رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء جمادى الآخرة - 2 رجب 1420هـ - 6-13 أكتوبر 1999
العدد 1397

ضوء

ماذا ترك الأول للآخر؟

 

ركان الصفدي

(1)

 

يخيل إليك أحيانا أنك وصلت حد الامتلاء من موضوع ما، ولاسيما إذا قرأت عنه كتابا متميزا أو نصا متفردا··· ولعل هذا هو السبب الذي جعل القدماء يقولون: "ما ترك الأول للآخر شيئا"، وهذا سر الأعمال العظيمة التي تغويك غواية كاملة تستلب منك·· حتى الذاكرة· ولكن لا تلبث بعد حالة الانبهار هذه أن تقع على عمل آخر يتناول الموضوع نفسه، أو بالأحرى "العالم" نفسه، فيوقظك من الدهشة الأولى ويلقي بك في دائرة ضوئه حتى تظلم حواف الذاكرة، فلا يسعك إلا أن تقول - كما قال القدماء أيضا - "كم ترك الأول للآخر!"·

تشابه الموضوعات لا يعني تشابه الذوات·

 

(2)

 

لو أخذنا عنصرا جزئيا من هذا الواقع وتقصينا تمثّلاته في الشعر أو القصة أو الرواية لوجدنا أنه ليس واحدا حتما، "الشارع" مثلا، تراه عند الشعراء شارع الأضواء الخادعة، أو شارع الانتظار، أو شارع الخوف، أو الشارع الذي لا ينتهي، أو الشارع المسدود بالرصاص، أو السوط الذي تجلد به المدينة الفقراء، أو الشريان الراعف بالليل··· وبعضهم يجعله عنصرا زمانيا "انتظرتك شارعا من مطر"، وبعضهم يخيط شارعا بشارع ليصل الى الحبيبة، أو يجعله ينبح في وجه الغريب··· وقل مثل ذلك في جميع عناصر الوجود·

لم يختلف الموضوع أو "الموضوعي" وإنما اختلفت "الذات"··· تلك المعادلة التي أغفلها نقادنا القدماء، فبنوا أحكاما على أرض صلبة، ولكنها ليست أرض الشعر أو الفن·

 

(3)

 

هل نستنتج استنتاجا خطيرا ونقول: لم يكن الشعر القديم (خصوصا الجاهلي) نتاج الذات بقدر ما كان نتاج "الموضوعي"، وإلا ما كان الشعراء جميعا يتشابهون في أي موضوع يتناولونه، كالوقوف على الأطلال ووصف الرحلة والحمار الوحشي، وغيرها من العناصر التي تنسج القصيدة، الى حد لا تستطيع فيه أن تميز بين أسلوب وأسلوب وبين شاعر وشاعر، بل إن كثيرا من الأبيات تتشابه حتى في اللفظ بله المعنى؟!

ولذلك، فمن العبث أن نبحث عن فرادة شاعر قديم في الموضوعات العامة، إذ إن المحصلة هي أن الشعر القديم يستمد أهميته من كونه شعر الأمة لا شعر الفرد· وهذا لا يعني تعميم القول على جميع الشعر القديم، إذ لا تعوزنا الشواهد الشعرية التي وقف فيها الشاعر مع ذاته، ألم يتحدث أمرؤ القيس عن مغامراته العاطفية وتجاربه في الحياة، وطرفه بن العبد عن موقفه من الوجود، والأعشى عن مبدأ اللذة·· هذه الذاتية هي التي منحت هؤلاء الشعراء خصوصيتهم، أما الوقوف على الأطلال وغيره فإنما هي طقوس فنية جماعية فرضتها حالة تاريخية، وحين تغير الواقع الاجتماعي لم يعد لهذه الطقوس من مسوغ فكري ولا فني، ولهذا قال أبو نواس ساخرا:

قل لمن يبكي على رسم درسْ

واقفا، ما ضر لو كان جلس

الخارجي، العام، الموضوعي··· تغادر القصيدة لتبقى "الذات" وحدها جمرة التوقد·

 

(4)

 

الفرق بين الشاعر القديم والشاعر الحديث هو أن الأول كان يطل على ذاته من نافذة الآخر، أما الثاني فيطل على الآخر من نافذة الذات· والآخر ليس شخصا ولا موضوعا ولا عادة ولا طقسا ولا مناسبة فحسب، الآخر لغة أيضا· والذات أيضا لغة قبل كل شيء، فإذا عبر الشاعر عن عواطفه وحاله وأحلامه بلغة الآخر فقد ظل خارج ذاته، ولهذا نجد أن كل تيار فني يبدأ جديدا حديثا ثم ينتهي كلاسيكيا، فالشعر الرومانسي كان ثورة فنية على الكلاسيكية ثم ما لبث أن غرق في كلاسيكيته، إذ غدا الشعراء الرومانسيون يكررون طقوسهم وأدواتهم ولغتهم فسجنوا أنفسهم في معجم واحد وأسلوب واحد، ورؤى متشابهة· وهذا ما لفت إليه هنري لوفيفر في كتابه "ما الحداثة" حين تحدث عن "الحداثوية" التي تحتوي على الشغف المبالغ فيه بالحالية المتغيرة، والكلاسيكية الجديدة·

 

(5)

 

كل منا يصغي بشغف الى تجارب الآخرين، وقصص الآباء والأجداد، ولكن من منا يستطيع أو يحب أن يعيش التجارب ذاتها؟ وفي الفن ليس هناك قطيعة بين الأجيال، أما المبالغة في ذلك فهي عقوق أخرق ناتج عن تورم الذات، وربما تفاهتها· وقد ذكر ابن خلدون في مقدمته أن القدماء كان ينصحون الشاعر المبتدئ أن يحفظ شعرا بحجم ديوان عمر بن أبي ربيعة "مثلا" ثم ينساه، ثم يكتب شعره·

الشاعر الحقيقي هو الذي يعانق حركة الحياة فيعبر عنها، أما التقليد فهو مراوحة ووقوف في المكان "وكل واقف فإلى نقصان أقرب" كما يقول الجاحظ·

 

(6)

 

يقول شاعر ألماني: كان القدماء يصورون الوجود، أما نحن فنصور التأثر، هم يصفون الخوف، ونحن نصف بخوف، هم يصفون اللذة، ونحن نصف بلذة··

إذاً فقد ترك الأول للآخر كل شيء·

طباعة  

الهم السابع
 
في ظاهرة غريبة على واحة الحرية "لبنان"
ملاحقة مارسيل خليفة قضائياً بتهمة التعرض للإسلام

 
أخبار ثقافية
 
إصدارات
 
بحثاً عن تداخل المصطلحين وترابطهما وتمايزهما
رمزية الشعر... ترميز الرواية

 
لما يجئ بعد المساء
 
نافذة
 
أجراس