفية - الجمالية لقدرات الأعمال الدرامية·

 

* مخرج مسرحي سوري وكاتب قصصي وسيناريست، من أعماله مسلسل "تل الرماد"·

طباعة  

الهم السابع
 
أخبار ثقافية
 
إصدرات
 
رأت فيه الصحافة السورية تجربة فريدة، و"الطليعة" زارته
"التجمع الأدبي" بالسويداء يواصل تدفقه منذ ستة عشر عاماً

 
شيزوفرينيا
 
ضوء
 
نافذة
 
أجراس