· المطوع يحضر أضابير أمنية للكتاب والصحفيين
· العلي يصف المثقفين بالكفرة والخونة والبهائم
· المجتمع الكويتي لن يقبل وصاية أحد عليه
عدّ الرجعيون الحكم على الدكتور البغدادي انتصارا لهم فهللوا وكبروا وزايدوا على التزام الدستور، وجعلوا ذلك مناسبة لتصفية حساباتهم مع رموز الثقافة الكويتية الديمقراطية والليبرالية والتنويرية، فأعلنوها حربا مقدسة وقرعوا طبول الحرب في كل مكان لإرهاب المثقفين وتعزيز وجودهم اجتماعيا ولا سيما أن المجتمع الكويتي بدأ يتساءل بصوت عال عن ممارساتهم وأموالهم وارتباطاتهم، فلا أحسن من طمس كل هذه الشكوك بغبار معركة رفعوا لها الرايات وأشهروا لأجلها ما يتاح لهم، وفي فورة حماستهم هذه كشفوا الكثير من حقيقة أمرهم وأهدافهم التي كانوا لا يعلنونها سابقا·
المطوع ·· والملفات الاستخارية
وفي غمرة هذه المعمعة يتحرك رجل الظل المنسي رئيس جمعية الاصلاح الاجتماعي معلنا أن جمعيته تعكف على جمع الأدلة التي تدين بعض الأشخاص لتقديمها إلى النيابة حتى ينالوا جزاءهم القانوني من خلال المحاكم، وقال إن جميع ملفات الأشخاص المعنيين ستكون جاهزة قريبا وأنهم سينالون الجزاء الذي يستحقونه بعد أن تمادوا في الباطل وتنكروا لدينهم ودين آبائهم وأجدادهم مشيرا إلى أن باب التوبة مفتوح للجميع، ومن تراجع عن غيه واستغفر ربه فلن تتخذ الجمعية أي إجراءات ضده!! كما كشف عن وجود تنسيق مع جمعيات أخرى في هذا المجال، أما هؤلاء المعنيون بـ "أضابير" المطوّع المخابراتية فهم جميع أساتذة الجامعة والكتاب وأصحاب الزوايا الصحافية الليبرالية وخصوصا الذين وجهوا انتقادات للتيارات الإسلامية السياسية والذين ساهموا في حملة الكشف عن اللجان الخيرية غير المرخصة·
وقد فات المطوْع أنه بتصريحه هذا يعطي لنفسه ولجمعيته مكانا لا يليق بهما وهو الوصاية على المجتمع والأهلية القانونية للتعرض للناس ومحاكمتهم أو ملاحقتهم أو مراقبتهم، متجاهلا وضع جمعيته القانوني الذي يمنعها من أن تكون غير جمعية نفع عام لا جهاز بوليس أو استخبارات، ومتجاهلا الهيئات الرسمية ذات الصلة وذات المشروعية التنفيذية، ظانا أنه أصبح دولة عظمى، ولم لا فإن امتداداته "عظموية" تشمل بقاعا كثيرة في العالم تغتذي على صناديقه المالية المنتشرة في جميع أنحاء الكويت·
وقد أثار تصريح المطوع قرف الشارع الكويتي الذي يعرف حقيقة هؤلاء الذين ينصبون أنفسهم حماة للدين لخدمة مصالحهم السياسية والاقتصادية، ولا سيما أن الشعب الكويتي بمختلف فئاته لن يفرط بأعز ما يملك وأجمله وهو الحرية·
العلي: المثقفون بهائم!
أما الأمين العام للحركة السلفية العلمية حامد العلي فقد اشتط في حماسته، وأسكرته النشوة حتى نضح بكل ما لديه من حقد على الثقافة والمثقفين في الكويت، حتى بلغ به الشطط في ندوة في الجهراء مخصصة للمشروع العلماني في الخليج أن يصف الكتاب بالخونة والأخباث والصعاليك والصبيان والبهائم وعملاء السفارات الغربية، وفي غمرة حماسته لم ينس أن يصب شتائمه على الأمريكان الذين فرضوا على حد قوله مرسوم حقوق المرأة في صفاقة عجيبة، وكأن هذا المرسوم لم يكن أميريا ساميا ولم يكن نتيجة لنضالات اجتماعية مديدة أثبتت فيها المرأة الكويتية جدارتها وقدرتها على العمل والعلم! هكذا يضرب العلي عرض الحائط بالدستور والقانون ليفرغ كل أحقاده دفعة واحدة·
كما لا ينسى أن الليبراليين عملاء الغرب يريدون نشر الأفكار الغربية في الوطن العربي لا سيما ما يتعلق منها بالمرأة التي يهدفون إلى جعلها تتمتع بشخصية النساء الأجنبيات التي تعتبر من لم يفض غشاء بكارتها معقدة!! أي درك وصل إليه العلي هذا؟ وكيف يتهم الناس في أعراضهم، ألهذا الحدّ بلغت به العنجهية والغطرسة؟!
ودعا العلي في محفله إلى مقارعة المثقفين الليبراليين وأنصارهم بجميع الوسائل، كما دعا مريديه المضللين أن يؤدوا أدوارهم كل من خلال مجموعته لصد الهجمات!! وطلب منهم أن يتصلوا بالفنانات والمطربات ويدعوهن إلى الطريق السليم، ولم ينس أن يكيل اتهاماته لوزارة الإعلام التي تعاملت مع قضية البغدادي تعاملا سلبيا حين سمحت بتسخير أجهزتها لوكالات الأنباء العالمية لنقل أخبار القضية·
وكفّر العلي العلمانيين والليبراليين قائلا" القضية في غاية الخطورة وعلينا التصدي لكل الأفكار السامة التي يطلقها العلمانيون الكفرة والخونة، وعلينا إلغاء كل شيء يخالف الشريعة الإسلامية"·
إن تصريحات العلي المتشنجة أوقعته في مطبات قانونية واجتماعية وفكرية كثيرة سيحاسبه عليها المجتمع كله، كما أنّ الجهات الرسمية مسؤولة مسؤولية مباشرة عن التصدي لهذا البوق الطالباني الذي يكفر المجتمع ويسخر من القانون والدستور، ويتعالى على منجزات الشعب الكويتي ويشكك في شرفه وأخلاقه·
المثقفون يثقون بالقانون
أما المثقفون الكويتيون فقد وقفوا بشجاعة "غير كافية" للتصدي لهذه المهاترات الفارغة، وكانت ردودهم في الصحافة في معظم الأحيان صدى لموقف الشارع الكويتي، وإن اتسم بعضها بالخجل أو الخوف من "أضابير العم المطوع"، غير أن المثقفين ترفعوا عن مجاراة هذه الأصوات الناشزة، الغريبة والطارئة على مجتمعنا، ولا سيما أنهم جميعا يثقون بأن القانون هو الذي له السلطة العليا، وهو على ما عليه من ملاحظات يوفر هامشا واسعا من الحرية والابداع، وما صراخ تلك الشراذم إلا صراخ يائس بائس في نهاية المطاف، والأهم من كل ذلك أن إرهاب أولئك الموتورين لم يوقف قلما حرا عن الكتابة ولا فكرة حرة عن الانتشار·
وإذا كان تراجع المطوع اعترافا بالخطأ فإنما هو مؤشر حقيقي إلى أن المجتمع الكويتي وهو الحريص والعريق في إسلامه وتقاليده لا يمكن أن تجيرّه جماعة ولا أن يقع تحت وصاية فئة، ولن يلقي بالا لهذا الترجيف والتخويف·
مؤشرات المعركة
إن هذه المعركة التي افتعلها التيار المتأسلم تدلّ على عدة مؤشرات مهمة·
- فهي أولا دليل أزمة يعيشها هذا التيار الذي لم يستطع أن يغير اتجاه المجتمع على الرغم من كل امكانياته المادية والسياسية، مما أورثه نزعة تشنجية عنيفة تتفجر للتخويف والإرهاب وهو أضعف سلاح كما أثبتت تجارب الشعوب جميعا·
- وهي ثانيا كشفت أهداف هذا التيار وتعامله مع الدستور، إذا إنه يقبل من الدستور بما يخدم أغراضه السياسية لا أكثر ولكنه في الحقيقة يتعالى عليه ويرفضه لأنه دستور مدني "كما يستنتج من تصريحات العلي"·
- وهي ثالثا كشفت أن هذا التيار يرى نفسه الشرعية الوحيدة في البلد وهو لا يتورّع عن المساس بكل ما يمثل هذا البلد إذا ما تضررت مصالحه واهتزت مكانته·
- وهي رابعا تكشف هشاشة هذا التيار الفكرية ولا سيما في عدم فهمه معنى العلمانية والليبرالية والنظر إليهما نظرة ساذجة لا أساس واقعيا لها·
- وهي خامسا تثبت أنه تيار معاد للمجتمع حين يراه "دار حرب" مادام لا يتفق مع أهوائه·
- والأهم من كل ذلك أنه تيار لا ديمقراطي لا يؤمن بتعددية الآراء والأفكار والتيارات وذو نزعة استئصالية·
لن يكف هذا التيار المفلس تاريخيا عن الاستمرار في جعجعته، ولكنه بدأ يتعرى يوما بعد يوم ويثبت أنه يتآكل فكريا فهو لم يقدم حتى الآن مشروعا حضاريا واحدا يسهم في بناء المجتمع الحضاري، وإنما يعتمد على القوة المصرفية والتجارية غير المنتجة، وهي قوة غير ثابتة·· كما يعتمد على الانتهازية السياسية وهي محفوفة بالمخاطر، وأخيرا فإن هناك أكثر من مؤشر إلى أن هذا التيار "اللاتاريخي" بدأ بالانحسار التدريجي·