رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 19-25 جمادى الآخرة 1420هـ - 29 سبتمبر 5 أكتوبر 1999
العدد 1396

ضوء

النفخ في الجمر...!

 

ركان الصفدي

(1)

 

يطيب لي دائما أن أعود الى الأسئلة البسيطة التي ننساها في زحمة الأيام، والتي تبد وغير مهمة لأننا تعودنا على مألوفيتها الى حد لم تعد فيه تلفت الانتباه، مع أنها أقرب الى طبيعة الأشياء والى نبض الحياة وتلقائيتها· من ذلك هذا السؤال الساذج: لماذا كانت "الثقافة" فعالة في العقود الماضية، وقدمت رموزها الكبار، في حين أنها باتت ضعيفة الفاعلية أو عديمتها اليوم على الرغم من التطور العظيم الذي أصاب الأداء الثقافي؟

لماذا كانت مقالة لطه حسين أو قصيدة للسياب أو قصة لنجيب محفوظ تفعل فعلها في وعي الناس، ما لا يفعله اليوم أي نشاط ثقافي يقدم الى الناس بأحدث وسائل الاتصال وأكثرها انتشارا؟

لم تتراجع الثقافة العربية، بل تطورت وتقدمت الى مواقع جديدة وحققت إنجازات فكرية ومعرفية وفنية كبيرة··· ما الذي تراجع إذاً؟

 

(2)

 

كان عدد القراء في العقود الماضية أقل بكثير مما هو عليه اليوم، وهو أمر طبيعي لأن المدارس كانت أقل، والكتب والصحف والمجلات أقل··· ومع ذلك كنت تجد الشاعر قادرا على تحريك الشارع، وتجد الناس يتفاعلون معه ويحمونه أحيانا ويحملونه على الأكتاف، كما حمت وحملت الجماهير (عمر أبو ريشة) حين ألقى قصيدته "أمتي هل لك بين الأمم···" وأمر رئيس الوزراء السوري آنذاك جميل مردم باعتقاله··· ما الذي تراجع إذاً؟

 

(3)

 

لم تكن هناك معارض كتب، لا مهرجانات سنوية تغمرها الأضواء، ولا جوائز ثقافية استعراضية، ولا برامج ثقافية إذاعية أو تلفزيونية تقدم "زبائنها" الدائمين··· ومع ذلك كان الناس شغوفين بالقراءة والمطالعة واقتناء الكتب واستعارتها وتبادلها فيما بينهم··· ماالذي تراجع إذاً؟

 

(4)

 

هل كانت الثقافة فيما مضى تقدم المتعة في مجتمع تعوزه المتع بسبب بساطة عيشه، في حين أنه اليوم يتمرغ في رغادة التقدم التكنولوجي التي تقدم له متعة أيسر وأقرب وأسرع؟

هل كانت الثقافة سعيا وراء فردوس مفقود وحلم وثير، في حين أننا اليوم حققنا مع التقدم العلمي والاجتماعي معظم أحلامنا؟

هل اتساع مجالات العلم والمعرفة وزيادة تخصصاتهما جعلا الإنسان العربي الحالي عاجزا عن الإلمام بكل شيء والتركيز على شيء؟

هل المواطن العربي الآن منشغل بحياته المادية عن حياته الروحية، فهو إما مثخن بالجوع والألم والقلق لا يفكر إلا في لقمة عيشه وأمان حياته وتأمين مستقبله، وإما بطر يتجشأ من الشبع والريّ والبحبوحة لا يجد وقتا لترّهات الذهن والعقل ما دامت الرغبات تأتيه على طبق من··· التكنولوجيا؟ هل انكسار أحلامنا العربية، ونفاق أمجادنا المعاصرة، وتلوث عواطفنا الوطنية، وقذارة ثيابنا القومية، ودونكيشوتية قادتنا وبهلوانية سياساتنا، ودراكولية طغاتنا، وكربلائية واقعنا، وحربائية مثقفينا، وفصامية مفكرينا، ودون جوانية أدبائنا، وزعبرة شعرائنا··· خلقت شعورا عاما بالقرف واللامبالاة والكسل والحذر؟

 

(5)

 

كانت الثقافة فيما مضى ذات أهداف محددة: حرية، تحرر، تقدم، وحدة، تنمية، قوة، عدالة، ليبرالية، اشتراكية، قومية، إنسانية، أخوة···· وهي لم تكن أهدافا معلقة في الفضاء، ولكنها نبت حقيقي للأرض التي تعيش فيها، وللناس الذين حملوها، وللقوى التي رفعتها··· كانت مرآة لرغبات المجتمع وأحلامه ومطالبه، كانت ثقافة قضية·

من الذي يستطيع الآن أن يحدد هدفا واضحا للثقافة العربية في الوقت الحالي؟

 

(6)

 

ثقافة بلا قضية لا هوية لها··· وفي الوقت الذي نلقي فيه راياتنا، ونتخلى عن مبادئنا، ونبيع قضايانا على قارعة العالم، نجد شعوبا أخرى تشحذ ذاكرتها من نقطة نسياننا، وتضرم قضاياها على تخوم رمادنا، وتشحن وعيها بكل ما نزف من وعينا···

لن تكون ثقافتنا فعالة إلا إذا نفخت في الجمر!

طباعة  

الهم السابع
 
في محاضرة ألقاها في المركز الثقافي العربي بدمشق
د· عبده عبود: النقد العربي تطبيق مدرسي رديء للنقد العالمي

 
أخبار ثقافية
 
إصدارات
 
في كتابه "أعلام في الأدب العالمي"
علي عبدالفتاح... ورحلة عشق في إبداعات أدباء العالم

 
لعينيكِ هذا المساءْ
 
نافذة
 
أجراس