أسئلة السينما
جاسم محمد يعقوب
(1)
يقول المخرج البولندي أندريه فايدا في مذكراته: الرؤية المزدوجة: على المخرج أن يمثل الصلابة والمرجعية القوية الثابتة يمكن لأي شيء أن يتداعى: الطقس وصحة الممثلين وظروف العمل، لكن على المخرج أن يبقى واقفا على قدميه في الاستديو طوال الوقت في الريح والمطر، مستعدا لمعالجة أي طارئ·
أنا أقول لماذا؟ فيضيف فايدا: لأن المخرج هو مصدر الطاقة والإلهام للجميع، من ممثلين وأفراد الطاقم· إذا قضى نصف الوقت ممدا على مقعده المريح فإن مستوى طاقته لا محالة سيهبط وينعكس هذا التأثير المحبط على كل من يعمل معه·
(2)
سؤال: ما هي الموهبة؟ هي القدرة على توليف أو ربط ما كان من تجارب الحياة في الأصل منفصلا وغير متلائم أو متشابه، بل وما قد يكون متناقضا وجعله وحدة مكتملة مستقلة لها كيانها الخاص (أي العمل الفني)· تفسير الموهبة كان على لسان الشاعر والناقد ت· س إليوت في مقاله المعروف بـ "التقاليد والموهبة الفردية" وقد نشر هذا المقال عام 1919···
(3)
سؤال: ما الذي يفرق فنانا عن آخر؟ ما يفرق فنانا عن فنان هو مدى وعي الفنان بالتقاليد الفنية أو ما يمكن أن نسميه التراث الفني للفن الذي يمارسه·· فمن هذا التراث يتعلم الفنان (التكنيك) أو الصنعة· على سبيل المثال: إذا كان فنانا كاتبا مسرحيا ويعيش بيننا الآن، ينبغي عليه أن يكون على وعي تام بالتراث المسرحي منذ الأغريق الى يومنا هذا· لأن الفنان صانع والفن صنعة ولا يمكن أن يمارسها إلا من تعلمها·· ومن طريق هذا التعليم يستكشف الفنان التكنيك الخاص به··
ومني الى من يكتب سيناريوهات ولم يقرأ قصة ليلى والذئب حتى!!!
(4)
أحيانا كتاب السيناريو لدينا يفرحون إذا صاغوا فكرتهم من حادثة واقعية وينقلونها كما هي على الورق معتقدين بذلك بأن نسخ الواقع هو أرقى وأصدق أنواع الكتابة أو الفن·· الكارثة أن الجواب هو: لا·· يكتب ارسطو واضعا شروط التراجيديا في كتابه "فن الشعر" في هذا الموضوع بالذات في ما معناه: الدراما الجيدة هي ليست ما ينسخ من أحداث الحياة كما هي، إنما الدراما الجيدة هي أن نكتب ما يمكن حدوثه ضمن نسق العلة والسبب··· بمعنى··· أن لكل نتيجة سببا أي أنه لو أن فلانا قام بقتل رجل·· ونحن ندري بأن فلانا يمتاز بالأخلاق الطيبة والصفات الحميدة·· إذن لا بد من سبب جعله يقتل··· البحث عن السبب هو بداية التخطيط لكتابة سيناريو محترم·· وعلى كتابنا أن يفهموا··
(5)
ماذا نعني بفكرة مبتكرة أو أصيلة بفكرة مألوفة؟ بكل بساطة نحن لدينا بالكويت بعض الكتاب لا يفكر بالعمق إنما يكتفي بقشرة الموضوع الذي يطرحه·· لنفرض أننا سنعالج موضوع الإيدز مثلا·· قشرة الموضوع الذي بعض كتابنا تشدهم كالتالي: شاب يسافر للخارج يقيم علاقة محرمة مع فتاة هوى يعود للكويت ويكتشف أنه مصاب بالإيدز·· والثلث الأخير من السيناريو يبين مدى تألمه ومعاناته وندمه ليكون بذلك عبرة للشباب المستهتر·· ثم في النهاية يموت·· هذه الفكرة هي قشرة الموضوع·· هذا ما يحدث عادة لكن لنتناولها بطريقة غير مألوفة··
(6)
حكالي أحدهم بأن مجموعة من الشباب سافروا لدولة في شرق آسيا طالبين تغيير الجو·· فإذا بهم يمضون طوال فترة سفرهم مع فتيات الهوى·· بينما هم كذلك·· قالت إحدى الفتيات لصديقهم: بأنني مصابة بالإيدز·· هذا الشاب أصيب بنوبة حزن كبيرة واعتزل أصدقاءه ولم يعد يخرج وأخذ ضميره يؤنبه·· وحين سأله أصدقاؤه عن السبب·· وضح لهم الأمر فما كان منهم إلا أن سألوا الفتاة عن الموضوع·· فقالت الفتاة·· أنا كنت أمزح فقط!! هذه الحكاية تقول أشياء أكثر من حكاية الشاب المصاب بالفعل بالإيدز·· وأترك لكم الحكم··
(7)
إن السينما بعد كل هذا ليس لها مكان هنا بالكويت وكأنها ابن غير شرعي·· رغم ما قرأناه عن تحويل مراقبة السينما التي بالتلفزيون الى المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب·· إن كان الكلام صحيحا·· إذن فالسينما ستصبح مثل أخوتها بالفن عند المجلس الوطني·· لن تتقدم خطوة للأمام وإلا لكانت الاوركسترا التابعة للمجلس الوطني عملت شيئا·· إذن ستصبح السينما مكتبا ومقعدين واستكانة شاي··
لا يهم أين تذهب مراقبة السينما إن شاء الله لو تذهب للقمر الحل ليس بنقلها، الحل هو بتخصيص ميزانية محترمة لعمل فيلمين قصيرين بالسنة·· وعلى فكرة لا يوجد شيء اسمه مراقبة سينما بوزارة الإعلام لأنها مغلقة من بعد التحرير·· فكيف ينقلونها؟؟
* فقرة 302 من كتاب "المدخل الى النقد" د. رشاد رشدي