رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 6-12 جمادى الآخرة 1420هـ - 15-21 سبتمبر 1999
العدد 1394

ضوء

بازار التطبيع..

 

ركان الصفدي

(1)

 

ما يثير قهقهة مريرة في حلوقنا المتيبسة من الغضب والحزن دعوة بعض المثقفين العرب شرقا وغربا أن ننسى الماضي ونتعامل مع الوقائع الجديدة في حياتنا السياسية بـ "الواقعية"، وهذه الواقعية التي تغدو سبّة في مواضع أخرى هي العكاز التي يتكئ عليها دعاة "التطبيع" مع أبناء عمومتنا اليهود· أما سبب ضحكتنا المريرة فهو أن هؤلاء أنفسهم كانوا يأخذون على ثلاثة أرباع المثقفين العرب يساريين وأشباه يساريين، ثوريين وأنصاف ثوريين، قوميين وأمثال قوميين، أنهم كانوا تابعين للراهن السياسي، وللأيديولوجيا، وللإطار الحزبي، وللشعار المرحلي أو الاستراتيجي··· ما الذي جرى أيها "الواقعيون" الجدد؟ ولماذا ورّطتمونا معكم في الماضي القريب حين رفضنا معكم ربط "الثقافي" بـ"السياسي"؟! سنكون أوفياء لكم حتى لو خنتم أنفسكم، ونقول إن الثقافة ذات بعد أعمق وأبعد من الحدث السياسي، ولن ندخل في "بازار" التطبيع!

 

(2)

 

قد يكون الأديب عظيما ونبيلا ونوبليا في أدبه، ولكن لا يعني هذا أن يكون سياسيا ناجحا··· الخلط بين الأديب ومواقفه وأدبه سذاجة فكرية، وخطأ فادح، إذ إننا نقع على مفارقات عجيبة، فغوغول العظيم مثلا كان مؤيدا لنظام العبودية والقِنانة وهو نظام بشع وحقير، وإيليوت الشاعر ذائع الصيت كان لا يختلف في موقفه الديني عن عجوز خرِفة في أيرلندا الشمالية تشحذ سكينا لقتل رجل من الطائفة الأخرى· ونجيب محفوظ شيخ الرواية العربية يطلق أحكاما سياسية لا تختلف عن مقولات أي سمسار في سوق الحراج· ولذلك لا يمكن أن ننقاد الى تيار التطبيع حتى لو كان بعض رموزه كبيرا كالطاهر بنجلون، لأن هذا الكبير في مجال الإبداع أو ذاك قد يكون قزما في مجال السياسة أو الاقتصاد أو التاريخ···

 

(3)

 

نحن - ذوي الرؤوس الحامية - ليس عندنا كبير غير الفيل، كما يقال، لا لأننا وطنيون أكثر من غيرنا، لأن أحدا لا يستطيع أن يحدد جرعة الوطنية التي يجب أن يتناولها المواطن العربي، فقد أصبحت جرعة فاسدة في كثير من الأحيان مثل كثير من الأدوية التي تباع على الأرصفة، ولكن لأننا - وبمنتهى الصراحة - الأكثر تضررا من التطبيع، فإذا كنا ملاحقين بالخوف والجوع والتهميش والإحباط والقمع والإرهاب في وطننا الفسيح، وبين أهلنا وإخواننا، فماذا سيحل بنا عندما سيضاف الى كل ذلك هذا الوافد الجديد المدجج بأسطورته الإلكترونية وعصاه النووية وتاريخه الذي ينزّ من دمنا، وثقافته المزيفة التي كانت ولا تزال لا تعترف بوجودنا؟!

 

(4)

 

نحن لا نزال نعكّر مياه ذلك الذئب الذي يقف على رأس النبع، ولا نزال صورة للقبح والقتل واللصوصية في مخيلته ومخيلة أصدقائه، فهل يمكن أن نصافح عدونا قبل أن يعطينا شهادة حسن سلوك في كل مكان من العالم جعل منا فيه أضحوكة إعلامية؟!

هل يمكن أن نصافح كفاً لا يزال تحت أظافرها بقايا من لحمنا ودمنا، قبل أن تغتسل من خطاياها، وتدفع دية قتلانا من مالها لا من مالنا وبترولنا؟!

بعيدا عن كل التنظيرات، وكل المواقف، المسألة بالنسبة الى كل مواطن عربي - مثقفا كان أو غير مثقف - شخصية·· لأن كل مواطن عربي قد مُسّ في كرامته وكبريائه وشرفه··· ولذلك، لسنا مع التطبيع·

 

(5)

 

على الرغم من ثقتنا المطلقة بقدرة ثقافتنا العربية ذات الجذور الضاربة في تاريخ البشرية، وذات الفروع الوارفة في كل اتجاه، على استيعاب أية ثقافة وعدم الانهزام أمامها، إلا أن محاولة "المطبّعين" التعلق بهذه الحجة لن تمر علينا، فالتعامل مع الثقافة شيء والتعامل مع أصحاب هذه الثقافة شيء آخر، والمسلمون قديما لم يرفضوا التعامل مع الثقافة الإغريقية، ولا الفارسية ولا المسيحية ولا اليهودية مع أنها كانت في كثير من الأحيان ثقافة أعداء، في حين أن الثقافة الإسرائيلية الحالية لم تترك أثرا يذكر في أي ساحة عالمية صديقة، فما بالنا بساحة معادية! المسألة إذاً ليست ثقافية وإنما··· سياسية وإعلامية·

 

(6)

 

سيأتي يوم ليس بعيدا تتصالح فيه الأنظمة العربية مع الإسرائيليين، على الصعيد السياسي والاقتصادي والإعلامي، ولكن الثقافة العربية لن تصالح حتى لو تسلل هذا المثقف أو ذاك، بل حتى لو صالح المثقفون العرب، لأن الثقافة عموما - والعربية خصوصا - ليست أقنية فضائية تشفر هذه وتطلق هذه، وإنما هي ذاكرة وحقائق ووقائع وأفكار وكتب وأدب وفن وتاريخ وفلسفة وعلم آثار·· لا يمكن أن يطمسها حتى ··· مجلس الأمن·

طباعة  

الهم السابع
 
بحث في التباس المفهوم والأدوات الفنية
الدراما والملحمة... الأفعال والكلمات

 
أخبار ثقافية
 
إصدرات
 
رأت فيه الصحافة السورية تجربة فريدة، و"الطليعة" زارته
"التجمع الأدبي" بالسويداء يواصل تدفقه منذ ستة عشر عاماً

 
شيزوفرينيا
 
نافذة
 
أجراس