رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 17-24 رجب 1420هـ -27 أكتوبر 2 نوفمبر 1999
العدد 1400

عن الفئران والإنسان وأوراق الشجر
الطبيعة هي الآلة الكاملة*

·         في أجسامنا حمالات جيدة مثل أفضل الآلات·· ففي أوراكنا وركبنا ومرافقنا تغطي الغضاريف العظام وتشكل ترابطاً مثل الكرة في تجويف، ويجرى تشحيمها بسائل خاص يسمح لها بالانزلاق فوق بعضها دون احتكاك تقريباً

·         كل منا يحتوي على فسيفساء من الجينات الجيدة والسيئة وعلى الذين يفكرون في استنساخ شخصيات مثل إبراهام لنكولن أو ديستوفسكي أن يتذكروا أن الأول كان يعاني مرضاً وراثياً في العظام والثاني كان مصاباً بالصرع!

 

م - ف – بيروتز

ندين للكيميائيين والفيزيائيين بمعارفنا حول تركيب المادة الحية وتحويل حرارة الشمس إلى طاقة كيميائية، والتفاعلات المهولة للجزئيات التي تدعم الحياة· وأول كتاب جعلني أنظر للبيولوجيا بعين المهندس وأقارن ميكانيكا الحيوانات والنباتات بالأشياء التي يصنعها الإنسان هو كتاب "مخالب القط والمقاليع" لستيفن فوجل· وتبدو الفكرة لأول وهلة غير مبشرة، فكيف يمكن مقارنة الكائنات التي تتكون في الغالب من الكربون بالماكينات المصنوعة من الفلزات؟ والكثير من آلات الطبيعة لها مقاييس جزيئية، مما يعني أنها أصغر 100 مليون مرة تقريباً من آلة السيارة· وقد صُمَّمت منتجات الإنسان عن قصد، أما ما تصنعه الطبيعة فقد تطور جزافاً وعشوائياً على مدى ملايين السنين بوساطة إعادة خلط الچينات والطفرات والاختيار الطبيعي للخواص التي أدت إلى النسل الأكثر نجاحاً لكن هذا النجاح يتطلب من ناحية أخرى أن تكون الكائنات الحية مصممة على أسس هندسية راسخة، وهو ما يحاول فوجل تفسيره·

يشرح فوجل كيف تلهم الطبيعة الإنسان بالتصميمات الهندسية أحياناً· فقد حذا أوتو ليلينثال حذو أجنحة طائر اللقلق - بعد دراستها بعناية - في صناعة أجنحة طائرته الشراعية· وأوتو ليلينثال مهندس ألماني كان أول إنسان استطاع أن يرتفع بنفسه فوق الأرض· وقد أوحت الأشكال الانسيابية للدلافين بأسجام الطائرات·

 

التلفون وطبلة الأذن

 

ولم يكن ألكسندر جراهام بل مخترع التليفون، مهندساً كهربياً، بل أستاذاً لفسيولوجيا الصوتيات في جامعة بوسطن يعلم الصم كيف يتكلمون· وقد أدى تشريح الأذن إلى تصميم أول ميكروفون· فطبلة الأذن غشاء رقيق ينقل الذبذات الصوتية إلى عظام دقيقة في الأذن الوسطى· وتقوم هذه العظام بدورها بإنتاج اهتزازات في السائل الذي يملأ قنوات الأذن الداخلية، فتشعر بها أعصاب السمع عن طريق آلية ليست معروفة حتى الآن· وبكلمات "بل" نفسه:

"لقد فكرت أنه إذا كان في مقدور غشاء رقيق مثل الورقة أن يتحكم في اهتزازات العظام التي تفوقه في الحجم والوزن، فما الذي يمنع غشاء أسمك من أن يهز قطعة من الحديد موضوعة أمام مغناطيس كهربي·· مع وجود قطعة بسيطة من الحديد متصلة بغشاء موجود في نهاية الدائرة التلغرافية"·

استبدل "بل" طبلة الأذن بلوح رقيق من الفلز وجعله متصلاً بحديد ممغنط ومحاط بملف من النحاس مثبت بشكل مستقل· كان اللوح الفلزي ينقل الاهتزازات الصوتية إلى ساق من الحديد، والتي كانت اهتزازاتها تقوم بدورها بحث تيارات كهربية متذبذبة في ملف نحاسي، تنتقل هذه الذبذبات الكهربية بواسطة سلك إلى ملف مستقبل، فتحدث اهتزازات في ساق حديدية متصلة بولح فلزي، يقوم الأخير بتحويل الاهتزازات الكهربية مرة ثانية إلى اهتزازات صوتية· وبذلك يكون "بل" قد قام بمحاكاة الأذن وجعلها تعمل في اتجاهين كمرسل وكمستقبل·

 

صناعة الورق

 

كان المصريون القدماء يصنعون الورق من نبات البردي، ثم أصبح الورق يصنع من الكتان، ثم من قطع النسيج القطني بعد ذلك· وعندما أصبحت كمية النسيج القطني تكاد لا تفي بالاحتياجات عام 1719، لاحظ عالم الحشرات الفرنسي رينيه - انطوان ريامور أن الدبور الأمريكي يصنع ورقاً رقيقاً من الخشب· ونشر ريامور مقالاً اقترح فيه محاكاة هذه العملية· ألهم مقال ريامور الإنجليزي ماثياس كوبس من مدينة لندن أن يقوم بصنع الورق من القش والخشب عام 1800· ضمن كوبس هذه الوصفة في كتاب عن تاريخ صناعة الورق، لكنه أفلس بعد أن قام بتشييد طاحونة كبيرة· استغرق الأمر عدة عقود بعد ذلك قبل أن يصبح إنتاج الورق من الخشب أرخص من الورق المصنوع من قطع النسيج·

 

الآلة والطبيعة

 

كتب فوجل عن فيلكرو كمثال آخر لرجل ينسخ عن الطبيعة· كان جورج دي مسترال المهندس السويسري  قد شاهد كيف يعلق الشوك بجوار به وبكلبه بعد نزهة في التلال، وأن لهذا الشوك خطاطيف دقيقة في أطرافه، فاستخدم هذه الفكرة في إنتاج لبد النايلون· وتذكرنا مثل هذه الأمثلة بوجهة نظر ديكارت: إن الفارق الوحيد الذي يمكن أن أراه بين الآلات والأشياء الطبيعية هو أن عمل الآلات يتم بواسطة أدوات كبيرة للدرجة التي نحسها وندركها (كما يتطلب ذلك إمكانية التحكم فيها يدوياً بواسطة البشر)، بينما تعتمد العمليات الطبيعية دائماً على أجزاء صغيرة، حتى أنها تقريباً تفلت من إحساسنا بها·

وقد شحذ العلماء أحاسيسنا حتى أننا يمكن أن نرى كيف صممت هذه الأجزاءالصغيرة وكيف تعمل· وآلات الطبيعة هي جزيئات البروتين، أي التجمعات المعقدة من آلاف الذرات من عناصر الكربون والأوكسجين والنيتروجين والهيدروجين والكبريت، وهي أصغر ألف مرة من أدق الأشياء التي يمكن تمييزها بالميكروسكوب الضوئي، لكن الميكروسكوب الإلكتروني جعلها مرئيية· وهناك تقنية فيزيائية أخرى في هذا الشأن هي دراسة البللورات بالأشعة السنية (أشعةX)، التي تمكننا من اكتشاف ترتيب الذرات المفردة داخل هذه البللورات· وقد بينت هذه الطرق أن العضلات تنقبض بالتداخل بين نوعين من ألياف البروتين المستقيمة الطويلة المتماسكة، التي تسمى ميوسين وأكتين· وللميوسين زوائد على طول امتداده كالمجاديف· وبعد كل حركة أمامية تتشبث هذه المجاديق بأقرب ألياف من نوع الأكتين، أما في الحركات الخلفية فإن المجاديف تدفع ألياف الأكتين بالنسبة للميوسين· وهكذا تعمل العضلات مثل القوارب التي تسير بواسطة المجاديف الموجودة على جانبيها·

ومردود الشغل لعضلاتنا محسوباً بالوزن يماثل مردود المحركات الكهربية ونصف مردود محركات السيارات، لكن توربينات الطائرات أقوى ثلاثين مرة· وبالنسبة لكفاءة الأداء، فإن العضلات قريبة من التوربينات الغازية أو الآلات التي تعمل بالمكابس أو المحركات الكهربية· فجميعها تحول %20 فقط من الطاقة المستهلكة إلى شغل ميكانيكي· وتأتي تلك الطاقة في جميع الكائنات الحية من الوقود البيولوجي العالمي ثلاثي فوسفات الأدينوسين، الذي يرمز له اختصاراً ATP، وهو ينتج بواسطة آلة غريبة أمكن فهمها ووصفها فقط بعد أن نشر فوجل كتابه·

وفي عام 1997 حصل زميلي جون ووكر على جائزة نوبل في الكيمياء من كشف غموض البنية الذرية وآلية عمل تلك الآلة، التي اتضح أنها توربين جزيئي· ومحور هذه الآلة عمود بروتيني محاط بستة جزيئات من البروتين التي تحفز تخليق ATP في ثلاث خطوات كيميائية· يدور التوربين بمعدل 150 دورة في الثانية تقريباً، وهو أثناء ذلك يمخض جزئياً واحداً من ATP في كل دورة· وتأتي القوة الدافعة للتوربين من مولد (دينامو) بروتيني وقوده احتراق السكريات· وقد تم تفسير تركيب هذا المولد مؤخراً فقط بواسطة الباحثة دانيلا ستوك من معمل هيئة البحوث الطبية في كمبريدج· وإلى حد علمنا فإن نفس الآلة لابد أن تكون موجودة في كل كائن حي من البكتريا وحتى الإنسان· وبذلك لابد أنها ظهرت مبكراً جداً في عملية التطور·

 

أهداب البكتريا وعجلات النقل

 

وقد اكتشف علماء البيولوجيا في السبعينات أن لبعض البكتريا أطرافاً مثل الأهداب تعمل هي الأخرى بالتوربينات، وتسمى فلاجيلا أو السوطية، وهي تعمل كالرفاص - الداسر·

 وتوجد بالقر ب من توربينات أجهزة استشعار أو أنوف جزيئية تستطيع أن تشم الغذاء· وتتوقف الرفاصات عن العمل في غياب الغذاء، لكن ما إن تشم أجهزة الاستشعار الغذاء حتى تندفع البكتريا في اتجاهه· ومازلنا لا ندرك كيف تعم التوربينات ولا كيف تنشط أو تتوقف عن العمل· ومن المحتمل أنها تدور مثل ما تدور مصانع ATP·

طورت الطبيعة التوربينات الجزيئية، لكنها لم تطور العجلات، وكذلك لم تفعل المجتمعات البدائية، لأن العجلات تحتاج إلى طرق، فلا يمكن لعجلات العربات أن تسير فوق مطبات أعلى من ربع قطر العجلات، كما أن العجلات تغوص في الرمال·

كتب فوجل يقول: "إن المصريين القدماء قد نقلوا الكتل الحجرية التي تزن كل منها 2.5 طن لبناء أهراماتهم بواسطة دحرجتها على قطع خشبية، وأن هناك رسومات مصرية وآشورية لتماثيل عظيمة موضوعة فوق زلاجات وتسحب بواسطة أعداد كبيرة من الرجال· ولكن المهندس باري من كمبريدج وهو أسترالي المولد، اكتشف دليلاً على أنهم قد استخدموا طريقة أكفأ· يحتوي هرم خوفو الأكبر على 2.3 مليون كتلة حجرية تزن في المتوسط 2.5 طن، وبعضها يصل وزنه إلى 6.7 طن· والاعتقاد السائد أن الهرم قد تم بناؤه في عشرين سنة فقط·

وقد حسب باري أن الأحجار لابد أن تكون قد رصت في أماكنها بمعدل حجر واحد كل دقيقتين خلال ساعات النهار· وكل الطرق المقترحة حتى الآن أبطأ من أن تحقق هذا المعدل السريع لنقل الأحجار من المحاجر البعيدة إلى الموقع، كما أن رفع هذه الكتل إلى مواضعها قد يسبب حوادث، وبالأخص الكتل الجرانيتية الثقيلة اللازمة لحجرة الملك·

أوحت الأشياء الخشبية الصغيرة الشبيهة بمهد الطفل، والموجودة في رسوبيات الأسرة الحديثة، أوحت لباري بفكرة مفادها أن هذه الأشياء تشبه الأراجيح الضخمة المستخدمة لتغليف الكتل الحجرية الكبيرة لتتحول بذلك إلى عجلات يمكن دحرجتها على الأرض، ولتحويلها إلى عجلات دائرية لابد من تثبيت أوجوحة على كل جانب من الجوانب الأربعة للكتلة الحجرية· وقد حسب باري أن زحلقة حجر كتلته 2.5 طن فوق سطح مستو يتطلب خمسة وعشرين رجلاً تقريباً، بينما لا يتطلب دفع نفس الحجر كعجلة دائرية ليدور إلا رجلين فقط· أما رفع الحجر الدائري لأعلى فيحتاج إلى قوة ربع العدد من الرجال اللازم لزحلقته لأعلى· والطريقة التي يقترحها باري هي الأكثر احتمالاً أن تكون قد استخدمت بواسطة أناس أذكياء جداً ومتطورين، وليست الطرق البدائية التي كانت مقترحة سابقاً·

لا تصنع الطبيعة عجلات، ولكنها تصنع حمالات جيدة مثل أفضل الآلات· ففي أوراكنا وركبنا ومرافقنا تغطى الغضاريف العظام، وتشكل ترابطاً مثل الكرة في تجويف· ويجري تشحيمها بسائل خاص يسمح لها بالانزلاق فوق بعضها بدون احتكاك تقريباً·

طورت الطبيعة كذلك حقنا جزيئية، تماماً مثل الذي يقال عن البراغيث الصغيرة من أن لها براغيث أصغر كثيراً تلدغها في ظهورها· فالبكتريا كولي تعضها الفيروسات التي اكتشفها في بداية القرن الحالي الطبيب الفرنسي ديريل وأطلق عليها اسم النهمة للبكتيريا (بكترويوفيج، وكلمة فيج مأخوذة عن الإغريقية بمعنى الشره أو الأكول النهم· تتكون فيروسات ديريل النهمة من أسطوانة من البروتين تعمل كحاوية للسلاسل الطويلة من DNA الحاملة للجينات· وتحتاج أبسط الكائنات إلى حوالي 250 منها لتعريفها· ويرتبط بالأسطوانة ذيل له ألياف طويلة في نهايته· يشد النهم نفسه إلى ضحيته بواسطة هذه الألياف ثم يتقلص الذيل بعدها ويقوم بحقن الدنا DNA داخل البكتريا· يبدأ الدنا في تكرار نفسه ويوجه عملية التخليق في اتجاه تكوين المزيد من مجموعات البروتينيات اللازمة للنهم· تنفجر البكتيريا الميتة بعد 20 دقيقة، وتطلق ما يقرب من مئتين من الذرية النهمة· وتعتبر هذه الفيروسات النهمة من أسرع الكائنات المعروفة تكاثراً· كان ديريل يأمل أن تصبح فيروساته النهمة سلاحاً فعالاً ضد الإصابة بالبكتيريا، لكن آماله أحبطت·

 

معادلة الجري والسباحة والطيران

 

1 ـ لكائنات الحية تجري وتفقز وتسبح وتطير، ويركز فوجل في الكثير من أجزاء كتابه على الأسس الهندسة لحركتها· ومرونة العضلات محدودة، فهي عندما تنقبض لا تعود للتمدد إلا إذا ساعدتها على ذلك عضلات أخرى أو أجزاء مرنة مشدودة إليها أو تحت تأثير الجاذبية· ويشرح فوجل ذلك:

"نحن نقتصد الطاقة بطريقة مشيناً بواسطة اختزان القليل منها (من الطاقة) في حركة تشبه البندول بين الخطوات· فعندما نسير أسرع من فترة اهتزاز أرجلنا كبندول بين الخطوات، فإن أرجلنا تبدأ في الركض، وتبلغ هذه السرعة خمسة أميال في الساعة في حالة إنسان متوسط الحجم·

وعندما يجري أو يقفز الكائن، فإنه يختزن الطاقة في أربطته المشدودة والتي تتكون من سلاسل من البروتين، يبلغ أقصى تمدد مرن لها %10 من طولها، وهو كاف لإتمام قفزة الكنجارو· وعند الهبوط بعد القفز تتمدد الأربطة مرة ثانية لتساعد الكائن في الارتفاع أثناء القفزة التالية، ويستخدم %40 فقط من الطاقة المختزنة في المساعدة على الارتقاء أثناء القفز، بينما تفقد بقية الطاقة على شكل حرارة· وقد يبدو ذلك اهدارا للطاقة، لكن معظم الآلات التي يصنعها الإنسان تفقد أكثر من ذلك وتختزن البراغيث الطاقة المرنة عن طريق انضغاط خف مرن مكون من بروتين له خاصية العودة السريعة إلى شكله الأصلي· ويؤدي إطلاق الضغط إلى ارتقاء البرغيث في قفزة يبلغ طولها عدة مئات من المرات أطول من البراغيث نفسها· وقد تكون هي المقاليع المشار إليها في عنوان كتاب فوجل"·

تعود الفيزيائي الروسي بيتر كابيتسا أن يطرح على طلابة في الامتحان سؤلاً: ما هي السرعة التي لابد أن يسير بها السيد المسيح فوق سطح الماء دون أن يغرق؟ إذا استخدم بطني قدمه كلوح للحركة على سطح الماء· فإنه لابد قد احتاج لسرعة مهولة حتى تتمكن المساحة الصغيرة لبطني قدمه من رفعه فوق الماء· وتستطيع بقة الماء التي وزنها أقل من ذلك مئة مليون مرة أن تفعل ذلك بسهول؛ لأن الماء مغطى بطبق من جزيئاته ملتصقة ببعضها البعض - ظاهرة الشد السطحي في السوائل - للدرجة التي تحفظ البقة طافية بأقدامها الستة المكسوة بالشمع· وتفضل الحيوانات والطيور البحرية، مثل البطريق، السباحة تحت الماء على السباحة فوق سطحه، وهي تطفو من أجل التنفس فقط· ويشرح فوجل ذلك قائلاً: "إن حركة من يسبح تحت الماء لا يقاومها إلا سحب الماء الملاصق للجسم، ويمكن إنقاص هذه المقاومة بجعل الجسم إنسيابياً، كما في الحوت أو الدولفين· ومن جهة أخرى، فإن المقاومة التي يلقاها من يسبح طافياً على السطح تتضمن مقاومة الموجات التي يولدها· ويبلغ طول الموجة طول الجسم نفسه، بينما تتناسب سرعتها من الجذر التربيعي لطولها، أي أن السرعة تتضاعف بزيادة طول الموجة أربع مرات· وإذا حاول السباح أو السفينة أن تسبح أسرع من موجاتها فإن عليها إما أن تخترق هذه الموجات أو تظل تصعد ضدها بصورة دائمة· وتقدر هذه السرعة بالنسبة لسفينة طولها مئة قدم، لكنها لا تزيد على ميل ونصف في الساعة في حالة البطة، أي أبطأ عشرين مرة من سرعة البطة في الهواء، لكنها تستطيع السباحة أسرع من ذلك تحت الماء·

 

الفرق بين سقوط الاقزام والفئران

 

كان عالم الجينات الشهير هالدان رجلاً ضخماً قوي البنيات له شارب قصير، وقد تلقى تعليمه في إيتون وكان يرتدي التويد وخيل لمن يراه أنه دعامة من دعامات المبنى، لكنه كان إنساناً نشطاً يكتب عموداً علمياً كل أسبوع في الديلي وركر· ويسترجع فوجل المقال الساخر الذي كتبه هالدان في عام 1927 "عن الحجم المناسب"، ويتناول فيه النسبة بين طول الحيوان ووزنه· فالعمالقة من قصة جوليفر في بلاد العمالقة والذين يبلغ طول الواحد منهم مئة قدم، لابد أن يكون وزنهم 280 طناً أو 4600 مرة أثقل من جوليفر· وحيث إن عظامهم كانت أسمك 300 مرة فقط، فإنهم لابد أن يكونوا قد انسحقوا تحت تأثير هذا الثقل· أما الأقزام من قصة جوليفر الأخرى فكان طولهم لا يزيد على ست بوصات· ولابد أنهم قد استفادوا من إمكانية سقوطهم من ارتفاعات شاهقة دون أن يحدث لهم أذى، وذلك لأن سحب الهواء سيتسبب في إبطاء سقوطهم أكثر مما يفعل مع رجل كامل الحجم· ويتناسب سحب الهواء الذي يبطئ من سرعة سقوط الأشياء مع مساحة سطح الجسم· وتبلغ نسبة مساحة سطح القزم إلى وزنه ست عشرة مرة أكبر من نفس النسبة لرجل كامل الحجم، وهو ما يبطئ من سرعة سقوط القزم، وتزيد كثيراً هذه النسبة في حالة الفئران مما يجعلها تنتفض واقعة ثم تأخذ في الركض دون أن تصاب بأذى عندما تسقط من فتحات المناجم العالية·

ويشير فوجل إلى إحدى المساوئ التي كانت ستصيب الأقزام ولم ينتبه إليها هالدان: فالحرارة التي تفقدها الحيوانات تتناسب هي الأخرى مع نسبة مساحة سطحها إلى وزنها، وبذا فإن الأقزام كانت ستفقد الحرارة بمعدل أسرع من جوليفر بست عشرة مرة، وكانت ستتجمد حتى الموت في الطقس البارد· ولهذا السبب يجب الحفاظ على دفء الأطفال، وعلى أصغر الحيوانات من ذوات الدم الحار، مثل الزبابة (حيوان صغير جدا كالفأر)، وعلى الطيور الطنانة أن تظل تأكل باستمرار لتحتفظ بأجسامها دافئة· وتقوم هذه الحيوانات بخفض درجة حرارة أجسامها ليلا وكأنها في بيات شتوي لإنقاص الفاقد من الحرارة·

 

مقاومة الاشجار للعواصف

 

ويمتدح فوجل كثيرا مزايا تقوس الأشياء، فأرفف الكتب ترتخي لأنها مستوية، ويمكن تقليل هذا الارتخاء بجعلها مقوسة أو باستخدام حزمة من الدعامات· وتتقوى أنواع كثيرة من أوراق الشجر بالتقوس قليلا، لكن ذلك يجعلها تمسك بالريح مما قد يتسبب في صرع الشجرة أثناء العاصفة· وقد وجد فوجل تفسيرا في هذا الشأن، فقد قام بتعليق أوراق الشجر في نفق تمر به ريح شديدة بسرعة تماثل سرعتها أثناء العاصفة، وذلك لقياس قوة سحب الهواء على الورقة الواحدة· وعندما أمسكت العاصفة بأوراق القيقب أو نبات الحور، فإن هذه الأوراق قد استدارت على نفسها لتصبح في شكل مخروط وتقلل ما أمكن من سحب الهواء·

 

مقاومة الضغط

 

ويتناول الفصل المخصص للإجهاد من كتاب فوجل - الإجهاد بواسطة الضغط والشد - ما تتعرض له الكاتدرائيات والجسور، لكنه لا يعرض إلا القليل من البنية الرائعة للعظام بما في ذلك الأسنان· صممت الكاتدرائيات القوطية لتقاوم الضغوط، فالأسقف المقوسة تضغط على الجدران للخارج، أما الدعامات الخارجية فتضغط للداخل، مما يجعل القوتين متزنتين تقريبا·

ومن جهة أخرى فإن فيليبوبرونيليتشي، قد أحاط القبة العظمى لكاتدرائية سانتا ماريا ديل فينوري في فلورنسا بسلسلة حديدية ثقيلة ليوازن الشد الواقع على محيطاها· ويستخدم المهندسون مادة مركبة مقاومة لكل من الضغط والشد مثل الخرسانة المسلحة بقضبان من الصلب· أما في الطبيعة فإن الخشب مادة مركبة من ألياف السيليلوز وغرام الليجنين، والعظام مادة مركبة من زلياق البروتين المصنوعة من الكولاجين مع معدن يماثل الخرسانة هو فوسفات الكالسيوم· وتتكون أسنان الفأر القواطع من هذا المعدن الصلب مرصوصا في طبقات متعامدة على بعضها مثل الحزم المتقاطعة في الأسقف، الأمر الذي يمنح الأسنان قوة عظيمة ومقاومة عالية للحت (التآكل)·

وقد أصابني الإحباط عندما وجدت أن فوجل لم يورد أي إحصائيات لمقارنة قوة الحزم الخشبية بالعوارض الحديدية أو العظام بالأنابيب الصلب أو الأربطة بخيوط النايلون، وهي الأمور التي يجب على المهندسين التفكير فيها عندما يقومون بتصميم الأطراف الصناعية·

 

كسارة البندق

 

يذكر فوجل نوعين من الروافع: مكبرات القوة التي يستخدمها الإنسان ومكبرات المسافة المستخدمة في الطبيعة· فكسارة البندق تزيد من قوة يد الإنسان بأن تجعل الذراع بين اليد ومحور الارتكاز طويلة، بينما تكون الذراع بين البندقية ومحور الارتكاز قصيرة· أما أجنحة الحشرات فإنها ترتكز بحيث تنقل القوة لمسافة طويلة من محور ارتكازها· وتتصل أجنحة بعض الحشرات بقطع مرنة تقوم بهز الأجنحة لأعلى فأسفل بمعدل يفوق ألف مرة في الثانية· ويزخر كتاب فوجل بأمثلة أخرى كثيرة من التصميمات الهندسية في الطبيعة· والموضوع الدائم في الكتاب هو إبداع الطبيعة الذي يستعرضه فوجل بحماس غير محدود، وبلغة علمية خالية من الرطانة·

تتضمن صيانة التصميمات الهندسية عملية استبدال الأجزاء، وقد أصبحت عمليات اسبتدال الركب والأوراق روتينية، لكن معظمنا يعيش بالأعضاء والمفاصل التي ولدنا بها ذلك لأن الخلايا المصنوعة منها هذه الأشياء تستبدل باستمرار بخلاليا جديدة ويعد هذا الأمر حيويا لأن الكثير من البروتينات غير مستقر أي أنها تتفكك إلى مركبات أصغر يعاد تدويرها أو تفرز خارج الجسم إذا لماذا لسنا خالدين؟ جزئيا بسبب إغفال نظام الصيانة لقلوبنا وأدمغتنا وجزئيا لأن هذا النظام معرض للخطأ وأن الأخطاء يمكن أن تتراكم مع الزمن وقد نتمكن من برمجة أمد حياتنا چينيا بواسطة تركيبات من دنا DNA تتصل بنهايات الكروموسومات أو بوسائط أخرى ليست معروفة بعد·

 

التفاعل الكيميائي وخلق الاشياء

 

صنع فرانسوا جاكوب اسمه العلمي باكتشافه كيفية تنشيط وإيقاف عمل الجينات في البكتريا وقد أصبح معروفا ككاتب لسيرته الذاتية "التمثال الباطني" وهو يسأل في كتابة "عن الذباب والفئران والإنسان" ما الذي يجعل بويضة ملقحة تتطور أخرى ليست معروفة بعد·

صنع فرانسوا چاكوب اسمه العلمي باكتشافه كيفية تنشيط وإيقاف عمل الجينات في البكتريا وقد أصبح معروفا ككاتب لسيرته الذاتية "التمثال الباطني" وهو يسأل في كتابه الأخير "عن الذباب والفئران والإنسان" ما الذي يجعل بويضة ملقحة تتطور إلى فأر أو ذبابة أو إنسان؟ ويقول؟

"الشيء الرائع·· في ظهور إنسان جديد ليس الوعاء الذي جرت فيه أولى الخطوات كما أنه ليس حتى اتمام عمل كل التطور في أنبوبة اختبار إن العملية نفسها هي الشيء الذي لا يصدق انه التقاء الحيوان المنوي بالبويضة الذي ينشط مجموعة هائلة من مئات الآلاف من التفاعلات الكيميائية التي تتابع وتتقاطع وتتداخل مع بعضها البعض في شبكة مرتبة غاية في التعقيد والصعوبة كل ذلك من أجل أن يظهر طفل بشري وليس بطة صغيرة أبدا أو زرافة أو فراشة"·

كيف يمكن أن نخترق هذا التعقيد ونكتشف ما الذي يتحكم في هذه الفروق أثناء تطور الأنواع المختلفة؟ تتكون أجسام جميع الكائنات على الأغلب من البروتينات الآلات التي تجعل الكائنات حية وتكمن مخططات هذه الكائنات في الجينات التي يملك الإنسان منها حوالي 80000 وقد يفكر أحد أن الفروق بين الأنواع لابد أن تنعكس فروقا في بنية البروتينات لكن الأمر ليس كذلك فبنية جزئيات البروتينات التي لها وظائف متماثلة ــ وموجودة في أنواع بعيدة عن بعضها ــ قريبة الشبه من بعضها لدرجة أنها لا يمكن أن تكون هي التي تحدد الاختلافات الكبيرة "الواضحة" بين هذه الأنواع وتحتوي بعض الأنواع على بروتينات غير موجودة في أنواع أخرى وتملك الكائنات العليا جينات أكثر من الكائنات الدنيا، ولذا فإنها تحتوي على باقة أكبر من البروتينات التي لها وظائف مختلفة، ورغم ذلك، فإن تنوع الأنواع يخفي وحدة مذهلة في تركيب جزيئاتها·

جاء أول حل لمشكلة العوامل التي تحدد تطور الكائنات من دراسة أجريت على ذبابة الفاكهة الوديعة - محبوبة علماء الجينات فهناك ذبابات تنبت لها أرجل في رؤوسها في المكان المفترض أن تكون فيه قرون الاستشعار ويقع الجين المطفر المسؤول عن هذا المسخ في أحد كروموسومات الذبابة، وهو ينتمي لعائلة من الجينات التي تحدد مخطط جسم الذبابة ترى هل تنفرد الذبابة بهذه الجينات أم أن جينات مثلها تتحكم في تطور الجنين البشري؟ كان على الإجابة عن هذا السؤال أن تنتظر حتى اختراع تقنية "إعادة تركيب الـ DNA" من مصادر مختلفة وهي التقنية التي جعلت من الممكن عزل ونسخ وتضخيم جينات من الذبابة وإدخالها في فأر أو العكس·

ويصف فرانسوا جاكوب مجموعة من الجينات التي تتحكم في تتابع تطور الجنين - وذلك على طول المحور من الأمام إلى الخلف - في يرقة الذبابة فيقول:

"لم تكن هناك إلا فرصة ضعيفة في وجود هذه الجينات في كائنات أخرى غير الحشرات إذا أخذنا في اعتبارنا كم تختلف تطورات الأجنة فيها لكن الناس بحثوا عنها في كل شيء وقد صعقوا دهشة عندما وجدوها في كل مكان: أولافي الضفدعة ثم في الفأر ثم في الإنسان وفي الطفيليات وفي الديدان وباختصار فإننا نجد مجموعة من الجينات مماثلة لجينات الذبابة في جميع الحيوانات وفي كل مكان كان يبدو أن دورها واحد لا يتغير: تحديد شخصية الخلايا المختلفة على طول المحور من الأمام إلى الخلف في الحيوان فإذا أخذنا ذبابة مطفرة تفتقد أحد هذه الجينات وأدخلنا في مكانه الجين المماثل مأخوذا من فأر فإنه سيقوم بالعمل ويضطلع بنفس الوظيفة مثل الجين الطبيعي للذبابة·

 

أعين الحشرات

 

تختلف أعين الحشرات عن أعين الحيوانات اختلافا أساسيا فالذبابة تركز الضوء من زاوية عريضة من خلال مئات من الجوانب المنفصلة بينما تركز الحيوانات الضوء من زاوية ضيقة من خلال عدسة وحيدة وبذلك كان يمكن أن نتوقع أن يخضع تطور أعينهم لجينات مختلفة لكن لدهشة الجميع اتضح أن هذا غير صحيح تفشل بعض ذبابات الفاكهة في تطوير أعين لها وهو عيب يرجع إلى طفرة في واحد من جينين اثنين وعندما أضاف علماء الجينات الجين المماثل المأخوذ من فأر إلى الذبابة فإن الذبابة قامت بتطوير عين ذبابة زائدة وليس من فأر·

وبالمثل فإن الفأر الذي استبدلنا له جين التحكم في تطوير العين بجين مماثل مأخوذ من الذبابة، قام بتطوير عين فأر طبيعية، ولا تتكون أعين عند بعض أطفال البشر الذين يولدون ميتين وقد اتضح أن هذا العيب راجع إلى تطفر نفس الجينات التي تتحكم في أعين الذباب·

ويثير هذا الاكتشاف نفس السؤال الذي حير تشارلز  داروين: كيف يمكن لعضو معقد ورائع مثل العين أن يكون قد نشأ بالتطور والانتخاب الطبيعي وليس بتصميم وتنفيذ خالق محيط بكل شيء؟ كان عالم البيولوجيا ارنست ميير  يعتقد أنه يملك على الأقل إجابة عن هذا السؤال وذلك عندما بدا أن الأعين قد تطورت مستقلة في حوالي أربعين نوعا مختلفا لكن إذا كان نفس الجين ينشط تطور العين في جميع الأنواع فإن ذلك يعني أن جميعها قد تطورت من خلية واحدة حساسة للضوء نشأت مبكرا أثناء التطور·

لم يقدم هذا الاكتشاف الإجابة عن سؤال داروين ولكنه زاد المشكلة غموضا فإذا كان نفس الجين هو المسؤول عن تطور العين في الانسان وفي الذبابة، إذاً لماذا تختلف فيهما العين بهذا الشكل؟ يقترح عالم البيولوجيا السويسري والتر جيهرنج أن الجين الوحيد في الإنسان يقوم بتنشيط شلال من حوالي 2500 جين أخرى، وتشفر هذه الجينات 2500 بروتين مختلف يتحكم التداخل المعقد بينها في نمو العين وبعض هذه البروتينات قد تكون مشتركة بين الإنسان والذباب أما البعض الآخر فمختلف ونحن لا نكاد نعرف شيئا عنها ·

 

حل لغز الجينات

 

هل سنتمكن يوما ما من حل اللغز المعقد لطريقة عمل الجينات؟ ويتساءل جاكوب في الفصل الختامي لكتابه عما إذا كان هناك حد للمعرفة العلمية فمثلا قد يبطىء البحث العلمي من مسيرته لانه أصبح متسعا ومفصلا بشكل يصعب تخيله "مثل البناية لا يمكن أن ترتفع إلى مالا نهاية" أم أنه لابد أن يوجد حد لإدراكنا الذي يمكن "أن يكون مثل الشبكة التي لا تستطيع الإمساك إلا بالسمك الأكبر من فتحاتها أو مثل الميكروسكوب الذي لا يستطيع أن يوضح التفاصيل الأصغر من مقدرة عدساته على الفصل" لابد في الواقع أن يكون هناك حد لدرجة التعقيد التي يمكن أن نفهمها بالتفصيل مثل التداخل بين آلاف الجينات أو بلايين النيرونات "الخلايا العصبية" في أدمغتنا، ويبدي جاكوب تخوفا "قد لايكون المخ البشري قادرا على فهم المخ البشري" وأشاركه هذا التخوف·

ومقولة جاكوب التي يكررها في كتابه هي أن الكثير من التطور وقد حدث لأن الطبيعة تعيد ترتيب الأشياء تماما مثل الميكانيكيين الذين يصنعون سيارة جديدة بتجميع أجزائها من عدة سيارات قديمة ومختلفة فالطبيعة تصنع الجينات الجديدة التي تشفر بروتينات لها وظائف جديدة إما بجمع قطع صغيرة وشظايا من جينات كثيرة موجودة أصلا ورصها بطريقة جديدة أو بإحلال قطع وشظايا محل أخرى في جينات قائمة·

لكن كيف تنشط هذه العمليات في اتجاه معين وليس في اتجاه آخر؟ يقول جاكوب:

"يشبه العالم الحي كله نوعا من النصب المشيد من قطع صغيرة·· يمكن سحب القطع وإعادة وضعها بطرق مختلفة لتعطي اشكالا متنوعة لكن تظل كل القطع باقية"·

فمثلا يعمل "تعبير الجينات عن نفسها" أي انتاجها للبروتينات بواسطة بروتينات معروفة باسم عوامل النقل "أو النسخ" ولكل جين توليفة خاصة من هذه العوامل، يتحد هذا العامل بالجين لدى تلقيه إشارة نوعية خاصة كهورمون الإنسولين مثلا وهناك المئات إن لم يكن الآلاف من عوامل النقل "أو النسخ" المختلفة كلها مصممة بحيث لا يفرق بينها إلا مجرد بضع شظايا أو قطع صغيرة في مواضع متباينة تجعلها تستجيب لاشارات كيميائية مختلفة ومن ثم تتحد مع جينات مختلفة·

وتشكل التوليفات الجديدة لجينات الوالدين أساس التفرد الوراثي يقول جاكوب "يختلف كل واحد منا عن بقية البشر الذين عاشوا والذين يعيشون الآن والذين سوف يعيشون على الأرض إلا إذا كان البشر على درجة من الجنون بحيث يقومون باستنتساخ أنفسهم·

ويعترض جاكوب بشدة على اليوجينيا "الانتقاء الوراثي للبشر بحيث تتم تنقية الجنس البشري من الجينات المعيبة" التي تقترح استخدام "منى متجمد من متطوعين يتم اختيارهم بعناية" فكتب يقول : إن بعض الناس يتحمسون لفكرة إخصاب البويضات البشرية بمنى الفائزين بجائزة نوبل "لابد أنهم على الأرجح لا يعرفون أي واحد منهم" لكن كيف لنا أن نختار مثلا مزايا معقدة تتحكم فيها جينات كثيرة لا نعرف عنها أي شىء؟ وأي هذه الجينات، نعتبرها  أفضل وأيها قد نرغب في استبعاده؟ فكل منا يحتوي على فسيفساء "موزايكو" من الجينات الجيدة والسيئة، يقال إن إبراهام لنكولن كان يعاني من مرض وراثي في العظام وكان ديستوفسكي مصابا بالصرع أما فرجينيا وولف فقد كانت مصابة بهوس اكتئابي، فإذا كان لليوجينيا أن تستبعد الأجنة البشرية التي بها جينات معيبة لما عاش أي واحد من هؤلاء الثلاثة·

ويتنبأ جاكوب بأن معرفتنا بالجينوم البشري وخرطنة الجينات التي تجعلنا عرضة للإصابة بمختلف الأمراض ستعني ان الناس سيصبحون مرضى قبل الأوان وستتم مناقشة ظروفهم ومستقبلهم بالمصطلحات الطبية حتى لو كانوا يشعرون أنهم في حالة صحية طيبة وسيظلون هكذا لعدة سنوات·· ويضيف "وسواء وجدت وسائل للعلاج أم لم توجد فإن الاضطرابات المحتملة ستعلن عن نفسها في المستقبل كما لم يحدث قط من قبل" ويمكنني أن أضيف لذلك أن الناس ستقوم بهذه الأمور في المجتمعات الغنية التي تقدر على إنفاق مبالغ كبيرة على المسح الجيني - أي سيحدث في أقلية صغيرة من الجنس البشري·

 

حياة الإنسان مهددة

 

أما صحة معظم الناس على كوكب الارض فما زالت مهددة بالدرجة الأولى بالطفيليات والأمراض المعدية وسوء التغذية، ويشكل الانتصار على هذه المخاطر تحديا أكبر أمام الطب والمجتمع·

ويتناول جزء من كتاب جاكوب حياته نفسها كعالم وكذلك موضوع العلم بشكل  عام يقول جاكوب "تاريخ العلم وهو تاريخ معركة العقل والمنطق ضد الثوابت الجامدة" "والتي تتضمن في رأيي الأيديولوجيات السياسية مثل الماركسية" "أدخلت الباندورا" ابهاما وغموضا أساسيا إلى العالم·· فمن الآن وصاعدا سيتزاوج كل شيء طيب مع شقه الشيطاني المضاد وكل ضوء مع ظله"·

ويكتب جاكوب في سياق مناقشة هذه الظلال "لم يتوقع أحد أن تؤدي سرعة ونمو الطب والصحة العامة إلى زيادة السكان التي تضع أمام البشرية واحدا من أعتى التهديدات"

والآن يبدو كما لو أن الايدز قد أصبح هو التهديد الأكبر بدلا من ذلك فالإدز في طريقه لأن يصبح مرضا لعشر سكان الهند، وفي بعض مناطق أفريقيا تصل نسبة المصابين فعلا إلى معدل 25 في المئة من السكان، وقد يقضي المرض على تجمعات سكانية بأكملها في النهاية·

وفي كل الأحوال فإن كتاب جاكوب - مثل كتبه السابقة - في براعة بين المعرفة والطرافة والحكمة، والكتاب مدهش في وضوحه عندما يصف الأشياء التي نعرفها حول التساؤلات الأساسية في الحياة والقوانين التي تتحكم في نمو كل نوع  - وعندما يصف مالا نعرفه·

* الكتب وجهات نظر - العدد السادس يوليو 1999

طباعة