· خليفة: لا أعرف ما هي الأهداف، ولكن هل المطلوب إبعادنا من البلاد؟
· الأمين : لا يمكن اعتبار خليفة قد عمد إلى غناء نصوص قرآنية
· خوري: لن نقبل أن تصبح بيروت كمدن عربية كثيرة بلا حرية
كتب المحرر الثقافي:
ذكرت وكالات أنباء ومصادر صحفية أن القضاء اللبناني قرر السبت الماضي ملاحقة الفنان مارسيل خليفة بتهمة التعرض للإسلام في إحدى الأغنيات التي يقدمها منذ أربعة أعوام، وهي أغنية "أنا يوسف يا أبي" التي هي إحدى قصائد الشاعر محمود درويش· فقد أصدر قاضي التحقيق الأول في بيروت عبدالرحمن شهاب قرارا ظنيا بحق خليفة طالب فيه بعقوبة السجن من ستة أشهر الى ثلاث سنوات· وكان قد سبق لقاضي التحقيق عبدالله بيطار أن حاول ملاحقة خليفة للأسباب ذاتها في سبتمبر 1996 إلا أن احتجاجات المثقفين اللبنانيين حالت دون ذلك·
أغنية ضد الاحتلال
وفي أول تعليق له على الطلب القضائي قال مارسيل خليفة لرويترز إنه يستغرب إعادة إثارة هذا الموضوع مجددا بعد كل هذه المدة وبعد قرار الحكومة بإسقاط الدعوى، وقال "لا أعرف ما هي الأهداف، ولكن هل المطلوب إبعادنا من البلاد؟"· وأضاف خليفة أن النص هو قصيدة شعرية منشورة تستحضر نصا قرآنيا ولا تستخدمه تماما كما هو، وهي - كما معظم أعمالي - تهدف الى مناهضة العدو الإسرائيلي وتحض على مواجهته لتحرير الأرض العربية والإنسان العربي· وقال إنه يشعر بأسى شديد وبقرف شديد·
قرار مهين بحق لبنان
وفي تصريح للزميلة "الرأي العام" قال خليفة: "إن أحدا لا ينظر الى الفن الوسخ الذي نغرق به، فقط يتطلعون الى هذه المادة الفنية النظيفة والراقية"· ورأى خليفة أن القرار مهين بحق لبنان مشيرا الى أنه سيستمر في تأدية أغنية "أنا يوسف يا أبي" لأنها تمثل مأساة إنسانية يعيشها الشعب اللبناني في الجنوب كما الشعب الفلسطيني· وقال في مقابلة مع وكالة "فرانس برس" إن العبارة ليست آية من القرآن بل كتبها شاعر" في إشارة الى الإحالة الشعرية الى الآية القرآنية "إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر لي ساجدين"· التي يقول فيها محمود درويش: "أنا يوسف يا أبي/ إخوتي لا يحبونني/ لا يريدونني بينهم"·
رأي الأمين
من جهة أخرى قال العلامة السيد محمد حسن الأمين: "من حيث المبدأ وقبل اطلاعي على حيثيات القرار يمكنني القول إن قصيدة "أنا يوسف يا أبي" هي من النصوص الشعرية التي استحضرت النص القرآني وأجواء السورة القرآنية المتمثلة بالنبي يوسف عليه السلام"، وأضاف: "هذا يجعل الفقرة التي جاءت في سياق القصيدة من النص القرآني، مظهرا لأسلوب شعري وأدبي عرفه الشعر العربي طيلة العصور الإسلامية"· ورأى أنه لا يوجد مبرر لاعتبار النص الوارد نوعا من التعريض أو الإهانة للنص القرآني، وأنه لا يمكن اعتبار مؤدي الأغنية مارسيل خليفة قد عمد الى غناء نصوص قرآنية·
خطوات تضامنية
وقال الكاتب إلياس خوري رئيس تحرير الملحق الثقافي في "النهار" اللبنانية منددا بالقرار القضائي إنه أمر مستغرب ويدعو الى الحيرة خصوصا أن بيروت قد أعلنت عاصمة ثقافية عربية· وقال: "لن نقبل أبدا أن تلف الظلامية بيروت وتصبح كمدن عربية كثيرة، مدينة بلا حرية"·
وأشار خوري الى أن هناك سلسلة من الخطوات التضامنية سيقوم بها مثقفون ستبث خلالها الأغنية موضوع القرار الظني·
الدرك العربي الأسفل
القضية كما هو ظاهر وواضح خطيرة وتصور عمق الدرك الذي وصلت إليه الأمور في وطننا العربي، إذ من المستغرب أن تثار مثل هذه القضية في لبنان الذي كان الرئة التي نتنفس منها هواء الحرية· ولا سيما أن مارسيل خليفة فنان مثقف بعيد عن كل شبهة، فهو الذي غنى للوطن والإنسان حين كان الوطن يتداعى والإنسان يتمزق ويباع على الحواجز الطائفية الأمنية· لذلك يمكن القول إن هذه القضية المستغربة لا تستهدف مارسيل خليفة كفرد لأن كل تلوث جونا العربي لا يمكن أن ينال من نقاء رسالته وسموها ورقيها الفكري والفني، وإنما تستهدف ما يمثله مارسيل خليفة من بعد ثقافي وإنساني وسياسي يشمل جيلا كاملا من الناس الذين كانوا وما زالوا يغنون معه لوردة وسط الدمار والخراب الممتد من المحيط الى الخليج·
شاهد نظيف على الجريمة
كانت أغاني مارسيل خليفة شاهدا نظيفا على جريمة الحرب الأهلية اللبنانية، وعلى بازار الأوطان التي حولها السياسيون المدججون بالأسلحة والحقد الطائفي والعمالة الصارخة الى سلعة رخيصة بعقلية "نيرونية" مريضة· فقد غنى خليفة لبيروت والجنوب وفلسطين والشهداء والبسطاء والحلم والأمل والفرح المختبئ في الدموع، فكانت أغانيه إدانة ساطعة للتلوث العربي الذي بات يعمي العيون والقلوب، والذي يحاول أن يمد عنقه من جديد في لبنان·
الهستيريا الجماعية
تبدو القضية "مفبركة" ولكن ليس بعناية لأن النص الذي غناه خليفة نص شعري محض، ولا يمكن أن يقبل عقل مهما بلغ من التزمت أن يقارن نصا قرآنيا بنص شعري، أما عن التضمين أو الإشارة أو الاتكاء على نص ديني فهو أمر يكاد لا يخلو منه شاعر عربي منذ صدر الإسلام وحتى اليوم، بل إن شعراء كثيرين ضمنوا آيات قرآنية كاملة في أشعارهم وغناها المغنون في العصور القديمة ولم يعترض عليها أحد، وفي كتاب "الأغاني" للأصفهاني شواهد كثيرة على ذلك، مما يجعل القضية المرفوعة ضد مارسيل خليفة نوعا من الهستيريا الجماعية التي أصابت بعض سكان الكهوف المظلمة، الذين يريدون تصفية الحساب مع الرموز التقدمية والحرة في الوطن العربي، ولا سيما الرموز ذات الامتداد الشعبي والتأثير البالغ مثل مارسيل خليفة·
ومع ثقة معظم المتابعين أن القضية أشبه بالخبطة الإعلامية أو الصحفية لا أكثر إلا أن ظاهرة ملاحقة المثقفين والأدباء أصبحت من يوميات الحياة العربية، مما يدعو الى الوقوف في وجهها وتعرية ممثليها المشبوهين الذين يريدون إرهاب الثقافة العربية وتشويه صورة الإسلام· وينبغي أن نمنع وبكل الوسائل إحراق المفكرين في الساحات لأن عصر محاكم التفتيش ولى الى غير رجعة··· حتما·