· نحن آباء وأمهات معذبون ومقهورون·· وسبب عذابنا ومصدر قهرنا ليس إلا أطفالنا، أو بالأحرى نظرتنا نحن إلى الأطفال·· وليس هناك أي مبرر أو موجب لكل هذا العذاب، وقد آن الأوان أن نحرر أنفسنا من هذا القهر، هذه هي الرسالة التي يقولها لنا هذا الكتاب الممتع والطريف
· ربما كان أجدادنا يبالغون في الأمل في أن يشفى الطفل المريض دون استشارة الطبيب، ولكننا أصبحنا نبالغ بشدة في الجري إلى الطبيب وإجراء التحاليل لدى أي كحة صغيرة تصيب الطفل أو لدى أي ارتفاع طفيف في درجة الحرارة
جلال أمين**
من الممكن أن نعرف الكتاب الجيد بأنه ذلك الكتاب الذي يقول لك ما كنت تعرفه بالفعل! قد يظن القارئ أن في هذا القول من الدعابة أكثر مما فيه من الحقيقة، وأنا أظن العكس، على الأقل فيما يتعلق ببعض أنواع الكتب· إن بعضا من أجمل المقالات التي قرأتها هو ما شعرت فيها بأنها "عبرت عما في نفسي" أو أنها قالت بالضبط "ما كنت أريد أن أقوله"، دون أن أستطيع ذلك حقيقة، أو هي التي قالته بوضوح بينما كنت أدركه بشكل غامض أو تقريبي، وكذلك في الكتب· فمن أكثر الكتب تأثيرا في نفسي تلك التي وجدت فيها نفسي أو التي أعطتني الحجج المنطقية أو الأسانيد التاريخية التي تدعم وجهة نظر كنت أتبناها قبل أن أشرع في قراءة الكتاب·
قد يكون تفسير ذلك أن تغيير المرء لوجهة نظره ليس بالسهولة التي نظنها عادة، وأن "وجهة النظر" التي يتبناها المرء تنبع من مصادر لا علاقة قوية بينها وبين الحجج المنطقية والأسانيد التاريخية، وإنما تأتي هذه الحجج والأسانيد لتدعم وجهة نظر تبنيناها من قبل بناء على دوافع نفسية أو اجتماعية، أو لتدحض وجهة نظر كرهناها بناء على دوافع مماثلة·
على أية حال، فإن الكتاب الذي أريد أن أعرضه اليوم هو من هذا النوع من الكتب، فرحت به عندما وجدته وعرضت موضوعه واتجاهه، وفرحت به أكثر عندما قرأته، إذ وجدته يعبر عما في نفسي بعبارة بالغة الوضوح والسلاسة، ويدعم وجهة نظري بالعديد من الأدلة· وقد حفزني بقوة على أن أشرك القارئ معي فيه، أن موضوعه مهم للغاية، ويشغل جزءا كبيرا من وقتنا وتفكيرنا، وهو بالغ التأثير في مستقبلنا كأفراد ومستقبلنا كأمة، وله أثر لا يستهان به في سعادتنا أو شقائنا· فإذا أضفت الى ذلك أن كثيرين جدا منا، بل وأعدادا منا تتزايد مع مرور الزمن، يميلون الى اتخاذ موقف من هذه القضية التي يطرحها الكتاب هو النقيض بالضبط لما يعتبره هذا الكتاب (وأعتبره أنا) الموقف السليم· فإن قراءة هذا الكتاب أو على الأقل التعرف على أفكاره يصبح أمرا مهما وحيويا·
وقد يسأل القارئ: ألم تقل منذ لحظة أن من الصعب جدا أن تغير قراءة كتاب من موقف سبق للمرء اتخاذه؟ وردي على ذلك أني أشعر شعورا قويا بأنه على الرغم من شيوع مسلك مخالف للمسلك الذي يدعو إليه الكتاب، فإن الكثيرين جدا منا قد يشعرون في قرارة أنفسهم، بالشك في سلامة ما يفعلون، ومن ثم فلدي أمل كبير في أن أعدادا كبيرة منا بمجرد أن يسمعوا الرأي الذي يعبر عنه هذا الكتاب، سرعان ما يهزون رؤوسهم قائلين: "أي والله، كم هذا صحيح، وكم كنا مخطئين! بل إننا كنا نحس بذلك ولو بشكل غامض قبل أن نقرأ الكتاب"·
الموضوع هو طريقة تعاملنا مع أطفالنا وطريقة تربيتنا لهم· والمؤلفة أم لثلاث بنات، وكاتبة صحفية، وكانت تسلك هي وزوجها في تربية بناتهما ما درجنا نحن عليه جميعا من مسلك، واستقر في أذهاننا أنه المسلك الصحيح·
ثم أحست المؤلفة بسبب ما تتمتع به من فطرة سليمة أن هناك خطأ جسيما فيما تفعل، وأن كثيرا من المسلمات التي كانت تقبلها دون نقاش فيما يتعلق بتربية الأطفال، جدير بأن يطرح على بساط الشك، إذ قد يكون عكسها بالضبط هو الصحيح· وما أن خطر لها هذا الخاطر وأعادت التفكير في طريقة تربيتها لأطفالنا، وعادت تراقب ما درجت عليه هي وأقرانها من سلوك، حتى بدأ يتكشف لها يوما بعد يوم مدى الخطأ الذي تورط فيه الجميع هي ونحن!
منذ وقت طويل وأنا أشعر بأننا نعيش في عصر يدلل الأطفال أكثر من اللازم، ويظهر من الاستعداد للاستجابة لرغباتهم وأهوائهم أكثر بكثير مما هو ضروري ومفيد لنا ولهم، وأننا نعلق أهمية مبالغا فيها جدا على مدى قدرتنا على تشكيل شخصياتهم والتحكم في مستقبلهم، ونستهين أكثر من اللازم بالاستعداد الطبيعي الذي يولد به الطفل·
بعبارة أخرى، نحن نعذب أنفسنا، نحن الآباء والأمهات أكثر بكثير مما نستحق، من أجل تحقيق أشياء شبه مستحيلة، فيما يتعلق بأطفالنا· وكثيرا ما نشعر بالذنب لشيء فعلناه معهم، أو امتعنا عن فعله، دون أي مبرر للشعور بالذنب· ونضحى بجزء كبير جدا من راحتنا بل وسعادتنا وراحة بالنا من أجل أشياء وهمية تتعلق بأطفالنا·
كذلك فإننا نميل الى المبالغة فيما يحوزونه من قدرات، وما نعلقه عليهم من آمال، بل ونتعامل مع أطفالنا وكأنهم كلهم عباقرة المستقبل، وكأن كلا منهم إما بطل رياضي، أو موسيقي فذ، أو عالم جبار متى أعطيناه الفرصة لذلك، وهيأنا له أو لها الوسائل اللازمة·
وفي سبيل تحقيق هذه الآمال الكبار نرهق أنفسنا إرهاقا يفوق الطاقة ونضحي بالنفس والنفيس، ثم إننا لم نعد نصبر ولو للحظة واحدة على شعور ولو عارض بالألم أو الملل يصيب طفلا من أطفالنا، ولا نتحمل أن نرى دمعة واحدة تسيل على وجنته، أو خيبة أمل صغيرة تصيبة، أو أن يوجه إليه أحد كلمة عتاب مهما كانت رقيقة· نحن لا نتحمل حرمانه من أي شيء يطلبه أو يخطر بباله ولو انصرف عنه بعد لحظات· ونحن نحتفل بأعياد ميلاد أطفالنا احتفالات بالغة الأبهة والتكاليف، وننظر الى كل شيء من خلالهم: كيف نقضي عطلة العيد، وأين نذهب في عطلة نهاية الأسبوع، وأي فيلم سينمائي أو تليفزيوني نشاهد·· الخ· فإذا رزقنا الله بطفل ثان بعد الطفل الأول، حرمنا أنفسنا من النوم قلقا على شعور الطفل الأول وكيف نواجهه، كيف نحميه من أي شعور بالغيرة؟ فإذا احتاج الطفل الجديد الى ملابس جديدة، أحسسنا بضرورة أن نشتري مثلها للطفل الأول خوفا على شعوره· وإذا بكى الطفل الصغير واضطررنا الى أن نهرع إليه، خفنا خوفا مستطيرا من أن يجرح هذا شعور الطفل الكبير جرحا قد يبقى معه الى الأبد·
باختصار نحن آباء وأمهات معذبون ومقهورون·· وسبب عذابنا ومصدر قهرنا ليس إلا أطفالنا، أو بالأحرى نظرتنا نحن الى الأطفال· وليس هناك أي مبرر أو موجب لكل هذا العذاب، وقد آن الأوان أن نحرر أنفسنا من هذا القهر، هذه هي الرسالة التي يقولها لنا هذا الكتاب الممتع والطريف·
فهو كتاب له رسالة تحريرية بمعنى الكلمة، وإذا اقتنعت بما يقوله لك، وهو ما أرجوه، فالأثر الناتج عنه لن يكون أقل من الانعتاق الكامل·
وعندما أفكر فيما كانت عليه طفولتي أستغرب أشد الاستغراب تلك الطريقة التي أرى من حولي الآن يعاملون بها أطفالهم· إني لا أكاد أذكر أنني حصلت وأنا طفل، على لعبة واحدة كهدية، ومع ذلك فلم يصبني بسبب ذلك أي شعور بالحرمان، إذ هكذا كان حال الأطفال من حولي· لم تكن هذه الصناعة الهائلة، صناعة الألعاب، قد أصبح لها هذا الشأن العظيم في حياتنا كما أصبح لها الآن· ولكن عدم وجود مثل هذه الألعاب لا يعني بالطبع أني لم أكن ألعب· فالأطفال لا بد أن يلعبوا، وكانت إحدى ألعابي المفضلة تدور حول علبة سجائر أبي· ذلك أن أبي كان يدخن سجائر "البستاني" التي كان بداخل علبتها ورقة مفضضة فاخرة· أو بدت لي فاخرة حينئذ، كنت آخذها مما يلقيه أبي من علب، فأمسكها بكلتا اليدين وألصقها بشفتي وأنفخ فيها وأنا أحركها يمينا ويسارا، فتنتج عن ذلك أصوات موسيقية· كذلك فإني لا أذكر أن أبي أو أمي كانا ينفقان الكثير أو القليل من الوقت في التحادث معي والسؤال بالتفصيل عن أحوالي أو في محاولة تسليتي· كانت مهمة تسليتي تقع علي أنا، ومن ثم كنت أنا وإخوتي نخترع مختلف الطرق لقضاء الوقت، مما كان يطلق لخيالنا العنان، بما في ذلك اختراع شخصيات خيالية أحيانا·
تسخر مؤلفة الكتاب - بحق في رأيي - من الاعتقاد الشائع بين الآباء والأمهات في عصرنا الحالي، بأن من واجبهم إذا طلبوا من أولادهم وبناتهم أن يفعلوا شيئا ما أو أن يمتنعوا عن شيء، أيا كان هذا الشيء أن يعطوا دائما تفسيرا لهذا الطلب·
فإذا سأل الطفل معترضا على ما وجه إليه من طلب أو أمر، وهو على وشك البكاء والنحيب "ولكن لماذا؟"، كان علينا أن نشرح له دائما الحيثيات والأسباب، وأن نتجنب تماما أي صورة من صور الطلب أو الأمر تنطوي على محاولة لفرض إرادتنا على الطفل· تقول المؤلفة: إن هذا الاعتقاد يفرض على الآباء والأمهات في كثير من الأحيان ما فوق الطاقة وما لا لزوم له، وهي تقول إنها بعد أن كانت تطبق هذه القاعدة أقلعت عنها وأصبحت في كثير من الأحيان، إذا اعترضت إحدي بناتها على أمر أصدرته إليها وطالبت بمعرفة السبب، أجابتها الأم بلهجة حاسمة "السبب هو أنني قلت هذا"، أي أن عليها تنفيذ الأمر دون مناقشة أو محاكمة· ذلك أنه ليس لكل أمر تفسير يمكن أن يفهمه الطفل، والأب والأم ليس لديهما دائما لا الوقت ولا هدوء البال الذي يسمح بإعطاء تفسير لكل شيء· بل تذهب المؤلفة بحق أيضا الى أن هذا الموقف إذا استخدم في حدود معقولة طبعا، وما دامت الأوامر والطلبات لا تعنت فيها ولا ظلم، له فوائد محققة في تربية الطفل، بل وقد لا يكرهه الطفل في قرارة نفسه، فالطفل لا يكره في الحقيقة أن تكون في مواجهته سلطة حازمة، طالما كان مقتنعا بأن صاحب هذه السلطة يحبه ويبغي مصلحته·
تسخر المؤلفة سخرية تعاطفت معها تمام التعاطف، من حالة تلك الأم التي قالت لطفلها إن الوقت هو وقت الاستحمام، وإن عليه بناء على ذلك أن يدخل الى حوض الاستحمام بالمنزل، فلما رفض الطفل، لسبب غير مقبول حاولت الأم أن تسترضيه بمختلف الحجج، فلما أصر على الرفض، حاولت الأم إغراءه بأن تعرض عليه أن تنزل هي نفسها الى الحوض للاستحمام إذا قبل أن ينزل معها، فقبل الطفل ذلك· تقصد المؤلفة بالطبع أن مجرد إصدار أمر بسيط ولكن بحزم والإصرار عليه بأن على الطفل أن يستحم، كان كفيلا بتحقيق المطلوب دون أن تعرض الأم نفسها لكل هذا العذاب بل والهوان، وأن الطفل لن يصيبه أي سوء من هذا الإصرار وهذا الحزم·
وتقول أيضا إننا أحيانا نستخدم هذه اللهجة الحازمة والحاسمة إذا كان الطفل على وشك أن يفعل شيئا يهدد حياته بالخطر، فلماذا لا نستخدمها أيضا في أمور أخرى مهمة أيضا؟ تقول إن أباها وأمها كانا يستخدمان نفس اللهجة الحاسمة إذا صدرت من الابن أو الابنة في اتجاههما كلمة لا تتسم بالأدب والاحترام الكافيين، ذلك أنهما كانا لا يتصوران صدور مثل هذه الكلمة من طفل، كما لا نتصور نحن أن يعرض الطفل نفسه للخطر، الفرق بين الجيلين هو أننا أصبحنا نتساهل في أمور ليس من المفروض أن نتساهل فيها، ولم يكن جيل آبائنا وأمهاتنا يتساهل فيها·
كذلك تنتقد المؤلفة المسلك الشائع من آباء وأمهات هذا العصر في المبالغة في تلبية طلب الطفل عندما يريد أن نلتفت إلى ما يصنع ونراقبه وهو يقوم بهذا العمل أو ذاك وإبداء الإعجاب بهذا العمل مهما كان عملا عاديا إن للطفل بالطبع ميلا إلى أن يلفت نظر الكبار إلى ما يفعل، إظهارا لمهارته أو ذكائه أو بسبب اندهاشه من قدرة جديدة اكتسابها، ولم يكن يتوقع هو نفسه أن تكون لديه هذه القدرة هذا طبيعي ومفهوم تماما وإظهار الإعجاب بمهارات الطفل شيء مستحب طبعا ومطلوب تشجيعا له ودعما لثقته بنفسه، ولكن لهذا الشيء المطلوب كما لكل شيء آخر، حدودا يصبح بعدها سخيفا بل ومضرا فإظهار الإعجاب في غير محله قد يصبح هو التدليل بعينه الذي يفسد الطفل ويعوده على توقع الثناء، حيث لا موجب له ولا مبرر، كما قد يعود الطفل على الاعتقاد بأن الفائدة الوحيدة من الإتيان بعمل ما هي الحصول على الثناء والإعجاب من الغير، وليس المتعة المباشرة التي تأتي من ممارسة الطفل لقدراته، ناهيك بالطبع عن الضرر الذي يتحقق دائما إذا استقر لدى الطفل الاعتقاد بإن الكبار كلهم بل والعالم كله، لا وظيفة إلا متابعة ما يفعل والجبر بخاطره والسهر على راحته·
وتبدي المؤلفة في هذا الصدد ملاحظة، إذا صحت تكون بالغة الخطورة وشديدة الأهمية وأنا أميل إلى الاعتقاد بأنها قد تكون قريبة جدا من الحقيقة وهي أن هذه الظاهرة التي ذكرتها حالا، أي إظهار الاهتمام المفرط بكل ما يصدر عن الطفل، وتكرار ذلك بمناسبة وغير مناسبة، قد تكون هي أحد الأسباب الأساسية وراء ميل الأجيال الجديدة من الشباب إلى القيام بأعمال تتسم بالعنف أو الاستهتار والاستهانة بالقواعد والقوانين كتعمد تخريب وتشويه الممتلكات العامة، كوسائل المواصلات أو الحدائق دون أي سبب واضح، أو الاعتداء بلا مبرر على الناس في الطريق العام، أو المبالغة في ممارسة العنف في التعبير عن السخط أو التأييد في المباريات الرياضية·· إلخ فقد يكون السبب الحقيقي وراء كل هذا، أو أحد أسبابه الرئيسية مجرد محاولة للفت الأنظار يقوم بها شباب اعتاد منذ الطفولة أن يحصلوا على الاهتمام المستمر من الأب أو الأم، فلما خرجوا إلى العالم الواسع، وتعذر عليهم الحصول على نفس الدرجة من الاهتمام التي كان يعطيها لهم الأب أو الأم، أصروا على الحصول عليها بأي ثمن، فكانت هذه الأعمال العدوانية غير المفهومة وغير المبررة،
لقد عشت في إنجلترا بضع سنوات في الخمسينيات، أي منذ نحو خمسين عاما ورأيت إنجلترا في السنوات الأخيرة، فمنذ خمسين عاما لم يكن ليتصور أحد - إنجليزي أو أجنبي - أن يقوم شاب إنجليزي بإخراجه مدية من جيبه ليشوه مقعدا من المقاعد المرصوصة في حديقة عامة جميلة أقيمت لاستمتاع الناس جميعا، أو أن يحضر فرشاة وطلاء أسود ليسود بهما جدران مبنى جميل أو حائطا من الحوائط بإحدى محطات مترو الأنفاق· كان المعتقد منذ خمسين عاما أو أكثر أنه مع انتشار التعليم وزيادة الرخاء وكثرة التعرض لمختلف أنواع الفنون، سوف يرقى الحس الأخلاقي شيئا فشيئا وتصبح مراعاة الناس لمشاعر الآخرين أمرا بديهيا ومن مسلمات الحياة اليومية· فإذا الذي حدث هو العكس بالضبط، أليس من الممكن أن يكون وراء هذا التطور المؤسف تبنيا لفلسفة خاطئة في التربية ومعاملة الأطفال؟
كيف نفسر هذا الموقف الغريب الذي أصبح شائعا بيننا في تربية الأطفال؟ يجب أن ننتبه في البداية، قبل أن نحاول التفسير إلى أن هذه النظرة للأطفال هي جديدة بقدر ما هي غريبة ففي أوروبا لا ترجع هذه النظرة إلى الأطفال هو أن "الأطفال يمكن أن يروا، ولكن يجب ألا يسمعوا"·
Childrn should be seen but not heard أما في مصر، فالراجح أن هذه النظرة الجديدة للأطفال أحدث من هذا بكثير، فقد كانت نادرة للغاية قبل ثلاثين عاما، أما الآن فقد شاعت وانتشرت بشدة بين أفراد الطبقتين المتوسطة والعليا وبدأت تزحف بسرعة إلى العائلات الصاعدة من الشرائح الدنيا من الطبقة المتوسطة · إن وراء ذلك عوامل شتى: نظرة فلسفية وعوامل اجتماعية، ودوافع نفسية ليست بالضرورة هي النظرة الأكثر حكمة، أو العوامل والدوافع التي تساعد على خلق مجتمع أكثر سعادة، سواء تعلق الأمر بسعادة الآباء والأمهات أو حتى بسعادة الأطفال أنفسهم·
أما النظرة الفلسفية فتتعلق بالاعتقاد بغلبة عوامل البيئة على عوامل الوراثة، إن هذه النظرة تعود على الأقل الى القرن الثامن عشر، حيث بدأ يشيع الاعتقاد بأن الإنسان يولد كالصفحة البيضاء التي تخط عليها البيئة الاجتماعية وطريقة التربية خطوطا بعد أخرى تتشكل منها شخصية الفرد وطباعه وتحكم نمط سلوكه· كانت النتيجة الحتمية لهذه النظرة، الميل الى المبالغة في أهمية نوع التربية التي يتعرض لها الطفل منذ أيامه الأولى· ولكن هذا الاعتقاد بأهمية البيئة لم يكن كافيا بحد ذاته لأن ينتج هذه الطريقة المبالغة في التسامح في التعامل مع الأطفال، إذ من الممكن جدا أن يقترن الاعتقاد بغلبة البيئة بنظام غاية في التشدد في تربية الأطفال· وقد ساد بالفعل هذا النظام في التربية في أوروبا حتى نهاية القرن الماضي على الأقل، عندما بدأ الاعتقاد بالأهمية القصوى لنظام التربية يقترن بتفضيل التسامح على التشدد، واللين في المعاملة على القسوة· كان لأفكار فرويد قر ب نهاية القرن الماضي وفي العقود الأولى من هذا القرن أثر لا ينكر في انتشار هذا التفضيل للتسامح مع الأطفال على التشدد معهم، إذ نبهت أفكاره الناس الى الآثار المدمرة التي يمكن أن تنتج عن كبت بعض المواقع الطبيعية لدى الطفل· ولكن من المؤكد أن هذا التسامح وهذا التساهل ما كان من الممكن لهما أن ينتشرا لولا ما حققه المجتمع الغربي في هذا القرن· وعلى الأخص في نصف القرن الأخير، من شيوع الرخاء وزيادة ساعات الفراغ· إذ ما كان لأب أو أم مرهقين بالعمل، منذ أن يستيقظا في الفجر وحتى يخلدا الى النوم، من أجل كسب العيش وسد الرمق، أن يتساهلا مع الأطفال بهذه الدرجة التي نراها اليوم·
ثم زاد الطين بلة بالطبع، انتشار قيم المجتمع الاستهلاكي منذ الستينيات، فأغرق الأطفال بمختلف أنواع الألعاب ووسائل التسلية، وشاع التفنن في صنع مختلف أصناف الحلوى التي تخلب اللب بشكلها ومضمونها، وبما تتضمنه من مختلف أنواع الرموز لكل ما يطمح إليه الطفل، شعوريا أو لا شعوريا· كل هذا كان لا بد أن يصبح مرغوبا لمجرد أنه قد أصبح ممكنا· واستغل منتجو ومروجو السلع نقاط الضعف الطبيعية في الأطفال فألحوا عليهم في الإغراء، واستغلوا نقاط الضعف الطبيعية لدى الآباء والأمهات فألحوا عليهم بالخضوع لهذا الإغراء، وصوروا لهم أن الأب المثالي والأم المثالية هما اللذان يستجيبان لنوازع أطفالهما تمام الاستجابة، ولا يقاومان أية رغبة من رغبات أطفالهما مهما كانت عارضة أو تافهة· وصوروا لهم أن الامتناع أو التردد في الاستجابة لرغبات الأطفال دليل قسوة، وغلظة لا يليقان بالأب العصري أو الأم المتحضرة·
ولكن الأمر ليس بالطبع مجرد علاقة خضوع وإذعان، فالأب والأم لديهما أيضا بعض النوازع الطبيعية التي تجمل لديهما هذا الخضوع، فالمجتمع الاستهلاكي يستجيب لنزعات من الطبيعي أن توجد ولو بدرجات متفاوتة، في الناس جميعا: إشباع مختلف أنواع الحواس، وإشباعها الآن أفضل من إشباعها غدا، والرغبة في التميز عن الغير بإظهار القدرة على إشباع هذه الرغبات بأكثر مما يستطيعه هذا الغير، واتخاذ هذا الإشباع دليلا على التفوق في أمور أخرى، كاتخاذ هذه القدرة الأكبر على الاستهلاك، كدليل على التمتع بذكاء أكبر أو حيوية أشد أو طموح أبعد·· الخ، المجتمع الاستهلاكي يستجيب بالطبع لكل هذه النوازع، ولكن إشباع رغبات الأطفال بالذات، له مزايا لا يمكن إنكارها في هذا الصدد· فالأطفال بطبيعتهم أقل صبرا وأكثر لهفة على إشباع الرغبات، ومطالبتهم بالانتظار حتى الغد معناه في نظرهم الحرمان الى الأبد، وهم أكثر افتتانا بالجديد وأكثر انخداعا بالمظهر· ومن ثم، فالأطفال في نظر المستفيدين المباشرين من المجتمع الاستهلاكي، من منتجين وموزعين ومروجي السلع، نعمة هبطت عليهم من السماء، يجب استغلالها إلى أقصى حد· كذلك فإن الأطفال يحققون أيضاً وظيفة لآبائهم وأمهاتهم لا يستطيع الآباء والأمهات تحقيقها بأنفسهم، فالأطفال هم أيضاً نعمة هبطت من السماء على الآباء والأمهات يستطيعون من خلاله تمديد قدرتهم على الاستهلاك إلى أبعد مما تسمح لهم قدراتهم الطبيعة على الأكل والشرب والاستمتاع بالحياة، فهم يستمتعون بالمجتمع الاستهلاكي عن طريق غير مباشر عن طريق أطفالهم، وهم أيضاً يبعثون عن طريق أطفالهم بالغيظ والغيرة في نفوس جيرانهم ومعارفهم، وهم يشبعون عن طريق أطفالهم نفس النزعات التي قد يعجزون عن تحقيقها بطريق مباشر، كإثبات التفوق، وإثبات الذكاء والحيوية، إذ إن إي نجاح يحققه الطفل لابد أن يصيبهم منه نصيب·
لا عجب إذن أن يزيد الميل إلى الأطفال والتسامح معهم مع ازدياد درجة الحراك الاجتماعي، وسرعة انتقال الشرائح الاجتماعية الأدنى إلى أعلى· فالأطفال يقومون لآبائهم وأمهاتهم المنتمين إلى هذه الشرائح الاجتماعية الصاعدة، بما قد يعجزون عن تحقيقه: يتكلمون بلغات أجنبية حيث عجز آباؤهم عن تعلمها أو إجادتها، ويلعبون بأزرار الكمبيوتر حيث يئس الآباء والأمهات من فك طلاسمها، ويبدون من الذوق في اختيار الملابس والتعامل مع الناس ما عجزو هم عن التدرب عليه في صغرهم·
ساعدت ظاهرة المجتمع الاستهلاكي أيضاً على زيادة ميل المرأة إلى العمل خارج المنزل· فمطالب الحياة أو ما يسمى الآن بذلك في ظل المجتمع الاستهلاكي أكثر بكثير وأشد إلحاحاً مما كانت في ظل مجتمع أكثر قناعة· فالدخل الواحد الذي يحصل عليه الأب لا يكفي الآن لكل ما أصبح يعتبر من "ضروريات الحياة"، ولابد من دخل آخر تحصل عليه الأم· فخرج الاثنان يسعيان في طلب الرزق· وزاد عدد الساعات التي يقضيها الأطفال في غيبة الأب والأم مما خلق شعوراً بالذنب وخاصة لدى الأم· فإذا بها بمجرد عودتها إلى طفلها لا تدخر شيئاً في سبيل إرضائه وغير الطبيعي، المفيد منها والضار· وللطفل استعداد طبيعي لاستغلال أي نقطة ضعف يجدها عند الكبار في تعاملهم معه (أم هو استعداد طبيعي لدينا جميعاً صغارا وكبارا؟) فإذا به يستغل ما يراه في أمه من ضعف نحوه ويمعن في طلب المزيد· والأم العاملة لا تتحمل من أحد أن يبدي أي اعتراض على سلوك الطفل، مهما كان السلوك الذي يعترض عليه غريباً وغير مقبول· فإذا بالمحيطين بالأم من بقية أفراد الأسرة يرضخون لرغبتهم، فهي الأم على أي حال، وهي أدرى بمصلحة ابنها أو ابنتها، وهم زائرون عارضون وليس لهم حق التدخل بين الأم وطفلها·
والنتيجة الحتمية هي ما نراه: مجتمع يدور حول الطفل ورغباته، إذا اجتمعت الأسرة حول المائدة، فالطفل هو الذي يتحكم فيما يدور من حديث، ويتمتع بالحديث في أي موضوع آخر، فيما يهم من أمور، فإذا بهم يشتركون في تدليل الطفل أو محاولة إرضائه أو لفت نظره إلى شيء لم يكن منتبهاً إليه· والأمهات والآباء إذا قابلوا أصدقاءهم ومعارفهم فلا حديث بينهم إلا ما فعله طفلي وما أنجزه، مقارنة بما فعله طفلك وما لم ينجزه، فخر بذكائه أو اكتشاف لعبقرية دفينة بدأت تظهر، أو كلمة عارضة قالها الطفل، فإذا بها قمة الطرافة والظرف، أو ما قالته المدرسة في مدحه، أو ما حصل عليه من درجة باهرة في الامتخان··· إلخ·
لقد كانت النوادي الرياضية تستجيب في الأصل لرغبات الكبار البالغين من ذوي الميول لممارسة نشاط رياضي· فإذا بها الآن تستجيب في الأصل لرغبات الأطفال وتصبح في الأساس مكان تجمع ولقاء الأطفال والمراهقين، وأصبح الكبار يشعرون فيها أكثر فأكثر بالغربة·
تقول المؤلفة إن هذا الاهتمام المتزايد والذي فاق كل حد بالأطفال، جعل الأطفال يعاملون أكثر فأكثر وكأنهم من الكبار وبالحسرة يتصرفون أكثر فأكثر كأطفال· فالأطفال يسمح لهم بالجلوس والحديث حيث يجلس الكبار ويتحدثون، ويسمح لهم بمقاطعة الكبار إذا شاءوا، وبتقليد الكبار في كل ما كان يظن من قبل أنه قاصر عليهم· مثل تدخين السجائر أو مشاهدة الأفلام التي تصوّر العلاقات الجنسية أو أعمال العنف، أو قيادة السيارات··· إلخ·
فالسن التي أصبح يسمح فيها بممارسة هذه الأعمال يميل إلى الانخفاض شيئاً فشيئاً· ولكن الكبار، من ناحية أخرى بسبب انشغالهم المستمر بمطالب الأطفال، وحرصهم الدائم على إرضائهم وتسليتهم، يقومون أكثر فأكثر بأعمال ما كان ليخطر ببالهم القيام بها لولا هذا·
فهم ينفقون جزءاً متزايداً من وقتهم في ممارسة نفس ما يقوم به أطفالهم من أعمال، يقرأون معهم الكتب نفسها ويلعبون معهم الألعاب ذاتها، ويشاهدون معهم الأفلام نفسها، فضلاً عن الكتب التي لا يكفون عن قراءتها عن أفضل الطرق لتربية الأطفال (التي ربما كانت في الحقيقة أسوأها)، أو حضور المحاضرات والندوات عن الأطفال ومشكلاتهم، والرضوخ للمطالب المستمرة من المدرسين والمدرسات والنظار بالحضور إلى المدرسة لمناقشة هذا السلوك أو ذاك، مما قد يكون صدر عن الطفل العزيز·
كم ابتعدنا عن الحكمة في الطريقة التي نفكر بها في أطفالنا في طريقة تعاملنا معهم· نعم، ربما كان أجدادنا يبالغون في الشدة، ولكننا بكل تأكيد قد أخطأنا خطأ مريعاً بالذهاب من النقيض إلى النقيض· ربما كان أجدادنا يبالغون في قبول كل شيء وكأنه شيء طبيعي، وحتمي ولا يمكن تغييره، ولكننا ذهبنا إلى أبعد الحدود من اللازم في الاعتقاد بأننا نستطيع أن نتحكم في كل شيء ونغيّر أي شيء· ربما كان أجدادنا يبالغون في الأمل في أن يشفى الطفل المريض دون استشارة الطبيب، ولكننا أصبحنا نبالغ بشدة في الجري إلى الطبيب وإجراء التحاليل لدى أي كحة صغيرة تصيب الطفل أو لدى أي ارتفاع طفيف في درجة الحرارة· كان المفكرون القدامى يبالغون في الاعتقاد بأهمية عوامل البيئة والتربية· نعم إن هناك مجالاً للتحسين والإصلاح، ولكن هناك أيضاً أشياء يولد بها الطفل وتدخل في تركيبه الكيميائي والعصبي مما قد يتسحيل تغييره، على الأقل في حدود علمنا الحالي· لا مبرر إذن بالمرة لهذا الشعور القاتل بالذنب كلما لاحظنا عيباً أو نقصاً في أولادنا· وكأننا نحن المسؤولون عن كل ما فيهم من عيوب وأوجه نقص، وكأنه كان بإمكاننا أن نفعل ما من شأنه تخليص الابن أو البنت من هذا العيب أو النقص·
كم ابتعدنا أيضاً عن الحكمة بالرضوخ لإلحاح وإغراء المجتمع الاستهلاكي، حتى حوّلنا أولادنا إلى مجرد ميدان للمنافسة بيننا وبين أقربائنا ومعارفنا، وسمحنا لهم بالاشتراك في هذه اللعبة المميتة: لعبة المنافسة على الاستهلاك·
وكم ابتعدنا أيضاً عن الحكمة بالظن أن تربية الأطفال تحتاج باستمرار إلى استشارة الخبراء وقراءة عشرات الكتب لاستطلاع رأي خبراء علم النفس والتربية والصحة والتغذية·· الخ· وفقدنا الثقة في الفطرة السليمة والشعور العفوي الذي لابد أن يكون بوصلتنا الأساسية في تعاملنا مع الأطفال· وقد تكون هذه الفطرة وهذا الشعور العفوي في معظم الأحوال مرشداً أقرب بكثير إلى الحكمة من آراء كل هؤلاء الخبراء·
ليس في هذا المقال كل أفكار الكتاب، فالكتاب ثري ويصعب أن أتعرض هنا لكل ما فيه· ولكن ليس كل ما في هذا المقال قد ورد في الكتاب·، فقد اختلطت في ذهني بعض أفكاري وملاحظاتي ببعض أفكار الكتاب وملاحظاته، حتى أصبح من الصعب عليّ أن أميز بين هذا وذاك· ولابد أن يكون هذا الاختلاط قد انعكس في هذا المقال، وليس في هذا على أية حال ضرر كبير· كما أني أظن أن هذا هو أيضاً من سمات الكتاب الجيد: أن يستخرج الكتاب من قارئة من الأفكار ما لا يحتويه الكتاب نفسه·
*الكتب وجهات نظر - العدد السادس يوليو 1999
**أستاذ الاقتصاد بالجامعة الامريكية في القاهرة