رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 13-19 جمادى الآخرة 1420هـ - 22-28 سبتمبر 1999
العدد 1395

في روايته "فالس الوداع"
أبواق جنائزية تصدح في ذاكرة كونديرا

·         أفرد حيزاً للبوليسية لما تحمله من إسقاطات على الواقع

·         روايته شاهد رمزي على مكابداته السابقة

 

كتبت نائلة علي:

"ميلان كونديرا" هو قبل كل شيء مواطن تشيكوسلوفاكي سابق، عاصر فترة استبداد الشيوعيين بالحكم، وما استتبع تلك المرحلة من ارهاب فكري عام وكبت للحريات مما أفضى به إلى السجون واللوائح السوداء، ولا شك في أن معاصرته لتلك الفترة المحمومة أغنت قريحته الروائية لقرن كامل، حتى أنه ضمّن معاناته تلك "بشكل أو بآخر" في العديد من رواياته·

أفرد كونديرا في "فالس الوداع" حيزا لا بأس به "للبوليسية" التي لا تعيب روائيا متمكنا مثل "كونديرا" نظرا لما تحمله من اسقاطات مباشرة على الوضع القائم آنذاك من جهة، ومن جهة أخرى نجد أن تلك "الشذرات" البوليسية تنطوي على فلسفات عميقة تحاكي تأصل روح المعاناة في عقل وفكر "كونديرا"·

يحط عازف البوق "كليما" وفرقته الرحال في البلدة ذات المنتجع الصحي الذي تتقاطر عليه النسوة للاستفادة من اعتلالات الخصوبة لديهن، يفاجأ "كليما" "بروزينا" إحدى الممرضات العاملات بالمنتجع، عندما تخبره أنها حامل منه، يقع عازف البوق في كرب، لكنه يتمكن أخيرا من إقناعها بالإجهاض مستخدما بعض الأحاييل وتحت دعوى أنه مقدم للزواج بها "دون أن يخبرها بأنه متزوج أصلا" وتحت تكرار مناشداته الملحاحة، يستطيع عازف البوق استمالتها قليلا للتخلص من الجنين، ورتب أمر الإجهاض مبدئيا مع "د· سكريتا" طبيب أمراض النساء في المنطقة·

يرجىء "كونديرا" عازف البوق والممرضة إلى فصل تال ويستفيض في توصيف عالم "د· سكريتا" و"جاكوب" وآخرين·

"جاكوب" هو صديق "د· سكريتا"، يأتي إلى المنتجع لتوديعه بعد أن عزم على الهجرة، يلتقي بـ "أولجا" وهي ابنة صديق تم اعدامه حينما كانت طفلة·· "حين قبض على والدك كانت السجون ملأى بالناس الذين لموهم باطراد أثناء أول موجة من الحماسة الثورية، وكان والدك معروفا كسياسي شيوعي ذائع الصيت، ولدى أول فرصة، وقع النزلاء عليه وضربوه حتى فقدانه الوعي، كان الحرس يتابعون المشهد بابتسامات متشفية على وجوهم "ص 76" ويتابع "لسوف أخبرك بأكثر اكتشافات حياتي المحزنة: إن الضحايا ليسوا بأفضل من مضطهديهم يمكنني بسهولة تخيل الأدوار منعكسة" "ص 77"· زيارة "جاكوب" كانت لسبب آخر أكثر وجاهة، كانت في معيته حبة زرقاء سامة "حصلت عليها منذ ما يزيد عن خمسة عشر عاما، كان هناك شيء واحد تعلمته بعد سنة في السجن : إن السجين يحتاج على الأقل مثل هذا النوع من اليقين، يمكنك تحمل أي شيء تقريبا، تعرفين دائما أنه في طاقتك الهروب من الحياة بأي وقت تختارينه" ويواصل محادثا أولجا": " في هذه البلاد لا تعرفين أبدا متى قد تنشأ الحاجة، بالإضافة لذلك، كانت هذه مسألة مبدأ معي، فأنا أعتقد أن كل شخص ينبغي إعطاؤه قرصا من السم في اليوم الذي يصل فيه إلى سن الرشد" "ص 85"·

حصل جاكوب على هذه الحبة السامة من "د· سكريتا" الذي كان ممارسا للكيمياء في شبابه، أتى الآن لردها إليه بعدما قرر الهجرة والتدريس في جامعة أجنبية·· " خطر بجاكوب أن الحبة الزرقاء الباهتة ترمز نوعا ما لدراما حياته، المحرومة المنسية، أخبر نفسه أنه قد آن الأوان لإنهاء هذه الحكاية غير الشيقة" "ص 87"·

كانت شخصية "جاكوب" هي الأكثر شجنا والأكثر تبرما من الواقع المعيش، وقد أفصح عن هذا في مناقشة دارت بين "د· سكريتا" و"برتلف" "رجل أعمال أمريكي في المنطقة" اللذين عرجا في حديثهما على مشكلة عازف البوق مع الممرضة، يتدخل جاكوب مدلياً برأيه حول الأبوة "وبالطبع لابد أن أفكر في نوع العالم الذي سأرسل طفلي إليه· ففي زمن ما سوف يخف إلى المدرسة، حيث يتم حشو دماغه بأكاذيب حمقاء وهراء حاولت طول حياتي مقاومته هل يجب أن أراقب سليلي وهو ينمو ببطء إلى أبله ممتثل؟ أم يجب أن أورث تراثي الذكي إليه فقط لأرى إحباطي المتزايد وهو يتورط في نفس الصراعات القديمة؟ "ص 102"، ويتابع "إن الأبوة تتضمن توكيدا مجردا للحياة البشرية فإن أبوتي لطفل تعني تصالحي مع العالم: فأنا ولدت، استطعمت الحياة ووجدتها رائعة حتى لأعتبر أنها تستحق أن تتوالد" "ص102"·

"د· سكريتا" يعرب عن الرأي نفسه في حديث آخر "إن البشرية تتناسل مخلفة نوعا لا يصدق من الحمقى، وكلما زادت نسبة غباء الفرد، زادت رغبته في التكاثر "ص 117"·

حل "كليما" في البلدة ذات المنتجع تحت ذريعة إقامة حفل موسيقي وأيضا لدفع الممرضة "روزينا" إلى الإجهاض ، بعد جلسة قصيرة لهما في المقهى، غادرا المكان ونسيت "روزينا" أنبوبا كانت به أقراص مهدئة على الطاولة، تصادف ذلك مع وجود "جاكوب" في المقهى الذي تعرف على وجهها فورا، وبدافع تطفلي من الفضول، تفحص الأقراص التي تركتها ووجدها مطابقة لذلك القرص المسموح الذي أعطاه له "د· سكريتا" "أو التي ظنها كذلك " في الأنبوبة، رجعت روزينا إلى المقهى بعد أن افتقدت الأقراص، انتزعت الأنبوبة من "جاكوب" الذي أثارها تصرفه الغريب في الإصرار على الاحتفاظ بالأنبوبة·

تعقب "جاكوب" "روزينا" على مدى أيام لإيضاح حقيقة أمر القرص المسموم الذي أسقطه سهوا، اتصل تلفونيا، لكن ممرضة أخرى أخبرته أنها مشغولة، شعر بالراحة أنها لم تمت، فتلك الأقراص تؤخذ ثلاث مرات يوميا "حسبما قدر" وما من شك أنها ابتلعت قرصه الذي لم يكن له أي تأثير سمي! "صار كل شيء واضحا أمامه: إنه الحبة الزرقاء الباهتة التي يحملها في جيبه كضامن لحريته كانت زائفة، وقد منحه إياها صديقه كوهم على الموت فحسب " "ص 187"، غادر جاكوب البلاد ماضيا إلى الخلاص، وفكره متمحور حول تلك الحبة، التي ظنها تابوتا في جيبه، يلجأ إليه عندما يكون الموت هو الخيار المثالي في واقع طاعن في السوداوية·

بالعودة إلى "روزينا" و"كليما" عازف البوق، رتب الأخير أمر الإجهاض مع "د· سكريتا" وذهب و"روزينا" لأخذ موعد لإجراء العملية، في تلك الأثناء كان "فرانتا" "صديق لروزينا، يزعم أبوته للطفل الذي تصر روزينا على نسبته إلى كليما" يتعقبها خلسة لدحض الشائعات التي  ربطت بينها وعازف البوق، كانت ملاحقاته تثير دائما أعصابها المتوترة، وبدافع الغيرة، افتعل "فرانت" معها مشادة لحملها على إجابته بشأن علاقتها مع "كليما" إثر ذلك، عمدت روزينا إلى علبة الأقراص المهدئة وتناولت قرصا لفظت بعده آخر أنفاسها، كان ذلك هو القرص المسموم الذي دسه جاكوب عفوا في الأنبوبة، والذي تثبت من عدم جدواه كسم، معتبرا أن "روزينا" كانت قد تناولته ولم تصب بسوء··

خلصت التحريات إلى أنها ماتت منتحرة، وتملص عازف البوق و"د· سكريتا" بحذق من الشبهات·

بعد الحادثة بوقت قصير، غادر "د· سكريتا" و"برتلف" "رجل الأعمال الأمريكي" إلى محطة القطار لاستقبال زوجتيهما، وفي الطريق، يعرب "د· سكريتا" باستحياء عن رغبته في أن يتبناه برتلف "رغم أنه يصغره بسبع سنوات فقط" يوافق "برتلف" في دهشته وعلى الرغم من استغرابه من هذا العرض الذي لم يفصح "د· سكريتا" عن السبب الحقيقي من ورائه والذي يعود إلى رغبة تراوده في الحصول على المواطنة الأمريكية التي تخوله للتجوال بحرية عبر العالم، وليقطع حبلا سريا ربطه بوطن صادف أن ولد فيه·

* * *

يورد "كونديرا" روايته كشاهد رمزي على مكابداته السابقة، وتطفو أفكار "جاكوب" وقناعاته عن الموت لتوثق دراما كانت مألوفة في زمن ما ومكان ما يعرفه "كونديرا" وتطول الحبكة "روزينا" وجنينها الذي يموت معها قبل أن تجهضه، لو لم تمت هي، لأجهضته ولو لم تجهضه لاستهدفه موت السجون والفرار عبر الأسلاك الشائكة المنصوبة حتى حول الأجنه في بطون أمهاتها·

"ميلان كونديرا" مرشح لنيل جائزة نوبل منذ سنوات باعتباره من الذين يؤمنون بنشر الحرية على مستوى العالم، من أعماله في تشيكوسلوفاكيا: "المزاح" ، "غراميات مرحة" وهو يعيش في فرنسا منذ عام 1975 حيث نشر منها رواياته "خفة الكائنات التي لا تحتمل" ، "الحياة في مكان آخر" و" البطء" وقد فازت روايته هذه "فالس الوداع" بجائزة أحسن رواية في إيطاليا عام 1978·

طباعة  

أفق
 
الهم السابع
 
إصدارات
 
أخبار ثقافية
 
في كتابه "الشعر العربي الحديث في منطقة الخليج"
الرشيد بو شعير يدلّس تاريخ الشعر في الخليج ويمسخه نقدياً

 
يمامة خضراء!!
 
ضوء
 
نافذة
 
أجراس