لطيفة بطي في مجموعتها القصصية الأولى
"عروس البحر"··· ذاكرة تنضح، وعقل يُبلسم الجراح
أصدرت الأديبة لطيفة بطي مجموعتها القصصية الأولى "عروس البحر" التي تضمنت ست قصص، تدور حول قضايا إنسانية ذاتية، بلغة هادئة منشغلة بالتفاصيل·
في القصة الأولى "عروس البحر" تتناول موضوع العانس التي تتناوشها الألسن، ويتولى رواية القصة طفل رسام يبحث عن إجابات لقلقه وتساؤلاته البريئة، ثم تحكم الكاتبة على تلك العانس، التي اختطفها الموت، على لسان الجدة حكما إنسانيا: أجل هي شهيدة·
وفي القصة الثانية "قلوب في البحر" تقيم الكاتبة حوارا بين عالم الصغار وعالم الكبار عبر مدرستين وطلابهما الذين يمرحون على شاطئ البحر، وفي الوقت الذي يستطيع فيه الكبار حل مشاكل الصغار نجدهم عاجزين عن حل مشاكلهم، وبين العالمين اللذين تنبض فيهما القلوب حبا وبراءة وألما يقوم البحر بفعل المصالحة واحتضان الأمل والحب·
في قصة "العين تأتي والقلب يؤتى" تتناول الكاتبة موضوع الحب وغدر الحبيب، وهنا أيضا نجد أنفسنا أمام هذه المفارقة "طبيب يداوي الناس وهو عليل"، والقصة تقيم مفارقة أخرى بين عالم الأفكار والواقع المعيش·
أما قصة "أطياف الماضي" فهي تعتمد على واقعية سحرية تختلط فيها الوقائع والمشاعر بالخيالات والأوهام، وتقيم حوارا بين الواقع وعالم الأفكار، كل ذلك محمول على جناح الزمن الذي إن داس على رصيف العمر فإنه يحمل معه دائما زوّادة الذكرى·
وقصة "هو ورفيقه" تعالج قضية الوجود والحرية والموت والحب عبر حوار بين صديقين على القهوة، كما تطرح مسألة الإنسان الشرقي ونظرته الى الحياة والمرأة·
وفي القصة الأخيرة "رحيل القلوب" تدور الأحداث في عيادة طبيب أسنان حيث تنضح عجوز مزعجة ذاكرتها أمام الجميع الذين ضاقوا بها، ولكنها لا تخلو من ظرف وخفة دم·
تبدو الكاتبة مغرمة بالتقاط العابر والماضي، واستعادته عبر التذكر لا لإعادته بل لبلسمة جراحه من موقف عقلاني لا تعوزه العاطفة أيضا·· والملاحظ أن جميع شخصياتها تقريبا تنتمي الى الطبقة المثقفة أو شبه المثقفة، مما يجعلها شخصيات مسكونة بقلقها الوجودي العميق، وبعضها يعبر عن نفسه بالرسم أو الشعر مما يوحي بالهاجس الجمالي الذي يسكن رؤية الكاتبة للحياة ولا سيما أنها تحاول دائما تجميل الواقع ومداواته·
واللافت للنظر أن شخصيات القصة تشكل حالات إنسانية عامة، فهي مجردة من الأسماء، وإنما ترمز لها الكاتبة بأحرف أبجدية قد تكون ذات دلالة عند الكاتبة فقط، وهذا ما يبعدها بعض الشيء عن القارئ· كما أن الصراع الدائر في القصص جميعها صراع أفكار وعواطف لا صراع أحداث ومواقف إلا نادرا، مما يجعلها قصصا تدور في دائرة الذهنية·
ونلاحظ أن الكاتبة تحمل شخصياتها قيما وأفكارا تربوية محكومة بعقلانية هادئة، قد تسعد العقل والذهن، ولكنها تبّرد حدة الموقف الدرامي وتحيله الى ما يشبه الوعظ والإرشاد·
والملاحظة الأخيرة أن لغة المجموعة القصصية كانت أشبه باللغة الروائية، وذلك في تعلقها بالتفاصيل الكثيرة والوصف والبوح، ولعل طغيان الذهنية سبب ذلك، فأبعد القصص عن حد التوتر الدرامي والتكثيف الوامض· غير أن هناك إضاءات ساطعة تلبس ثوبا رمزيا وأحيانا إشاريا لغويا تنبثّ هنا وهناك· عمل أول، لغة محكمة "إلا في بعض الهفوات"، مخزون إنساني ثر، ووعد كبير!