مساعد مخرج مساعد···!
جاسم محمد يعقوب
(1)
توجيه الممثل من الأشياء المهمة التي لا بد أن يعيها المخرج·· من الملاحظ أن الممثل لدينا يتقن ميزة إلقاء الحوار لكن قلائل هم الممثلون الذين يعبرون عن الأحاسيس بنظرة عين·· أو بالتفاتة·· المشكلة ليست في الممثل المشكلة بالأساس في النص السينمائي·· فماذا يفعل ممثل مضطر لأن يمثل دورا كله حوار· سيضطر بالضرورة إلى أن يتكلم ويتكلم ويصبح العمل أشبه بعمل إذاعي··
(2)
المشكلة لدينا في كتاب النصوص للتلفزيون أنهم يركزون على الحوار وبشدة وهم معذورون بذلك·· لأن وسيط التلفزيون يتطلب (الحچي الوايد)·· بعكس السينما·· التي تتطلب حوارا مقتضبا من جمل مبتورة تصب في صلب التعبير عن الحالة النفسية أو الاجتماعية أو الثقافية للشخصية·· أعطيكم مثالاً على ذلك··
الشرطي: كم عمرك؟
الشاب: مئة سنة!
الشرطي (يصفع الشاب): لا أريد مزاحا سخيفا كم عمرك؟
الشاب: مئة وواحد·
(الحوار مقتبس من كتاب الرؤية المزدوجة تأليف: أندريه فايدا)·
أعتقد أن الحوار واضح والدلالة واضحة بالحوار··
(3)
كيف يلقي الممثل جملة معينة؟ ذلك يعتمد على الحالة النفسية للشخصية التي سيؤديها في ذاك المشهد·· مثلا كلمة صباح الخير·· حين تكون الشخصية في حالة مزاجية سعيدة بالطبع سينعكس هذا على نبرة صوته أثناء نطقها·· فتأتي مشرقة كما حالته المزاجية بينما العكس لو كان في حالة مزاجية سيئة، لنفرض أن مسؤولا عكر مزاجه وأحبطه فبالتأكيد سيقولها بطبقة صوت منخفضة··
(4)
الحالة المزاجية للشخصية في مشهد ما مرتبطة بالمشاهد السابقة واللاحقة··· هذا ما يتناساه مخرجونا "بعضهم" حتى يعرف الممثل كيف يؤدي دوره لا بد للمخرج أن يذكره بما فعل بالأمس (كما السيناريو) لأنه سيفعل كذا لاحقا (أي بمشهد لاحق) فيعطي للممثل صورة كاملة عن لماذا يفعل هذه الحركة أو تلك أو كيف سيقول هذه الجملة المخرج يعطي التبريرات لأفعال الشخصيات·· فلو فرضنا أن شخصا ما قال لنا فجأة: قم أحضر كوبا من الماء·· سأتساءل: لمن الكوب سيقول: لي أنا لأني عطشان·· عطشه هو المبرر أو الدافع الذي سيجعلني انهض وأحضر له الماء··· لكن دون مبرر سأقوم لكن لا أفهم لماذا أنا أحضر كوب ماء··
(5)
طريقة إلقاء جملة حوارية تكون نتيجة لفهم المبرر الذي دفع الشخصية لقول هذه الكلمة أو الجملة··· المسألة لدينا كما لاحظت ذات مرة في إحدى البروفات التي حضرتها كان المخرج يعلم الممثلة كيف تقول الجملة بطريقة المسرح·· لكن لم يعلمها لماذا يتوجب عليها أن تقول مثل هذه الجمل·· والنتيجة يأتي أداء الممثلة وإلقاؤها الجمل أداء اصطناعيا·· وليس حقيقيا·· لذا بعض مسلسلاتنا وتمثيلياتنا نجد التمثيل فيها مصطنعا·· ومن يتصنع أن يتصنع على الجمهور؟!
(6)
فكرة تقمص الدور فكرة خاطئة·· فليس هناك شيء اسمه أنا تقمصت دور الشخصية الفلانية·· لكن التمثيل الحقيقي أو معنى كلمة يمثل هو أن الممثل يؤدي أفعال شخص آخر واضعا نفسه مكان ذاك الشخص فيقول لنفسه ماذا أنا أفعل حين يحدث لي كما يحدث للشخصية المكتوبة·· أفضل مصطلح للتعبير عن هذا هو هذا المصطلح الإنجليزي: "What will you do if You were in my shoes" أي ماذا كنت ستفعل لو كنت مكاني·
(7)
الممثل الحقيقي يمثل بعينيه هذه مقولة صحيحة لأننا حين يحادثنا شخص نجد أننا ننظر في عينيه لنعرف مدى صدقه من كذبه·· وبعضنا يقول أستطيع قراءتك من عينيك·· نفس الكلام ينطبق على الممثل· لأن عينيه تشعان بأحاسيس الشخصية التي يؤديها فإن أداها بصدق سنتعاطف معه·· وإن أداها "كسلق بيض" سنغلق التلفاز ونلعن اليوم الذي اعتبرناه فيه ممثلا··
(8)
إحدى المرات دار نقاش بيني وبين أحد مخرجينا السينمائيين بالكويت قال لي: ليس لدينا في الكويت إخراج بمعنى الإخراج الحقيقي·· الإخراج كلمة كبيرة ونحن نقولها وننسبها للجميع بسهولة·· برأيي معه حق·· ليس لدينا إخراج هنا· نحن لدينا ممثل تعال (قول جملتك استلم فلوسك وخل الباجي على المونتاج·· ويا دار ما دخلك شر··)
(9)
حتى أثبت لكم أنه ليس هناك إخراج بمعنى الكلمة لدينا··· لماذا هناك مسمى باسم مخرج منفذ ومسمى آخر مساعد مخرج، ثم مخرج مساعد··· المخرج المنفذ؟! أتدرون ماذا يفعل هذا الذي يخرج المشهد أو اللقطة هنا بالكويت؟! أما المخرج الحقيقي فما عليه سوى الجلوس أمام شاشة المونيتور يوافق على ما يفعله المخرج المنفذ أو يعدل بعض الشيء هذا مو إخراج أبدا؟! بينما ما الفرق بين مساعد مخرج ومخرج مساعد؟ الى يومكم هذا لا أجد فرقا بين الكلمتين سوى بتبديل موقع كلمة مساعد·· إذاً أنا سأبتكر مسمى جديدا وهو "مساعد مخرج مساعد"·· ولا تسألوني عن معناه··